أعمال تهرب من راهنيّة اللحظة الحرجة

حجم الخط
0

اللاذقية ـ «القدس العربي» من يارا بدر: كفنانين تشكيليين سوريين نحاول العمل والحلم وسط القلق الذي استقرّ في بلادنا، لن نتحدّث عن الموت الساكن تقريباً في كلّ منزل من المنازل التي غادر شبابها لأداء خدمة العلم الإلزاميّة، ولن نتحدّث عن الجهاديين ذوي الراية السوداء المتربصين بنا على حواف جبال تطلّ على شاطئ بحر، نحاول أن نرمي به خوفنا وهمومنا. لن نتحدّث عمّن رحل ولا عن البدايات ولا أحد منّا يُدرك كّنه النهايات. سنحاول أن نرسم وأن نحلم.
هذا ما حاول المشاركون في ملتقى التصوير الزيتي «أغافي» قوله. لكن، وبإسقاط كلّ هذا غدت أعمال ملتقى التصوير الزيتي الذي أقامته وزارة الثقافة ومديرية الفنون الجميلة في مدينة اللاذقية السورية بالتعاون مع وزارة السياحة وفندق «لاميرا» خارج الزمن، بلا هويّة أو حكاية.

أعمال بلا هويّة:

شارك في ملتقى «أغافي» أكثر من عشرة فنانين وفنانات من مختلف الأعمار، بعضهم من أبناء المدينة، ومنهم نازحون من مناطق ساخنة أخرجتهم نيران الاحتدام العسكري من بيوتهم، خاصة من مدينة حلب، لكن أيّاً من المشاركين لم يُخلّف بصمةً خاصة في لوحته تميّزه عن الآخرين. فمعظم الأعمال ركّز رسّاموها على المناظر الطبيعية، وعلى الحضور الأنثوّي، في تصوير متنوّع المدارس، البعض اشتغل على التجريد والبعض نحى إلى التكعيبي، وقليلة هي الأعمال التي اشتغلت على التصوير الواقعي.
خولة العبد الله فنانة شابة تخرّجت مؤخراً في كليّة الفنون الجميلة في جامعة حلب- قسم التصوير الزيتي، وتحضّر حالياً لرسالة الماجستير، كانت من المشاركين القلائل الذين ابتعدوا عن تصوير المناظر الطبيعية، تجلس في بهو الفندق تعمل على «بورتريه» لفتاة شابة لا تشبهها من حيث المظهر الخارجي، لكن في اللوحة ذاتها يحضر الظل بكونه العنصر الأبرز الذي يشدّ عين المتلقي، فهناك يكمن ما لا يُقال وما يهم الباحث في اللوحة عن سرّ حكايتها أكثر من الوجه والشعر المكشوفين في مواجه عين الناظر. حركة اليدين الدفاعية التي تخبئ خوفاً لا يتناسب وسكون وجه الفتاة، تفتح المجال لأكثر من قراءة، وربما يعود السبب في عدم الوضوح هذا لكون اللوحة التي اختارات خولة ألا تعنونها لم تزل مفتوحة على التطوّر في ملتقى استمرّت فعالياته طوال عشرة أيام من 9 إلى 19 الشهر الجاري.
لينا ديب هي الأخرى اختارت الابتعاد عن المناظر الطبيعية والتمسّك بالحضور الأنثوي أساساً، لتجسيد شخصية البطولة في زمنٍ يغيب فيه الرجال ويثقل الحمل كاهل النساء. واختارت «على جدار الزمن» عنواناً للوحتها التي كما صرّحت لـ«القدس العربي» لم تفكر سابقاً باسم لها.
ديب لا تشتغل بتقنيّة الكولاج بل تهيئ بدقة تصويرها للناظر عملاً يعتمد هذه التقنيّة، في لوحة نقطة قوّتها الأساسيّة هي التوازن الذي تقيمه ديب بين جسد السيدتين حزينتي الملامح اللتين تضمّان بعضهما بعضا بمؤازرة على ألم يغمرهما، كما السواد الذي اتشحتا به، وبين الفراغ الأصم أمامهما. ديب كما العبد الله وباقي المشاركين والمشاركات تواجه بدرجة عالية خطر الانزلاق في المطب اللوني.

الاختيارات اللونيّة الفجّة:

ينطبق هذا العنوان على معظم الأعمال المشاركة في فعاليّات ملتقى «أغافي»، بعض الفنانين لم يخش من استخدام اللون الزهري في عملٍ يسود معظمه الألوان الترابيّة، وآخر غامر باستخدام البنفسجيّ مع أخضر وأزرق ناريين لتصوير حقل يمتدّ ملء اللوحة بثقلٍ يكتم على أنفاس المشاهد. محاولاً تقليد الفنان الهولندي الشهير «فان غوخ» في تصويره لذاته. صوّر فنان شاب بورتريه رجل عجوز وجهه يسود اللوحة ويغمرها لون أزرق خافت البهجة، لا حزن يُقرأ في اللون ولا فرح، وكأنّ ليس للعجوز كثير يُخبر بهِ. هذه أمثلة عن اختيارات لونيّة سيئة، لكن المشكل الأساسي ما الذي تريد هذه الأعمال قوله لمشاهد يعيش اللحظة ذاتها مع رسّام اللوحة، في المكان ذاته والظروف الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسية. انعدام القول هذا أو غياب الرغبة في القول ظهر جليّاً في تصاوير تعتمد التقنيات الكلاسيكية بأبسط مستوياتها، في عشوائيّة الخطوط التي تحدّد مشهديّة العمل، في خلّل توازن بُنيّة اللوحة.
ضعف التقنيّة قدّم للجمهور مجموعة أعمال لم يزل معظمها في طور التشكيل، لكنها تعكس بالدرجة الكبرى تعباً ومللاً يتسلّل إلى الناظر، هروباً من واقع شديد الاضطراب إلى عالم لوني مجنون، لكن للأسف لم يزل فنانه غير قادر- كغالبية السوريين- على اتخاذ موقف وتحديد رأي من كلّ الجنون الذي يُحيط به.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية