أوباما طرح رؤية واقعية عن النزاع ولم يقدم استراتيجية وبوتين تحدث بلغة هجومية وعرض خطة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: لم يتفق الرئيسان الأمريكي والروسي على أحسن وسيلة لحل الأزمة السورية، إذ قدم كل منهما رؤية مغايرة للآخر في خطابه يوم الاثنين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
فقد تمسك الرئيس الأمريكي بالدبلوماسية كطريق لإنهاء الحرب الدموية التي قال إن الرئيس السوري بشار الأسد هو المسؤول عنها، ودعا إلى عملية مرتبة لنقل السلطة من دونه. والتنازل الوحيد الذي قدمه أوباما هو ترحيبه بدور روسي وإيراني في التسوية.
ورغم اعتراف أوباما بأخطاء السياسة الخارجية الأمريكية في العراق وليبيا إلا أنه ظل يلح على إنجازاته في إيران وكوبا. وذكر طهران بأنها لا تزال تلعب دورا سلبيا في المنطقة من خلال دعمها لجماعات وكيلة تسهم في إشعال الحرب الطائفية.
وقال إن هتاف «تسقط أمريكا» لا يوفر وظائف ولن يحمي إيران. وفي فقرة يبدو أنها موجهة لإيران وروسيا وسوريا قال إن الدول التي تلجأ للـعنف ضد مواطنيـها تنـهار سـريعا.
كما تحدث عن كوبا التي حاولت الإدارات السابقة إضعافها ولم تنجح وكيف أن العلم الأمريكي الذي أنزل عن سفارة بلاده في هافانا عام 1962 «الذي ولدت فيه» رفع من جديد في آب/أغسطس 2015. وبعيدا عن سوريا وقيم الديمقراطية والمناخ وغياب فلسطين والصراع العربي- الإسرائيلي لم يقل أوباما جديدا أو أضاف لعقيدته الواقعية في السياسة الخارجية.

عقيدة بوتين الهجومية

وفي المقابل بدا بوتين، الذي تحدث لأول مرة في الجمعية العامة منذ عقد، حادا واتهاميا وداعيا لمحور «مقاومة» ومؤكدا على ضرورة دعم الرئيس الأسد وتقوية الحكومة «الشرعية» في دمشق وملقيا كل مشاكل المنطقة على السياسات التي اتبعها الغرب في تغيير الأنظمة.
وكان من الواضح أن يختلف الرئيسان عندما التقيا ولأول مرة منذ عامين في الأمم المتحدة، وهي الفترة التي زاد فيها التوتر بين البلدين بسبب التدخل الروسي في أوكرانيا وضم القرم. ولاحظت صحيفة «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها أن دعوة أوباما وبوتين للتعاون الدولي قوضتها خلافاتهما حول الطريقة التي يجب التعامل بها مع الأزمة السورية التي قتلت حتى الآن أكثر من 250.000 شخص.
وترى الصحيفة أن الطريقة الهجومية لروسيا في سوريا قد تقود إلى مرحلة من التنافس الأمريكي- الروسي ونفوذ روسي في الشرق الأوسط. وإعلان روسيا يوم الأحد عن التوصل لاتفاق تفاهم مع إيران والعراق وسوريا، لتبادل المعلومات الأمنية، هو المفاجأة الثانية التي تتلقاها إدارة أوباما خلال الأسابيع الماضية، أما المرة الأولى فهي تحرك بوتين لتعزيز قواته العسكرية في مدينة اللاذقية وطرطوس على البحر الأبيض المتوسط. وقالت الصحيفة إن كلا الزعيمين اتفقا على أن «تنظيم الدولة» يعتبر تهديدا كبيرا.
وبعيدا عن هذا بدت نظرة كل منهما متناقضة واستخدم كل منهما الخطاب ليلوم الآخر على الحرب الكارثية وأزمة اللاجئين. مشيرة لدعوة بوتين التعاون مع حكومة الأسد ومساعدتها على تحقيق الإستقرار.
فيما ناقش أوباما وكان محقا أن الأسد هو السبب فقد رد عام 2011 بقسوة على التظاهرات السلمية، وهو ما خلق المناخ المناسب للنزاع الحالي الذي استغله «تنظيم الدولة».
وتعتقد الصحيفة أن هناك مساحة للتسوية بين الطرفين، على الأقل من الناحية النظرية، فكما أظهرت تجربة غزو العراق فإن تدمير مؤسسات الدولة يقود للفوضى. ويجب التأكيد على الحفاظ على كل مؤسسات الدولة فاعلة حالة خرج الأسد من السلطة.

لا أمل

وفي الوقت الذي عبر فيه أوباما عن استعداده للعمل مع روسيا وإيران اللتين استبعدتا من التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة» فهناك أمل ضعيف في تسوية قريبة بين الحكومة السورية والمعارضة أو بين موسكو وواشنطن.
وقالت الصحيفة إن دعوة بوتين لتحالف واسع مدعوم بقرار من مجلس الأمن يقوم بقتال تنظيم «الدولة الإسلامية» ما هي إلا محاولة لأخذ زمام المبادرة من أوباما الذي يقود تحالفا ضد «تنظيم الدولة» لا يشمل روسيا أو الحكومة السورية ولا إيران.
وتقول إن الخلافات في الجمعية العامة بدت أيضا في اجتماعهما الذي عقد ليلة الاثنين، حيث بدا النفور واضحا من التلميحات التي رماها كل طرف على الآخر فيما يتعلق بالديمقراطية، أوكرانيا والعراق وسوريا.
وتتساءل الصحيفة عن المدى الذي سيذهب فيه بوتين لدعم النظام السوري وإطالة أمد الحرب الأهلية، وفي وضوء المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الروسي وتراجع أسعار النفط والعقوبات المفروضة. وليست لدى الرئيس بوتين إجابة في الوقت الحالي، مثلما لا يملك أوباما الإجابة، فقصف تنظيم الدولة لن يهزمه. كما لن تهزمه قوة فشلت أمريكا بتدريبها من المعارضة. وفي الوقت الحالي سيواصل ملايين السوريين معاناتهم.

تلميحات وتبادل نظرات

وعلى العموم ترى الصحيفة في تقرير إخباري آخر أنه خلف النظرات الصارمة التي أبداها أوباما وبوتين لبعضهما البعض واللعب على الكلمات والتلميحات فهناك اعتراف من البيت الأبيض بدور روسي في المنطقة. مع أن البيت الأبيض يأمل في اعتراف موسكو بمخاطر التورط في سوريا، مما سيزيد من كلفة دعم الأسد ويدفع الروس للتعاون في تسوية تنقل السلطة من النظام الحالي.
ونقلت الصحيفة تعليق مسؤول أمريكي بارز على التحالف الذي اقترحه بوتين بقوله «إضرب نفسك بعنف».
وبالنسبة للكرملين فدعم الأسد يعطيه نوعا من الاستقرار وتوسيع النفوذ الروسي في المنطقة، وهو ما سيؤكد نظرة بوتين التي ترى أن الإطاحة بالأنظمة الديكتاتورية في المنطقة تقود للفوضى ويمنح الإرهابيين مناطق آمنة.
وترى الصحيفة أن خطابين وحفل استقبال ولقاء لم تؤد إلى تضييق شقة الخلاف بين الزعيمين.
ونقلت عن أندرو ويس، نائب وقفية كارنيغي للسلام العالمي قوله إن الولايات المتحدة ترغب بالبحث عن طرق للتعاون مع روسيا في الجهود الدبلوماسية وليس بإنشاء مناطق آمنة. لكن بوتين لم يقدم سوى رؤية غامضة عن تحالف واسع يشمل الأسد «الرجل الذي يعتقد الأمريكيون أنه سبب المشكلة».
وتقول الصحيفة إن بوتين الذي دعا العالم لدعم الأسد لم يقدم وصفة حقيقية لحل الأزمة سياسيا ولم يشر إلى الحشد العسكري الروسي وماذا سيحدث بعد هزيمة «تنظيم الدولة».
ويعلق روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في دمشق إن الروس شددوا على أنهم ليسوا مرتبطين بالأسد، ولكنهم يصرون على أن حكومته شرعية تقاتل الإرهاب، ولهذا عارضوا قيام حكومة أو مجموعة من الحكومات لاستبدال الأسد بشخص آخر» وأضاف أن هدف الروس هو الحفاظ على مؤسسات الدولة التي لهم صلات ببعضها.
وتنقل عن مسؤول أمريكي تحدث عن طبيعة اللقاء بين أوباما وبوتين «أعتقد أن الروس يفهموم بالتأكيد أهمية الحل السياسي لسوريا وأهمية وجود عملية تؤدي إلى حل سياسي» مشيرا للخلافات بين الأمريكيين والروس حول نتيجة هذا الحل.

مخطئان

وفي غياب التوافق بين الطرفين ترى صحيفة «واشنطن بوست» أن أوباما وبوتين مخطئان في تعاملهما مع سوريا.
فالبنسبة لبوتين فقد دعا لتحالف يضم الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية والثيوقراطية، أي تحالف مثل ذلك المعادي لهتلر في الحرب العالمية الثانية، وهذه المرة لمواجهة الجهاديين. وكذا دعوته لحماية النظام القائم في سوريا في استحضار لمبادئ مؤتمر يالطا الذي حافظ على السلام العالمي. لكن ما لا يعلمه الرئيس الروسي أن الكثير من الدول سترفض أغنيته المحذرة هذه، لأن الولايات المتحدة وحلفاءها لا تخوض معركة ضد الفاشية فقط ولكن من أجل الديمقراطية.
وتقول إن التحالف الذي تم في يالطا مع الاتحاد السوفييتي السابق كان شرا لا بد منه. ولم تكن المعاهدة قوية بدرجة تحفظ السلام، كانت فقيرة وأقل ليبرالية واقتطعت نصف أوروبا. وكما أظهرت أحداث عام 1989 فلم تكن المعاهدة قابلة للحياة بسبب التضحية بالحرية الإنسانية.
وترى أن بوتين مخطئ في تحميل الديمقراطية الغربية مسؤولية المشاكل في سوريا، فهذه لم تبدأ إلا عندما قمع النظام السوري تظاهرات سلمية، كما وصف أوباما الوضع بطريقة صحيحة. و»عليه فلن يتحقق السلام الدائم في سوريا أو أي مكان آخر بإعادة الطغيان». ومقارنة مع رؤية بوتين، فرؤية أوباما أفضل لأنها بيان عن الاحتياجات الإنسانية طويلة الأمد، وهي بهذا واقعية. في إشارة لما قاله الرئيس الأمريكي «كوارث، كالتي نشاهد في سوريا لا تحدث أينما وجدت ديمقراطية حقيقة واحترام للقيم العالمية التي من المفترض أن تدافع عنها هذه المؤسسة». لكن مشكلة أوباما أنه يفتقد الاستراتيجية لدعم رؤيته أو لمواجهة بوتين الذي يدعم أقواله باستعراض للقوة العسكرية «قوة صلبة» وتحالف مع دول مثل العراق وإيران وسوريا. وتقول إن فشل أوباما بتقديم الدعم للمعارضة السورية في الوقت المناسب وقبل سيطرة المتطرفين على الثورة كان سببا في هذه التطورات.
وفاقم أوباما من المشاكل عندما وضع خطا أحمر غامض المعالم فيما يتعلق باستخدام السلاح الكيميائي ليتراجع عنه أمام العرض الروسي لنزع أسلحة النظام السوري، وهو ما أبقى الأسد في السلطة.
وتعتقد الصحيفة أن أوباما يعرض اليوم تعاونا مع روسيا ويدعو لنقل مرتب للسلطة، ولكنه لا يزال من دون خطة في الوقت الذي يملك بوتين خطة لسوريا.

لا يريد تغيير النظام

فهل يعني غياب الخطة قبول الولايات المتحدة بواقع يظل فيه الأسد هذا ما تراه روث شيرلوك في صحيفة «دايلي تلغراف» التي تتهم البيت الأبيض بأنه توقف عن محاولة تنحية الأسد منذ زمن.
ففي ظل تردد واشنطن وفشلها بتدريب المعارضة والاكتفاء بغارات جوية متقطعة على تنظيم الدولة تجاهلت السياسة وجود الأسد في دمشق، وهو ما فتح الباب أمام بوتين لاستثمار الغياب الأمريكي ووسع وجوده العسكري في مناطق العلويين.
وقالت إن مناورات بوتين وتعاونه الأمني مع العراق وإيران وسوريا أخرج الأسد من عزلته. صحيح أن واشنطن حسبما نقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤول في البيت الأبيض لم تعرف عن الاتفاق، وأعربت عن معارضتها لضم سوريا إليه لكن الرد كان ضعيفا «كان مجرد أنين وليس صوتا هادرا».
فلم يبد المسؤولون غضبا واضحا ولم يلغوا المحادثات مع الزعيم الروسي لأن البيت الأبيض تخلى عن فكرة الإطاحة بنظام الأسد منذ وقت طويل. فرغم تأكيد أوباما على ضرورة رحيله إلا أن الأفعال تتحدث أكثر من الأقوال، فأمريكا تفعل غير ما تقول.
وتشير إلى أن الطيران الأمريكي يقصف فقط المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام والتي تسيطر عليها «جبهة النصرة» فرع «القاعدة» في سوريا.
وهناك بعض الحالات التي قصف فيها الطيران الأمريكي الخطوط الأمامية للجهاديين أثناء قتالهم قوات النظام.
وتقول شيرلوك إن كون الأسد جزءا من المشكلة تلاشى لدى صناع السياسة الأمريكيين. ولم تعد سوريا حدث الساعة كما كانت قبل 3 سنوات. وتم وقف برنامج كانت تدعمه الخارجية الأمريكية لتوثيق جرائم النظام واستبدل بدراسة جرائم «تنظيم الدولة».
وانعكس التغير في السياسة على الطريقة التي تغطي فيها الصحف وقنوات التلفزة أخبار سوريا التي باتت تؤكد على الخبر المتعلق بـ»تنظيم الدولة».
وحتى الهاربون من سوريا تم اعتبارهم هاربين من «تنظيم الدولة». ولم يتغير الوضع على الأرض، فالترهيب للمدنيين يمارسه النظام، فلا تزال طائراته ترسل البراميل المتفجرة على القرى والبلدات. فيما تواصل أجهزته الأمنية اعتقال وتعذيب المدنيين وتسكت وتخفي من يرفع صوته معترضا. ولم يعد السوريون والحالة هذه يصدقون كلام أوباما، فقد استمعوا لخطابه وهو يدعو لرحيل الأسد في الوقت الذي يغض الطرف عن جرائمه.

لمن تنقل السلطة

كما أن دعوة الرئيس لنقل السلطة لا معنى لها في بلد أصبح مفككا، وهو ما دعا كاثرين فيليب في «التايمز» للتساؤل «تحول إلى أي شيء؟» خاصة أن الحرب الأهلية تحولت إلى مجموعة من 4-5 صراعات معقدة تتنافس فيها مصالح وطنية وإقليمية وجيوسياسية. فالمعارضة تطالب برحيل الأسد باعتباره العدو الأول وترفض بديلا عنه من الطائفة العلوية.
وهناك «جبهة النصرة» التي تريد إقامة دولة إسلامية و»تنظيم الدولة» الذي يعمل لضم سوريا إلى «دولة الخلافة».
فيما تعمل السعودية وقطر على التخلص من نظام موال لإيران. وتشاركهما تركيا الهدف، لكنها لا تريد ولادة كيان كردي قريبا من حدودها. أما روسيا فحريصة على حماية نفوذها المتمثل بالأسد في الوقت الذي استثمرت فيه إيران الدم والمال لحمايته.
ووضع كهذا لا يسمح بظهور البديل عن الأسد الذي يتحدث عنه أوباما. فالرئيس الأمريكي لا يبدو مهتما بالوضع في سوريا حسب ديفيد روثكوب في «فورين بوليسي»، فهو لا يريد وضع قوات على الأرض ويريد الابتعاد عن مشاكل الشرق الأوسط.

سلمها لإيران وروسيا

ومن هنا فالبديل عن التأثير الأمريكي روسيا التي لم يتردد رئيسها بوتين بوضع قوات على الأرض، كما في أوكرانيا، وكذا إيران التي لم تترد بتوسيع نفوذها في المنطقة، عسكريا من خلال المستشارين العسكريين أو وكلائها وعبر استخدام الوسائل الاقتصادية والأمنية والسياسية.
ونقل عن مصدر إسرائيلي بارز قوله إن إيران نقلت 1.500 جندي إلى سوريا في الأيام القليلة الماضية.
ويقول إن التحالف الأمني بين سوريا والعراق وروسيا وإيران مدفوع لحماية مصالحها، فبغداد ودمشق تريان في صعود «تنظيم الدولة» تهديدا لهما. ويعتقد أن الولايات المتحدة ربما توصلت لنتيجة أن الجهة القادرة على مواجهة الجهاديين هي هذه الدول المتحالفة، خاصة بعد ما قوى الاتفاق النووي موقع إيران.
ويضيف أن خطة أوباما أصبحت واضحة الآن وهي «سنترك العراق وسوريا للروس والإيرانيين. فكلا البلدين في حالة من الفوضى ولا توجد إرادة سياسية في الولايات المتحدة للانخراط فيهما».
ويتساءل الكاتب عن آثار سياسة ترك الروس والإيرانيين لتوسيع نفوذهما والتأثير على بلدان المنطقة.
ويجيب أن هذه السياسة أعطت روسيا أجزاء من جورجيا وأوكرانيا وهي السياسة التي سمحت لإيران بالتمدد في لبنان واليمن. كل هذا رغم تنصيب بوتين نفسه منافسا للولايات المتحدة ورغم قمعه الحريات المدنية وتحديثه قدراته النووية. وليس مهما أن روسيا وإيران هما أخطر لاعبين في العالم.
ويتهم الكاتب أوباما بالتخلي عن عقلية الحرب العالمية الثانية «نصر بأي ثمن» واستبدالها بعقلية «خروج بأي ثمن».

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية