العدوان على القدس… يفسد الود والقضية!

حجم الخط
0

■ تقف السلطة الفلسطينية، على أرض سياسية تكاد تكون أكثر هشاشة من تلك التي ولجت اليها قبيل اتفاق أوسلو الشهير، الذي مكنها من صناعة «كيان سياسي» فلسطيني رخو، حتى أنها لم تحظ بهذا الكم من تجارب الإخفاق على مدار عقدين من إنشاء السلطة، الذي شهد فقراً متزايدا في الخبرة والأداء في تخطي المصاعب المتزايدة.
ونحن نشهد تلاؤماً مع الظروف غير المؤاتية، بحيث استحال في ظروف العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني ومقدساته الاحتفاظ بكل ما تحقق من «إنجاز» يمكن أن ينسب للمنظمة أو السلطة، لتبقى الأبواب مفتوحة أمام مزيد من الإخفاقات والعثرات.
أصعب ما تواجهه السلطة الفلسطينية، منذ انشائها، المتمثل في إضعاف دور منظمة التحرير ومؤسساتها الوطنية في حماية الشعب الفلسطيني داخل وطنه وشتاته، نجحت السياسة الاسرائيلية والعربية المتماهية معها في إخراج منظمة التحرير من دائرة الصراع، وإحلال السلطة الفلسطينية بديلاً راضياً ومستحباً لدورها الجديد في إدارة الصراع، على قاعدة التمسك بتلابيب الاتفاقات مع إسرائيل، أياً كانت النتائج التي خلفتها وتخلفها السياسة العدوانية للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على الأرض والإنسان الفلسطيني.
وضعت الاتفاقات الفلسطينية ـ الإسرائيلية في خانة الانهيار، من اليوم الثاني لإبرامها، وهي حقيقة تأكدت بمضي سنوات الاستيطان ومواصلة مصادرة الأراضي وفرض الحصار والتهويد المستمر، وتشريع القتل وإبرام القوانين الفاشية ضد الفلسطينيين. تمسكا بحقيقة هذه المصاعب، وبهشاشة الردود الفلسطينية على الاعتداءات الإسرائيلية، ليس على القدس فقط بل على مجمل العدوان الذي لم ينقطع منذ إبرام «اتفاق اوسلو»، ما يفسح المجال أمام تعاظم المخاطر على الوجود الوطني الفلسطيني وكيانه الرسمي. ويتجلى هنا دور الكيانات الفلسطينية، التي تبدو هشاشتها «المعارضة» في دورها المعبر عن رفض ارتجالي خجول للسياسة الرسمية الفلسطينية، بما ينسجم مع تحالفاتها المالية والسياسية مع سلطة تدعي معارضتها في مناسبات لا تواكب العدوان، صار لهذا كله تأثير في إضعاف دورها ودور جمهورها المشكل نقاط القوة لمواجهة هجمات المستوطنين في القدس والقرى والبلدات والمدن الفلسطينية، واضعاف البرنامج السياسي والنضالي للفصائل والقوى الاخرى، بحيث استطاعت السلطة الفلسطينية وأجهزتها الامنية، بفضل الرصيد المتكون من التنسيق الامني لحماية قطعان المستوطنين، من ردع اي فعل لمواجهته مع تطور الاعتداء الوحشي على متظاهرين منددين بعدوان المستوطنين على القدس او غيرها، وفقدت بفضله القدرة الكافية على ان تقول (لا) حقيقية للعدوان، إلا أمام شاشات التلفزة التي تخاطب من خلالها مجتمعا دوليا اصم منذ سبعة عقود..
في ذروة زهوها بغنيمة «السلطة» بعد اوسلو، كانت المؤسسة الاسرائيلية تفاخر في كل مناسبة بتنسيقها الأمني معها، وعند ذروة الاندفاع نحو التنديد بالعدوان، كان الجواب يأتي للإسرائيلي مطمئنا على ثبات الجهود المشتركة لمواجهة «الارهاب»، الذي يعكر عربدة الاستيطان والتهويد، ويهدئ من ردة الفعل على القتل، حرقاً أو دهساً أو قصفا او اغراقاً لغزة المحاصرة، بهذا الزهو استمر الاستيطان وعربدته التي كانت تلجمها سواعد الفلسطينيين في مدن الضفة، التي زرعت رعبا في قلوب المستوطنين، وفي عهد الزهو المستمر، زرعت السياسة الرسمية الفلسطينية رادعاً يمنع مواجهة الاستيطان، ويحصره في ردود التصريحات وبيانات الشجب الرسمية، التي بفضلها تخردقت جغرافيا «الدولة الفلسطينية» بكتل ضخمة من الاستيطان، كانت كلها رسائل اختبار، ترسب فيها العقلية الرسمية الفلسطينية من اثبات تمثيلها وحضنها «الحامي» للحقوق والانسان الفلسطيني.
كل هذه الفاعلية الهشة للسياسة المواجهة للعدوان، دفعت إلى ما هو أبعد من زهو التصريحات المتكررة، التي يقف خلفها صانع «القرار» الفلسطيني لحماية المشروع الوطني، بل بهذه الفاعلية تشرعن الهجوم الشامل على الوجود الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، وارتفعت وتيرة العدوان في القدس والنقب ويافا واليرموك وحندرات ودرعا ونابلس، وضعفت كفاءة المواجهة الشاملة وتقوقعت في التنسيق الأمني، لا مع الاحتلال وحسب، بل مع بعض الانظمة العربية المنهمكة في تدمير مخيمات الفلسطينيين في سوريا واذلالهم في بيروت والقاهرة وبغداد وعمان، ثم التباكي والصراخ على «مؤامرة» التهجير القسري لهم عبر الحدود والبحار. إذ كيف تسنى لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تقدم تطميناتها المستمرة لحماية الشعب الفلسطيني في اماكن وجوده، ان تتحول، بدوغمائية غير مفهومة، عبر بيانات متتالية لتفسح المجال امام مزيد من الارباك حول الخطاب والسلوك المؤدي الى تفسخ ما هو مشترك وجامع للفلسطينيين والتخلي عن مؤازرتهم في محنتهم السورية والعربية، من قتل الفلسطيني في شتاته الى استخدام هراوة شرطي السلطة في رام الله، على افواه واجساد الغاضبين والمقاومين لاعتداءات المستوطنين، فاذا كان نهج السلطة الفلسطينية نجح في تشكيل هويته المنفصلة عن باقي الشتات الفلسطيني، بعيدا عن الشعارات المطمئنة، فإن نهج الاستبداد المحمي بلوبي قومجي فلسطيني، انتج هوية فلسطينية منفصلة قائمة على ركائز غير مندمجة في تطلعات الفلسطينيين، التي شكلت على الدوام ضمانة اكيدة لمشروعهم الوطني ضد هيمنة الخطاب القطري، أو الانتماءات الاخرى التي تبعث على تفتيت هويتهم، تحول معها التضامن والود البيني بين الفلسطينيين في «الربيع العربي» الى افساد له، وتحكمت في علاقاته دورة تحالفات مدمرة للبوصلة التي يبحثون عنها وينادون للاهتداء بها.
لم تخل الطقوس والبيانات التي تعج باستهداف الفلسطينيين من قبل الاحتلال الصهيوني وصيحات «النجدة» لحماية المقدسات، لكنها تختفي عند استهدافهم من قبل النظام العربي، وتتضاءل عند اذلالهم في بغداد وبيروت ودمشق وعمان والقاهرة، وهذه اسطورة من اساطير البيانات الرسمية لإعلام السلطة الفلسطينية وفصائل المنظمة، التي لم تنجح في صياغة ما يمكن ان يطلق عليه الحاجة الماسة لمنع تفكيك الروابط الوشائجية مع الشارع الفلسطيني، وهنا تكمن أهم العوامل التي تُفسد وُد القضية على حساب المواطنة والهوية والحقوق التاريخية.
عُلقت أجراس الخطر مع كثرة الاعتداءات الاسرائيلية، وتنبه كثيرون من الانزلاق نحو الارتدادات الكارثية، بينما في الممارسة بتنا أمام مشهد النأي بالنفس عن هذا الشعب لمصلحة التنسيق الامني وتقييد التمثيل بخلط بين المنظمة والسلطة عن قصد، وللوصول عن سابق اصرار للجم واعتقال واعتداء على كل من تسول له نفسه التصدي للعدوان.
يبقى القول إن الحالة الفلسطينية الرسمية أملت صبغة متأصلة على سياستها وذات نفع مشترك مع عدوها، ولم تسجل عملياً أي حالة نجاح لدرء حالة العدوان استيطاناً وتهويدا، قتلا أو حرقاً، اعتقالاً أو تهجيرا، غير جملة التصريحات التي دأب على اجترارها مسؤولوها، التي تشتمل على تسويق الشعارات التي لا تحفز الآمال، وتستثير الشكوك وتزيد المخاطر التي تكتنف الوجود الفلسطيني، تسيطر الدوغمائية الفلسطينية سادةً كل النوافذ بفتح كل الابواب التي تفسد الود والقضية، بالتخلي عن كل الاسس التي صنعت قوة موقفها ومقدرتها على المجابهة، وهنا ينبغي التذكير بالعُقد المستمرة التي تقف سداً منيعا أمام سبل التواصل مع الشارع الفلسطيني، الذي بنته سياسة التحول الدوغمائي للفصيل الفلسطيني وسلطتيه في غزة ورام الله، بهذا المقــــياس للأعمال المنجــــزة لحماية المشروع الفلسطيني وإنسانه المعــــذب والمحاصر والمطارد، يمكن لنا القياس بالأفعال لا بالألفاظ التي يتوهم ساسة السلطة انها «قــــنابل» ستبعثر مشهد الاستيطان والعدوان بعد ان حفظ الفلسطيني آلاف الشواهد المخالفة للأقوال، الموقف من العدوان على القدس والاستيطان يفسد كل القضية وكل ود.

٭ كاتب فلسطيني

نزار السهلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية