في عام 1929 عندما كان البريطانيون يحكمون فلسطين بالحديد والنار، اندلعت هبة فلسطينية في أغلب أنحاء فلسطين، سميت بهبة «البراق»، فما هي هذه الهبة، وهل ما نشهده في هذه الأيام هو هبة فلسطينية أم مقدمة لانتفاضة عارمة؟
اختلف الفلسطينيون مع اليهود على تبعية حائط البراق، وهو الحائط الذي يعتبر جزءا من سور المسجد الأقصى، وكان يحاذي حي المغاربة في القدس، في حين أن اليهود يعتبرونه حائطا للبكاء خاصا بهم؛ وبسبب هذا الخلاف والاختلاف على مواضع أخرى، اندلعت اشتباكات دامية في ذلك الزمن في أغلب المناطق الفلسطينية، خصوصا في الخليل والقدس، وقد خلفت هذه الاشتباكات قتلى وجرحى، كما تم اعتقال المئات من الطرفين. وكإجراء تعسفي اتخذت القيادة البريطانية قرارا بإعدام ثلاثة من الفلسطينيين هم، عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي، رغم تدخلات ووساطات هدفت لعدم تنفيذ حكم الإعدام، إلا أن السلطات البريطانية أصرت على قرارها.
يمكن الإشارة في هذا المجال، إلى أن الشاعر المبدع إبراهيم طوقان، كتب قصيدة «الثلاثاء الحمراء»، وهو اليوم الذي تم فيه إعدام المناضلين الثلاثة، حيث تسابقوا على من يكون الأول من بينهم في نيل الشهادة. وقد كونت السلطة البريطانية لجنة للاستقصاء والبحث في ما يتعلق بالجدار، لتقرر في النهاية أن الجدار هو من حق المسلمين، لكن يمكن لليهود استعماله كمبكى، من دون تجمعات كبيرة وتظاهرات في المكان وحوله، وعدم اصطحاب مقاعد أو ما شابه ذلك. استمر هذا الحال طيلة الوجود الاستعماري البريطاني في فلسطين، إلا أن السلطات الإسرائيلية عندما احتلت القدس الشرقية عام 1967، بادرت وبسرعة فائقة إلى تدمير ونسف حي المغاربة في القدس، وجعلت الحائط قائما بذاته، لكي يتخذه اليهود وحدهم مكانا يبكون على جدرانه كونه من جدران هيكلهم المزعوم.
خطة متدرجة
منذ ذلك الزمن استمرت السلطات الإسرائيلية بالتضييق على أهالي القدس الشرقية، وعلى نزعها لهوياتهم وطردهم منها، وإصدار القوانين التي تصادر حقوقهم في أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم وهوياتهم المقدسية. وبعد أن كان عدد اليهود في القدس يقارب عدد الفلسطينيين فيها، فإن الهجمة الاستيطانية وبناء أحياء جديدة لليهود فيها وحواليها، ضاعفت عدد اليهود في القدس، حتى وصل إلى ضعف عدد الفلسطينيين فيها، وهناك مخطط لإنقاص عدد الفلسطينيين في القدس الشرقية إلى نحو 20٪ فقط من عدد السكان. هذا بالنسبة لعدد السكان، أما بالنسبة إلى الأماكن، فإن السلطات الرسمية الإسرائيلية لم تترك جدارا أو مقبرة أو بيتا أو حيا أو شقة سكنية أو محلا، إلا وصادرته وبنت مكانه معالم ورموزا يهودية. أما المعركة الأخيرة القائمة من أجل فرض إثبات حق اليهود في استعمال باحات الأقصى زمنيا ومكانيا لعبادتهم، فإن ذلك تم من خلال خطة حكومية واضحة المعالم، متدرجة بحسب الظروف والزمن، وبرزت معالم تلك الخطة منذ سنوات، لتشتد وتيرتها في الأسابيع القليلة الماضية، من خلال اقتحام المستوطنين بحماية رجال الشرطة الإسرائيلية الرسمية، واستعمال أقسى الوسائل في ضرب ومطاردة المتعبدين والمتعبدات في المسجد، واستعمال الرصاص المطاطي، وأحيانا الحي، وإطلاق القنابل الحارقة على الموجودين في المسجد، ووصل الأمر إلى تكسير زجاج نوافذ المسجد القبلي، وهي من المعالم الأثرية التاريخية في المسجد، كما تم حرق سجاجيد في هذا المكان. وما زالت اقتحامات المستوطنين ورجال الشرطة مستمرة حتى اليوم.
ذهبت الأمور حد إعلان سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أنها بصدد تشديد العقوبات ضد راشقي الحجارة من الشبان الفلسطينيين، وصولا إلى تغريم أهاليهم، واعتقالهم والحكم عليهم أحكاما مشددة. هكذا تكون خطة «المحافظة على الوضع القائم»! بحسب ادعاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومن ثم استدعاء خمسة آلاف رجل شرطة من الاحتياط، لفرض خطة تدرج الاستيلاء على باحات الأقصى زمنيا ومكانيا، تماما كما حدث في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل منذ عام 1994.
إذا كان العرب والمسلمون قد احتجوا وتظاهروا واجتمعوا ورفعوا الصوت، فإن ذلك لم يمنع شرطيا إسرائيليا أو مستوطنا من اقتحام المسجد الأقصى، واستمرت الهجمات الشرسة على المسجد الأقصى بدون أن تحفل بالأصوات الزاعقة في الخارج، وما زالت القوات الإسرائيلية تهاجم وتطلق النار وتطارد وتعتقل عشرات الفلسطينيين في القدس وأحيائها والمدن والقرى الفلسطينية الأخرى.
إزاء أحوالنا الآن، ليس لنا إلا أن نعلق: آه منا نحن معشر الظاهرة الصوتية، حسب وصف الكاتب السعودي عبدالله القصيمي في كتابه «العرب ظاهرة صوتية».
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ