يحدثني خبير من الطراز الذي يعتد بروايته عن استعدادات اسرائيل الباطنية لحسم ملف مدينة القدس واثبات النظرية التاريخية العقيمة حول جبل الهيكل وتهويد القدس واستثمار لحظة انشغال الامة بجراحاتها وانقساماتها وحفلات التلاوم والصراع لتنفيذ تلك السيناريوهات المجنونة في الذهنية الاسرائيلية اليمينية المتطرفة.
نظرية الصديق المخضرم تستند إلى ان اسرائيل في لحظة انتهازية كونية اليوم وفي حالة ابتزاز للعالم لأنها تريد ثمنا قويا بدل صمتها او بلعها للاتفاق النووي الإيراني الأمريكي.. أقل ثمن مفترض في هذه الحالة هو فلسطين.
حسب المعطيات جهز القوم فعلا مجسما ضخما لجبل الهيكل وغرقوا في تفاصيل التفاصيل ويستعدون للحظة التي يحفرون فيها حتى يظهر دليلهم اياه على يهودية المكان.
القوم وصلوا لحد جنوني وراء الستارة فهم يخصصون وقتا ومالا كبيرا لانتاج تلك البقرة الحمراء التي لا تنبت فيها شعرة واحدة كدليل على مزاعمهم في خطوة من الواضح انها تسبق سيناريو اعلان «يهودية الدولة» في الوقت الذي تتضاعف فيه الجهود لحسم الامر وتغيير الواقع في مدينة القدس.
لذلك يضرب بنيامين نتنياهو عرض الحائط فيتجاهل الرئيس محمود عباس ومناوراته التي تعكس قلة الحيلة والعجز ويتجاهل مصر التي تخدمه باغراق الانفاق التي تدعم المقاومة كما يتجاهل كل الاطراف التي يمكنها ان تفكر في الاعتراض.
اسرائيل تتجاهل ايضا الوصاية الاردنية على المسجد الاقصى واوقاف القدس بل تهدد عمان وتتهمها بالتحريض فيما لا يقود التصعيد الاسرائيلي لوقف مشاريع التعاون المتعلقة بصفقة بيع الغاز مثلا.
لا اميل كثيرا لتلك النظريات العقائدية التي تحاول تفسير الصراع الانساني مع اسرائيل على اسس ميثالوجية وادبيات تراثية من الطراز الصالح للمتحف.
واميل إلى التحليل الذي يتحدث عن انقسام الامة وتخاذل نظامها الرسمي ودور انظمة الاستبداد في خدمة التفوق الاسرائيلي وغياب الاصلاح والديمقراطية والعمل بموجب الاسباب.
لكن ذلك لا يغير في حقيقة الامور فنحن ازاء كيان اسرائيلي متصهين غريب ومرتاب يجازف بعلاقاته الدولية على اساس وهم الهيكل ويخطط لابتلاع المزيد من الارض ولا يحفل بالمجتمع والقانون الدوليين ولا حتى بالاصدقاء والحلفاء العرب.
يبدو ان العقلية التي قفزت بنتنياهو لواجهة السلطة هي نفسها تلك المجنونة المهووسة بالاساطير والخرافات مع خلاف بسيط معنا نحن معشر العرب فحتى اساطيرنا المتعلقة بالمجد التليد في الماضي ضيعناها وفقدنا الامل بالمستقبل ومن الواضح ان انحيازات المجتمع الاسرائيلي تثبت بان القوة الابرز في مؤسسات الكيان الاسرائيلي هي قوة «الخرافة الدينية» فالخرافة تتجول في القدس على شكل جرافة وعلى هيئة وزير ورئيس وزراء.
من غير المنطقي اسقاط عنصر الخرافة السياسية الاسرائيلية في الوقت الذي تجتمع فيه نخبة من علماء الكيان لوضع ترتيبات جينية تضمن ميلاد البقرة الحمراء اياها وفي الوقت الذي يعمل فيه الساسة والبيروقراطيون على تأسيس هيكل مزعوم للتدرب على الصلاة حوله بعد العثور عليه.
علق الشعب الفلسطيني المسكين وسط قوة ثلاثية الابادة…كيان مجنون يبني امجاده على خرافات وأساطير يرددها الموتورون. وسلطة منقسمة مفتتة وأمة في اضعف احوالها مع ميزان اقليمي منفلت يكرس الكراهية ويبث في اجواء المنطقة وهواء شعوبها سموما مكثفة على شكل اساطير وخرافات وخزعبلات يرددها جميع المتشددين.
ثمة فارق بين اولادنا الموتورين نحن العرب والمسلمين وبين ما يحصل في اسرائيل.. عندنا أفراد أومجموعات يعتبرون نقطة سامة في محيط المسلمين والإسلام اماعند الشباب في الكيان فالمؤسسة برمتها مازومة وقائمة على الاساطير وتدير عقولها الخرافات، واصحاب الرشد والتعقل حتى في اسرائيل يتم اقصاؤهم.
نحن شعوبنا غير موحدة وراء رموز الإرهاب ورفض الآخر ولا يمكنها ان تصوت لهم في اي انتخابات نزيهة ـ لو حصلت – لكن المجتمع الاسرائيلي يصوت للوزراء الذين يحملون معولا ليحفروا فيه تحت المسجد الاقصى ويحول اولئك الذين يحرمون تماس الجسد خلال التزاوج إلى اعضاء ومشرعين في الكنيست ووزراء في الادارة.
لا فائدة من اقصاء نتنياهو وحكومته لان التطرف اصبح سمة متفوقة في المجتمع الاسرائيلي واي انتخابات بعد اسقاط نتنياهو قد تأتي بمن هو اسوأ منه بكثير لأن الخرافة استحكمت في المؤسسة الاسرائيلية اليوم وتملك الشارع والمؤسسات.
تماما كما استحكمت فكرة «الخلافة» في عقول وذهون الكثير من شبابنا من ضحايا ثنائية الفساد والاستبداد.
واقعنا الاقليمي عالق بدوره في مازق نادر فالخرافة الاسرائيلية عندما تتحول لقوة عسكرية عمياء او لرصاصة حية تطلق على مطلقي الحجارة من اطفال فلسطين تعزز تلقائيا وفورا مؤسسة التخلف والتطرف والتشدد في عالمنا العربي الإسلامي.
وما يفعله الموتورون منا من قاطعي الرؤوس وانماطهم في منطقة الشرق الاوسط وبجوار فلسطين يبرر للاسرائيلي المتطرف بالمقابل المضي قدما في لعبة الدولة اليهودية التي تتطلب حسم مسألة الهيكل والقدس والمسجد الأقصى والانتقال للخطوة التالية.
الطرفان في دولة الخرافة ودولة الخلافة يتبادلان المنافع فممارسات اسرائيل ضد اقدس مقدسات المسلمين في القدس تعني تغذية وتسمين واطالة عمر الاحتقان الطائفي والخطاب الاقصائي الجذري كما تعني ان الإرهاب المتشدد سيرتع للمزيد من الوقت ولعقود في محيط من الذرائع والمبررات التي تنتجها اسرائيل.
اسرائيل كانت وستبقى المصنع الاساسي في انتاج التطرف والتشدد واليوم يقابلها المجانين الذين يتحدثون باسم الله والإسلام فيحيلون حياتنا إلى جحيم ويوفرون لها الذريعة الاقوى لتبرير الدولة اليهودية امام مجتمع دولي بات مرتابا بالمسلمين ويشكك بالإسلام.
٭ إعلامي اردني من اسرة «القدس العربي»
بسام البدارين