تونس ـ «القدس العربي»: أهم ما ميز المسرح العربي هو جديته في البحث عن تقنيات متجددة وأدوات مختلفة في الأداء وفي السينوغرافيا وفي الدراماتورجيا، ولو بشكل أقل.
ولعل المسرح التونسي بالأساس في مقدمة الماراثون التجريبي في المسرح العربي عموما، بما يقترحه من أبحاث وورشات في الفن الركحي، ولعل مسرحية «سوس» أو «برناويا» التي أنتجها مركز الفنون الدرامية بقفصة هذه السنة، إخراج نزار السعيدي، وتأليف عبد الوهاب الملوح، التي ستفتتح الدورة 17 لمهرجان قرطاج للمسرح في تونس، تدخل ضمن هذا البحث التجريبي، الذي يسعى لابتكار كل ما هو مختلف ومغاير، بعيدا عن التكرار والاستنساخ، وقد اعتمد المخرج على أداء الممثلين فقط، والمقاربة الكورغرافية التي أمنتها الفنانة الكبيرة نوال إسكندراني وقوة وعمق فكرة العمل. ولقد جاءت المقاربة الإخراجية لنزار السعيدي وهو من خريجي المعهد الأعلى للفنون المسرحية في تونس، وهذا العمل هو ثالث انتاجاته المسرحية جاءت هذه المقاربة متأسسة على الطاقات الكامنة لدى الممثل وعلى توليد هذه الطاقة وتحريرها، من خلال جعل الممثل هو الذي يحقق فنية العمل بدرجة أولى. واللافت في هذه التقنية عدم اعتمادها على أي ديكور، إذ يمكن تصنيفها ضمن المسرح الفقير الذي لا يستند إلى أي مقومات أخرى خارج القدرات الذاتية للممثل، هذا الممثل الذي هو ليس مجرد مؤد وليس مجرد أداة فنية، بل هو شريك في صنع العمل الفني، وهو أيضا شأنه شأن المخرج وشأن المؤلف، يعمل على ترك بصمته على الركح، بصمته التي تؤكد وعيه وإدراكه بما يقوم به . لقد تطلب إنجاز هذا العمل أكثر من ستة أشهر، ليس من أجل تدريب الممثلين، فأغلبهم من المحترفين، الذين يمتلكون قدرات فنية عالية في فن التمثيل، مثل حمزة داود ومحمد ساسي القطاري وعبد الرزاق صخراوي وعادل رابح وغيرهم، ولكن كان لا بد من كل هذا الوقت، من أجل استيعاب الفكرة وأبعادها ورموزها، ألا وهي فكرة من أين يأتي العنف؟
لم يكن عمل نزار السعيدي كلاسيكيا بقدر ما كان حداثيا تجريبيا، قائما على فكرة وعي الممثل بواقعه من خلال تفكيكه له، ثم إعادة تجسيده وفق قناعاته إثر عدة نقاشات ومحاورات تحفر في مفهوم العنف بجميع أشكاله، وهو ما جعل من اللوحات الإحدى عشرة التي جاء فيها العمل لوحات تجسيدية، كما لو أنها مستقطعة من الواقع اليومي، غير أنها لم تقع في فخ المباشرة أو التسطيح الأجوف، إذ أن الأداء مصحوبا بالموتيفات الموسيقية والتنويعات الضوئية، أضفى على العمل الصبغة الرمزية، وهو ما خدم الفكرة في عمقها الإنتروبولوجي منذ قابيل وهابيل، وخدمها أيضا في عمقها الديني والسياسي الآيديولوجي الذي جسده بعض الممثلين بصورة كاريكاتورية، كما في أداء القطاري أو الصخراوي، أو عادل رابح، فكما استطاع نزار السعيدي الإفلات من سياسة إدارة وتلقين الممثلين، تمكن أيضا من تحقيق عمل فرجوي خال من الديكور والإكسسوارات، ولقد كان للمقاربة الكوريغرافية التي أنجزتها الفنانة الكبيرة نوال إسكندراني دورها في تحقيق مرقى جمالي ذكي، فجاءت حركة الممثلين على الركح متوازنة ومنسجمة مع المقول، ومع اللحظة التي تمليها الحال النفسية، إذ أنه ورغم وجود أحد عشر ممثلا على الركح يتحركون بسرعة ويغيبون، فلم يمثل حضورهم جميعا اكتظاظا زائدا، كما لم يؤد غيابهم إلى فراغ في الحلبة المسرحية، بل أنه من الحري تهنئة المخرج والفنانة نوال إسكندراني على تحقيق مثل هذا التوازن في فضاء محدود بعدد كبير من الموارد البشرية، فلقد جاءت بعض المشاهد لافتة من حيث الأداء الجسدي، الذي كان متناسقا تماما مع الفكرة وتداعياتها، بدءا من اللحظة الأولى، حيث يتم استثمار الفضاء الخالي وملأه بالطاقات الجسدية للممثل (شخصية صبري) الذي استطاع لوحده أن يملأ الساحة ويقول بجسده ما لا يُقال بالكلام، فيحضر الجسد بعنف قاس، ذلك إن هذه المسرحية في جوهرها تواجه سؤال العنف، تداهمه بكل جرأة وتبحث عن المسكوت فيه.. إنها عمل عنيف جدا في جمالياته من خلال البحث عن جماليات العنف.
يعود (صبري) الشاب الذي حصل على منحة كجريح ثورة حاول أن يستفيد منها بـ(الحرقان) الهجرة غير الشرعية، ويفشل في ذلك ويعود إلى بلدته منكسرا مهزوما، ولحظه السيئ تتزامن عودته مع حادثة حرق أهم مكتبة في البلاد، وتوجه أصابع الاتهام له مباشرة مما يدفعه للفرار والتخفي، فيلوذ أول الأمر بأمه الأرملة، ليكتشف أنها تزوجت من عون، أمن معزول كان في السابق ممن عذبوه في السجن. يبحث عن حبيبته باحثا عن ملجأ عندها فيكتشف أنها على علاقة بواحد من أكبر رجال الأعمال (ماركانتي) من أثرياء الثورة، استغل حالة الانفلات في البلدة ليكدس الثروات، من خلال إنشاء عصابة تهريب. تنغلق كل الأبواب أمامه ويجد نفسه مرتكبا لجريمتي قتل، حيث يتم القبض عليه وتقديمه للمحاكمة، لكن محاميه يطلب عرضه على الطب النفسي باعتبار أنه مريض نفسيا.. وتبدأ المسرحية من لحظة الاستماع إلى هذيان (صبري) لتستعيد كل الأحداث الماضية، لكن يتضح في الأخير أن الأطباء المعالجين هم بدورهم في حاجة للعلاج. هذا ملخص مختصر لأحداث مسرحية «سوس» التي هي في الحقيقة تعمِّق السؤال حول العنف، أسبابه وجذوره ودواعيه هذه الأسباب القديمة الحديثة، أسئلة متراكمة منذ الأزل انضافت إليها أسئلة أخرى وصار الأمر بمثابة الإشكال المعقد الذي لابد من البحث فيه بعمق وعدم استعجال الوصول إلى أجوبة، ذلك أن العنف ليس وليد اليوم ولا الأمس، وإنما جاء مع الإنسان، والإنسان وحده من دون كل الكائنات الأخرى فهو الذي يخطط وينظر ويفكر ويحلل وينفذ كل أشكال العنف، بل كما درج على القول، في البدء كانت الكلمة، ففي البدء كان العنف لقد مات هابيل وبقي قابيل الشرير العنيف، ومع تطور الإنسان وبروز أفكار جديدة وأدوات مستحدثة تطور العنف أيضا، بل أصبح أكثر دقة وأكثر منهجية وأكثر حضورا .
ومن هنا تسلط هذه المسرحية الضوء على الدور الذي يمكن أن تقوم به المؤسسة التربوية في التقليل والسعي إلى انتفاء العنف، أو العكس في تناميه، كما أنها توجه الأصابع إلى المؤسسة العائلية الحاضنة الأولى للفرد وحمالة القيم التي من خلالها يترعرع وينشأ عليها الفرد، ولا تتأخر هذه المسرحية في تحديد أهمية المؤسسة الأمنية التي لها دور أساسي وجوهري في حضور العنف من عدمه.. لذلك لا ترى هذه المسرحية مشكلة العنف متعلقة بالبرامج السياسية أو الخطب الدينية، بقدر ما هو إشكال حضاري وإنساني يستدعي التفكير بجدية في هوية الإنسان الكونية، وليست تلك الهوية الذاتية الضيقة أو الهوية الوطنية أو الدينية.