سائح في نابلس

حجم الخط
0

من المقهى ـ المطعم «سما نابلس» تبدو المدينة في الاسفل حبيسة بين الجبال التي تحيطها، رغم أن منازلها صعدت منذ زمن بعيد إلى الاعلى. هذه نقطة رقابة عالية في شمال غرب نابلس، والطريق الملتوي الصاعد اليها ينتهي بحاجز في مدخل موقف للسيارات. في جانبه الاخر، فوق المدينة، متنزه وعلى طوله مطاعم ومقاهي، وفي جانبه الاخر منشآت ترفيه للاطفال وطاولات للتنزه. في ليالي الصيف وفي نهايات الاسبوع يكون طابور السيارات طويلا كالافعى على الطريق الصاعد إلى هنا، وسحاب كثيف من دخان النرجيلة ونار المناقل يعج في المكان.
في أحد الاسابيع الاخيرة تنزهت في نابلس. لم اسافر لاجري مقابلة صحافية مع احد، أو لاغطي حدثا ما. هكذا فقط مجرد سافرت مع صديق صحافي من يافا. عربي اسرائيلي يعرف نابلس ويعرف أي يستحق التجوال. أكلنا كبابا ممتازا على قارعة الطريق في مركز المدينة (صحن مليء باللحم مع البندورة والبصل المشوي على الفحم ومشروب ـ 20 شيكل). ومن هناك توجهنا إلى حمام تركي في القصبة، يقع في مبنى عتيق رائع. تصببنا عرقا وكأننا في ساونا وبعد ذلك تلقينا مساجا مذهلا بـ 15 شيكل فقط. جئنا في الصباح وخرجنا قبل المساء محملين بتجارب السياح. بدون سياسة وبدون احاديث عن النزاع، أقل من ساعة سفر من تل أبيب، مدينة فلسطينية بسيطرة فلسطينية كاملة، كون موازٍ لكوننا، مغلق في وجه الاسرائيليين بحكم القانون.
لا يمكن للمرء إلا يخرج من نابلس مخيب الامل على الفرصة الهائلة الضائعة التي يعيشها الطرفان. التقينا فلسطينيين من ابناء جلينا لم يسبق لهم أن زاروا شاطيء البحر ابدا. عندما عدت إلى تل أبيب ورويت عن تجربتي قال لي كثيرون انهم لم يزوروا هناك ابدا، واولئك الذين زاروا ـ فعلوا ذلك بحكم خدمتهم العسكرية. نحن نعيش الواحد إلى جانب الاخر، ونبتعد الواحد عن الاخر مسافة سنوات ضوء. الاحتلال، المقاومة، العمليات، العداء المتبادل، اقامت حواجز عقلية وليس فقط مادية.
وتتعاظم خيبة الامل عندما تسمع مستوطنين يروون بانه حتى قبل اتفاقات اوسلو كانوا يصلون إلى نابلس لاجراء المشتريات والترتيبات. سكان نابلس، من جهتهم كانوا يعملون في اسرائيل، يشترون ويزورونها. الطرفان يستعيدان ذكريات تلك الايام، الآخذة في الانطفاء بسبب الزمن الذي مر وأنهار الدم التي سكبت عندهم وعندنا. هكذا حصل حين دحرنا جيراننا. في الصيف وفي فترات الاعياد تجولنا في اوروبا واستجمينا في جزر اليونان، بل وحتى عدنا إلى تركيا. وكان التدفق إلى خارج البلاد كبيرا بحيث أن حواسيب مطار بن غوريون انهارت. في واقع مثالي كان يمكننا أن نتجول في الضفة ايضا، ان نجلس في مطاعم في نابلس، وان نتلقى المساج في الحمام التركي، والفلسطينيون من جهتهم كان يمكنهم ان يأتوا ليزوروننا وان يسبحوا في البحر ليس فقط في ايام اعيادهم، حين تسمح اسرائيل لبعضهم بالدخول لمرة واحدة.
معظم الاسرائيليين يتلقون تذكيرا بالحياة خلف الخط الاخضر من تقارير الاخبار فقط. عمليات طعن في الحواجز، عمليات اطلاق نار على الطرق، محاولة اعتقال طفل صغير يقوم بها جندي تلتقط له الصور وتنشر في كل العالم. لقد فقدنا الرغبة في معرفة ماذا يحصل هناك في الايام العادية، عن نمط الحياة البسيط. ليست لنا رغبة في أن نزور مدنهم بسبب الخوف والكراهية. الزيارة هناك تنطوي على مخاطرة حقيقية ايضا. ومن جهة اخرى، فان الفلسطينيين الذين يزورون أو يعملون في اسرائيل لا يشعرون بالامان على الاطلاق. الخوف متبادل.
عند المساء يعج مركز نابلس بالناس. جدول بشري يملأ الشوارع والمحلات. في محل الكنافة في القصبة لا يوجد كرسي شاغر، والوجبة تكلف خمسة شواكل، على مسافة غير بعيدة من هناك، في رفيديا هناك مطاعم فاخرة مع وجبات لحوم بـ 120 شيكل. الشوارع في مركز المدينة نظيفة، ولكن فوق، في مخيمي اللاجئين عسكر وبلاطة، لا يمكن إلا ترى الاهمال والقذارة. خرجنا من هناك في السادسة مساء. وفي السابعة كنا قد وصلنا تل أبيب.

يديعوت 30/9/2015

عوديد شالوم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية