لم يكن العرب القدامى يتحدثون عن الشعر «العربي» أو النثر «العربي»، كما صار ذلك جاريا منذ بداية تأليف مصنفات تاريخ الأدب العربي الحديث. كانوا يتحدثون عن الشاعر والكاتب، وينسبونه إلى القبيلة التي ينتمي إليها أو يلقبونه بالاسم الذي عرف به. وكان هذا الأمر ساريا على أي شاعر أو ناثر لأنهم لم يكونوا منشغلين بقضايا الهوية التي صارت اليوم عنوان الانتماء الخاص. كانوا يميزون بين مبدعي الخطاب الأدبي، حسب الطبقات التي ينتمون إليها، وحتى عندما يتكلمون عن الطوائف والفرق والملل والنحل، لم يكونوا يشيرون من قريب أو بعيد إلى أنها إسلامية. ولم يغد هذا الاستعمال جاريا إلا مع ظهور تيارات مناوئة للإسلام.
لكن اتساع رقعة البلاد وتطور النشاط الإبداعي والفكري في مناطق شتى، أدى إلى ضرورة الاهتمام بما تزخر به الأقاليم، وإلى التعريف برجالاتها ومنجزاتهم في مختلف المجالات، فبدأت تظهر مصنفات مونوغرافية تعنى بعطاءات تهم الأقاليم التي كانت بعيدة عن الاهتمام من لدن الحواضر الكبرى. يمكن أن نستحضر هنا، على سبيل التمثيل فقط، «نفح الطيب ويتيمة الدهر»… كما أن الدراسات التاريخية صارت بدورها تركز على المدن والقرى، ولذلك نجد أنفسنا أمام تراث هائل تركه لنا القدامى متصلا بمختلف جهات الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية، سواء في فترات ازدهارها أو انحدارها.
نريد من وراء هذه الإشارة تأكيد أن المفهوم الجنسي حديث في الاستعمال لأسباب متعددة. إنه مفهوم كلي يضم أشتاتا من المقولات الفرعية التي تنضوي تحته وفق علاقات خاصة تربط بين مختلف مكوناته. فالحديث عن «الثقافة» متصلة بالعرب والإسلام والوطن جديد، ولم يتشكل إلا مع الدولة الحديثة. لكن استعمال هذا المفهوم الكلي الجامع في العصر الحديث كانت وراءه مقاصد خاصة تتصل أولا بسيادة الدولة «القطرية»، وبأشكال ثقافية اعتبرت الضامن الأساس للوحدة «الوطنية». وبقدر ما كان لهذا المفهوم من أثر في توحيد المجتمع والثقافة، كان له أثر في تغييب جوانب ثقافية خاصة، لولاها ما كان للثقافة «الوطنية» أن تتشكل أو يكون لها وجود.
استدعت ضرورة تشكيل الدولة الحديثة التركيز على ما «يجمع» بين مختلف المكونات، وكان تناسي الخصوصيات على اعتبار أنها التركيز عليها يهدد تلك الوحدة، وهي قيد التشكل. إن ما «يجمع» على المستوى الثقافي نجده كامنا في الثقافة «العالمة»، أو الكتابية التي ساهمت كل مكونات المجتمع على اختلاف أطيافها في تبلورها وتطورها. لكن دواعي تطور الدولة كان يفرض، مع الزمن الالتفات إلى تلك الخصوصيات الثقافية ليس من باب احترام حقوق الإنسان والأقليات والطوائف والعرقيات واللغات… كما بات ذلك مطروحا من منظور حقوقي تحت تأثير العالم الخارجي.
تستدعي الالتفاتَ إلى تلك الخصوصيات ضروراتٌ ثقافية ـ اجتماعية ـ تاريخية، وليس فقط حقوقية، نفسر بمقتضاها تشكل الثقافة العالمة نفسها بصفتها المفهوم «الجامع ـ المركز». إن الثقافة العالمة نتاج صيرورة من التحولات الثقافية الجهوية الخاصة. ولولا هذه «الثقافات» المتعددة والمتنوعة لما كان من الممكن الحديث عن ثقافة «وطنية»، أو «قومية» جامعة؟
إن كل جماعة اجتماعية، توحدها لغة جماعية، تنتج أجناسا من الخطابات تتفاعل من خلالها مع بيئتها الخاصة، معبرة عن أحاسيسها وانفعالاتها، كما تبدو في أهازيجها وأغانيها وأمثالها وحكاياتها. ومع الزمن يتطور هذا الإبداع مؤسسا على التقاليد الأولى التي تكرست لدى تلك الجماعة. وحين تشارك جماعة اجتماعية أخرى تلك الجماعة مجالها البيئي لسبب ما يحصل التقارب بينهما أو التنافر، فتحافظ كل جماعة على تقاليدها وثقافتها الخاصة، ولكن مع ذلك يتم التفاعل الذي يخلق جسورا ثقافية بين الجماعتين، رغم محافظة كل منهما على خصوصيتها. وحين تتأسس الدولة، ويتم الانتقال إلى ممارسة الكتابة، تبدأ تتشكل ثقافة مشتركة بينهما تساهمان فيها معا، لأنها نتاج مجمل العلاقات بين «الثقافتين». فنكون بذلك أمام ثقافتين: خاصة بكل جماعة، وعامة تتصل بالجماعتين.
تبين لنا هذه الصورة المختزلة، التي يمكن تعميمها على أي ثقافة كيفما كان نوعها، أو كان حظها من الوجود، أن الثقافة الشفاهية هي الأصل، وأن الثقافة الجهوية هي الجذر. ولولا هذا الأصل وذاك الجذر لما كان بالإمكان الحديث عن الجذوع والأغصان والثمار. وليست هذه الثمار سوى «الثقافة» المركز، أو الثقافة «الوطنية» التي يساهم الجميع في تداولها والاستفادة منها. لكن بدون العناية بتلك الأصول والجذور (ثقافة الجهات) لما كان بالإمكان الحديث عن تلك الثمار المشتركة.
خضعت كل التمييزات بين الأصول والثمار لدواع متعددة لعب الزمن التاريخي والإيديولوجيا دورا في تغليب بعضها على بعض. ومع التطور لا يمكن سوى دفع ثمن هذا التمييز. ولا يمكن وضع حد لما يعرفه الوطن العربي حاليا من انقسامات وصراعات طائفية وقبلية ودينية… بدون فهم العلاقة بين المركز والهامش، والحاضرة والجهة، والذات والآخر، فهما ثقافيا لا حقوقيا فقط. إن الفهم الثقافي يلغي التعارض بين الكلي والجزئي، لأن العلاقات الثقافية بينهما تدفع في اتجاه التكامل بين مختلف المكونات الثقافية التي تشكلت عبر الزمن، لا التنافر بينها.
كاتب مغربي
سعيد يقطين