القاهرة ـ «القدس العربي»: رحل الشاعر (حسن فتح الباب 1923 ــ 2015) بعد رحلة إبداعية طويلة، ومن خلال عدة دواوين تحمل سمات تجربته الشعرية الممتدة منذ عام 1957 بإصداره ديوانه الأول «من وحي بور سعيد»، حتى العام 2011 وصدور ديوانه «وجوه في الميدان»، الذي يرصد لحظة الوعي المصري التي تحققت في ثورة 25 يناير. الرجل كان يتفاعل بالسياسي والاجتماعي الذي يمر به مجتمعه، بداية من الحلم القومي الذي عاصره وتفاعل به كما جيله من الشعراء والأدباء، إضافة الى معاصرته الهزائم والإخفاقات التي طالت هذا الحلم، ووصولاً إلى لحظة هامة وفاصلة في التاريخ والوعي المصري الحديث ــ بغض النظر عن النتائج النهائية ــ وهي لحظة الثورة المصرية الحقيقية، التي لم يخجل الرجل وشارك بها من خلال أشعاره، التي مجدت الشباب المصري ودورهم الذي لا ينكره أحد.
الثورة والشعر الحر
منذ بداية دواوين الشاعر حسن فتح الباب، نجد ملمحاً نحو شعر التفعيلة، الذي بدأ كثورة على الشعر العمودي التقليدي، بعد الحرب العالمية الثانية، وربما حال الرجل الذي عاش التناقض والثورة عليه، من كونه بالأساس ضابطاً للشرطة وشاعراً في الوقت نفسه، هو ما جعله يبحث عن صيغة توفيقية، او ثورية من خلال القصيدة، وهو ما جعله في ديوانه «فارس الأمل 1965» يسعى إلى بث الحس الثوري من خلال قضايا بعينها، مثل حركات المقاومة في الجزائر وفي فلسطين والعراق وفي أمريكا اللاتينية .
لم تغب عن الشاعر النماذج الحية التي يطالعها ويتفاعل معها إلى أقصى حد، كالباعة الجائلين، وسكان الأزقة، وكأنها تحيات يرسلها إليهم، فلا يملك إلا الكلمات وحدها، هذه الأعمال التي تشبه المراثي، تشير إلى حِس إنساني حاد، كما في قصيدتي «شوارع المدينة» و»دم على البحيرة». وكأن ما يجمع هؤلاء هو فقط حلم البقاء على قيد الحياة. وتتماس الحالة هنا مع حالة الشعب عامة، والمفارقة بينه وبين حكامه ونظامه، ليصبح هؤلاء مجرد إحالة إلى حالة أكبر توحي بها القصيدة بدون أن تصرّح في مباشرة تنفي عنها فنيتها.
ديوان الثورة
ربما يأتي ويتجسد تماماً الحِس الثوري من خلال ديوان «وجوه في الميدان»، الذي مجّد وخلّد ثورة الخامس والعشرين من يناير. فقد تناول إرهاصات الثورة، ثم شراراتها فى ميدان التحرير، الذى هو رمز الثورة المصرية، الذى يعبر به عن كل ميادين مصر التى خرج إليها الشعب المصرى.
فيقول في قصيدة «اعتراف»:
نحن – الشيوخ الناقمين – كالشباب لكننا لم نمتلك ما امتلكوا
إرادة الصمود شجاعة المواجهة
وكان منا من أرادوا مغنما كأنهم ثعالب صفراء
عرفتهم لكننى لم أعترف بهم أولئك المنافقين واحداً فواحداً
لو عاد بى الزمن إلى ربيعى مثل آلاف الشباب الثائرين
لكنت بينهم
لكننى اليوم الشتاء فكيف لى أن أنطلق
إلى محطة التحرير لأطرد الأشباح
وأسقط الوثن أدفنه بلا كفن أحرر الوطن
وهو هنا يُسقط عن نفسه البطولات الزائفة، ويعترف بما فعله وحققه جيل الشباب الثائر، ويحيهم بلا أي توجس، أو روح من التعالي الفارغ، بل وتصبح كلماته أكثر تعبيراً عن الكثير من الشعراء الشباب أنفسهم!
وليختتم الديوان بهذه الكلمات:
وعاد للميدان
يضم قلبه الجموع
مدثراً براية خضراء
فى ساحة التحرير
وساعة الخلاص
يهتف: عِشت مصر.
بيبلوغرافيا:
ولد الشاعر حسن فتح الباب في القاهرة عام 1923، حصل على ليسانس الحقوق عام 1947 وماجستير العلوم السياسية عام 1960، ودكتوراه القانون الدولي عام 1976. عمل كضابط للشرطة، وأحيل إلى المعاش برتبة لواء في العام نفسه. عمل في الفترة من 1976 ــ 1986 أستاذاً زائراً في كلية الحقوق، جامعة وهران بالجزائر. عضو في لجنه الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، اتحاد الكتاب، جمعية الأدباء، وجمعــــــــية القانون الدولي.
بدأ في نشر دواوينه الشعرية في العام 1957، والذي جاء بعنوان «من وحي بور سعيد»، لتتوالى دواوينه بعد ذلك .. «فارس الأمل 1965»، «مدينة الدخان والدمى 1967»، «عيون منار 1971»، «حبنا أقوى من الموت 1975»، «أمــــواجا ينتشرون 1977»، «معزوفات الحارس السجين 1980»، «رؤيا إلى فلسطين 1980»، «وردة كنت في النيل خبأتها 1985»، «مواويل النيل المهاجر 1987»، «أحداق الجياد 1990»، «الخروج من الجنوب 1999»، وأخيراً ديوان «وجوه في الميدان» عام 2011.
كما أصدر عدة دراسات نقدية، منها: رؤية جديدة في شعرنا القديم، شعر الشباب فى الجزائر بين الواقع والآفاق، شاعر وثورة.
وحصل على العديد من الجوائز المحلية والعربية، منها: جائزة شعر 6 أكتوبر من وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في جمهورية مصر العربية، وجائزة مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري.