بيروت ـ «القدس العربي»: الفن على تنوعه يعبر عن حالة وعي ينتجها الفنان، كذلك تفاعل المجتمع مع هذا الفن يشكل وعياً من منظار آخر. وليس من خلاف على دور الفنون جميعها في تهذيب الروح. في عالمنا العربي الذي يغلي عنفاً وتفوح منه رائحة الدم والموت، ربما من الترف السؤال عن علاقة الفن التشكيلي بما هو حاصل؟ لكن السؤال فرض نفسه وكان حوار مع أستاذة تاريخ الفنون في الجامعة اللبنانية زينات بيطار توصل لتحليل مدوزن لوناً وخطوطاً وأفكاراً.
لبيطار العديد من المؤلفات والأبحاث منها، «الاستشراق في الفن الرومانسي الفرنسي»، «بودلير ناقداً فنياً»، «دراسات في تاريخ الفن»، «غواية الصورة: تحولات القيم، الأساليب والروح». وجميعها تستحق التوقف عندها بعناية. هنا نص الحوار:
■ الوطن العربي في حال غليان متى برأيك سيكون التعبير عن هذا الواقع من خلال الفن التشكيلي؟
□ الفن التشكيلي مرآة للحياة الثقافية، الاجتماعية والسياسية، وليس أدوات تعبير مباشرة، كما الوسائل السمعية البصرية، وغيرها من وسائل التواصل الحديثة. اعتقد أن الفنان التشكيلي يحتاج لوقت كي يستوعب مجريات الأمور التي لها شروطها، منها الشخصية، والموضوعية الخاصة بالواقع الاجتماعي للحراك الذي يدور حول هذا الفنان. ليس لنا إلزام الفنان بأن ينجز عملاً تشكيلياً لوحة فوراً وسريعاً تمثل الواقع. أحياناً يقوى، وهذا يتعلق بالفنان نفسه، وقدرته على التعبير السريع، وجهوزيته في عكس الواقع. هذا طبعاً مع الفنان المدجج بالثقافة والوعي الاجتماعي السياسي، الذي يتمتع بحريته الذاتية الداخلية والخارجية، وحرية الضمير والوجدان، التي تجعله ملتصقاً بقضايا شعبه.
■ في لحظة التعبير تلك هل للفنان التحرر من الموقف والانحياز وكافة أنواع الأيديولوجيا؟
□ يصعب تطبيق هذه المعايير على الفنان كونه ذاتياً. لا نستطيع غربلة ذاتيته من الخلفية الأيديولوجية، الدينية أو المذهبية، أو الخلفية السياسية التي ينتمي إليها ضمناً أو يحبذها. مباشرة نجد في العمل الفني انحياز الفنان لموضوع، لفئة أو لجهة من ضمن الصراع أو الحراك القائم. فهل هذا لكونه موضوعياً؟ أشك. فالطرف الآخر في الصراع سيناهضه. الموقف يدخله في الصراع الذي يتمخض عنه الحراك السياسي، الاجتماعي، العسكري أو الثوري إذا صحّ التعبير. لا اعتقد أن الفنان يتمكن من الموضوعية في اللحظة ذاتها. يحتاج للوقت كي يرى مجريات الأمور، ومن ثم يحدد الموقف الوجداني الأقرب إلى الحقيقة. ونعرف أن كل طرف يرى الحقيقة من خلال وجهة نظره. هنا أتساءل عن الوصول إلى الحقيقة بعينها في حالة غليان الحراك؟
■ هل هذا يعني ضرورة الابتعاد عن الحدث للتعبير عنه فنياً كما الرواية أو الفيلم السينمائي؟
□ هناك نوعان من الابتعاد الزمني والمكاني. الفنان الموضوعي يحتاج للابتعاد الزمني. أما الفنان الانفعالي ونحن بمواجهة شخصية اجتماعية تنفعل مع الحدث لا يتمكن من الانتظار. يعبر بعفوية وانفعالية وبرد فعل على الحدث. ليس لنا حالياً القول بالبعد المكاني. وسائل التواصل المعاصرة تشعرنا وكأننا داخل الحدث. وتالياً لا انفصال بين أي مثقف والحراك الذي يتم في مجتمعه، منطقته، أو الإقليم الذي يعيش فيه. البعدان الزماني والمكاني ملزمان لقراءة الحدث بما يقرب من النبوءة، وهي المتأتية من قراءة موضوعية واستشرافية. وهذا ما يحتاج لقمع الانفعال الآني. عليه التوقف عند الحدث وقراءة معطياته، وما يمكن أن ينتج عنه. ففي لحظة ما قد يتورط الفنان في موقف يندم عليه مع تبدل مجريات الأمور، وهذا ما يربك مسيرته الإبداعية.
■ يعبر الفن التشكيلي عن مراحل من حياة الشعوب فهل لنا نحن العرب ما يعبر عنا؟ وأين؟
□ كل فن هو مرآة للحراك الاجتماعي، السياسي، الاقتصادي والثقافي للشعوب. ويمثل كذلك حراك الفكر الديني في تاريخ الشعوب. العالم العربي برمته جزء من تركيبة لحضارات متنوعة مرّت على هذه البلاد، في العصر القديم، الوسيط والحديث. وتالياً نرى في منطقتنا آثاراً معمارية، نحتية وتصويرية، كما تلك الموجودة في معابد بلاد ما بين النهرين، والمعابد الفرعونية، وصور الكهوف في الصحراء الغربية، وجداريات تشكيلية ومنحوتات على بعض المعابد في لبنان، سوريا، فلسطين والعراق. تلك الآثار شكلت نمطاً ايقونوغرافياً لمنظومة الصور الاجتماعية، والطقوس الدينية التي كانت سائدة في ذلك المجتمع، والتصنيفات الاقتصادية من تفاعلات بين السلطة والمجتمع، والمستوى الثقافي لهذا الشعب أو ذاك، إذن هذا العالم العربي ذو خلفية حضارية، منها الديني، الوثني، المادي والروحاني. ولهذا ليس لنا أن نتبرأ من هذا التراث وندمره كما هو حاصل في سوريا والعراق، بحجة أنه لا ينتمي للإسلام. فهذا الإسلام تمخض كمنظومة فنية من خلال نسيج الأيديولوجية الإسلامية بما كان سائداً من حضارات في هذه البلدان، ولم يأت من شبه الجزيرة العربية كمنظومة فنية، بل أتى منها كمنظومة فكرية، دينية وعقائدية قولبت الفن وفق أيديولوجيا كافة البلدان التي فتحها المسلمون الأوائل. أتى الإسلام كمنظومة فكرية عقائدية إلى بلاد الشام، ومن ثم انتشر في الهند وأفريقيا والصين، وقولب الكثير من الصور الفنية والزخرفية والمعمارية التي كانت سائدة فيها. يُخطئ من يعتقد أن الإسلام لم يتبن الكثير من قيم الحضارة البيزنطية، الفارسية، الهندية، البربرية وجزء من الحضارة الصينية. فكافة تلك الحضارات وبعد تبنيها للإسلام، انتجت فناً إسلامياً يستند إلى الخلفية الحضارية لهذه الشعوب. ومن هنا نرى أن الفن الإسلامي مدارس. هناك مدرسة الفن الإسلامي الصيني، الهندي، آسيا الوسطى، التركي، المدرسة الإسلامية في بلاد الشام، مدرسة شمال أفريقيا وهي المغربية والمدرسة الأندلسية. وكل من هذه المدارس لها معطياتها الحضارية والإثنية، وتتبع لشعوب اعتنقت الإسلام. ليس لنا حق التبرؤ من هذه الحضارات لأنها تمثل جزءا كبيرا من المسلمين. علينا الحفاظ عليها لأنها جزء من مكوننا النفسي، الحضاري، التاريخي والاجتماعي.
■ في حاضرنا ترك ناجي العلي حنظلة رمزاً لقضية شعبه ولموقفه الشخصي منها. كم لهذا الرمز من مكانة في الوجدان العربي والفني كذلك؟
□ حنظلة رمز بمجرد رؤيته في الأدب، الإعلام، على الجدران وغيرها من الوسائل. نقرأ فيه إشارة لموقف وجداني وإنساني وسياسي عميق له ارتداداته في واقعنا الحالي. يحمل خلفية عمرها عقود، لكنه ما زال موجوداً ومؤرقاً، لأن قضية فلسطين لم تُحل. هذا الرمز أصبح إشارة ورمزاً لأحقية القضية الفلسطينية، ودورها الأول في إدارة الصراع بين العرب والكيان الصهيوني، وليس التعتيم على هذا الدور، والسير فيها سيراً وجدانياً نظيفاً، مما يجعل من حنظلة رمزاً لهذا الوجدان النقي.
■ صدر في مصر كتاب يضم عشرات اللوحات لعدد كبير من الفنانين الذين رسموا ثورة 23 يوليو/تموز هل هو في رأيك تجسيد لمرحلة أم تملق لحاكم قوي؟
□ ثورة 23 يوليو سنة 1952 في مصر استقطبت عدداً كبيراً من المثقفين والفنانين، وهذا ما جعل الفنان مقرباً من السلطة حينها، بعد أن كان مقرباً من السلطة الملكية. العلاقة بالثورات، الانتفاضات، الانقلابات والتغيرات السياسية الحاصلة في حياة الشعوب لا شك تلزم الفنان بتحديد موقف. إلى أي مدى تستطيع علاقة الفن والسلطة في أن تكون سوية؟ فهذه السوية في العلاقة نادرة. الفنان شخصية عاطفية انفعالية. غالباً ما يحشر نفسه في طموح الوصول إلى السلطة كي يمجّد فنه.يتقرب من السلطة بغية تسليط الضوء على أعماله وشخصيته الفنية. موقف يحمل انتهازية نادراً ما شفا منها فنان عبر التاريخ. فمنهم من تملق للسلطة وتراجع لاحقاً، لأن تلك الثورات والانقلابات خيبت آمالهم. تلفت السلطة بقيمها الأولى الفنان، لاحقاً تسقط الأيديولوجيا في التطبيق وتذهب في اتجاهات مغايرة للأفكار التي طُرحت في بداية الثورة. ينحرف مسار الثورة، فينكفئ عنها الفنان. فتطبيق الأفكار العظيمة يحتاج لشخصيات عظيمة. وحين يدس الفنان أنفه بين الأفكار العظيمة والثورات من دون تأن، غالباً ما يكتشف تسرعه. لهذا هو ملزم ببعض الانتظار للتبصر في مدى تطبيق الأفكار الثورية وعلى يد شخصيات عظيمة. ميكانيزم الفن والسلطة تمت معاينته في ثورات متعددة منها الفرنسية والروسية. وفي كتابي «غواية الصورة: تحولات القيم، الأساليب والروح» فصل مسهب عن هذا الموضوع.
■ عالمياً ما هي أبرز الثورات التي شغلت الفنانين؟
□ أبرز الثورات في عصرنا الحديث هي الثورة الفرنسية التي هزّت الوجدان الثقافي الأوروبي والعالمي بأفكارها العظيمة، ومجموعة القيم الإنسانية التي طرحتها. أفكار جذبت عددا كبيراً من المثقفين والفنانين، فرنسيين وأوروبيين وعرباً وعالميين. تلك الثورة كانت رائدة بابتكار أنظمة الحكم السياسي والثقافي، ليس لفرنسا وأوروبا فقط، بل لكل العالم. وكان للثورة البلشيفية الروسية، التي أتت بأفكار أكثر تقدمية وأبعد إنسانية في عملية المساواة بين الناس والمجتمع عن الثورة الفرنسية، الأثر نفسه. هاتان الثورتان تعتبران الأهم اللتان شغلتا ميكانيزم الفن والسلطة، وأثّرتا على مسار التوجه الفني في كل من روسيا وفرنسا. وكذلك على شبكة الشعوب التي تدور في فلكهما. استلزم تجسيد أفكار الثورة الفرنسية العظيمة زمن امتد حتى أواخر القرن التاسع عشر. في هذا الوقت تغلغلت أفكار هذه الثورة إلى كافة الشعوب التي كانت تستعمرها فرنسا، وأثّرت في تكوينها الفني والثقافي، وجذبت فنانيها. المنظومة الاستعمارية الفرنسية في ذاك الحين أدت لتأثر الكثير من الفنانين والشعوب بأفكار الثورة. الأمر عينه حصل مع الثورة الروسية، جذبت بأفكارها العدد الأكبر من الفنانين والمثقفين، ليس فقط في روسيا، إنما في كافة الدول التي دارت في فلك الاتحاد السوفييتي حينها وفي العالم أجمع، حيث كانت حركات تحرر تغلي. فالواقعية الاشتراكية كمنظومة نقدية، عمل بها عدد كبير من المثقفين والفنانين سواء في النقد الأدبي أو الفني منذ اربعينيات القرن العشرين، من العرب، والعالم الثالث وأوروبا، حيث شكلت تياراً. فقد انقسمت الأيديولوجيات النقدية أو الفكر النقدي إلى فكر واقعي اشتراكي محبذ للواقعية الاشتراكية، وفكر حداثوي شكلاني. لهذا نعتبر أن هاتين الثورتين متشابهتان إلى حد كبير في مسائل عدة، منها علاقة الفن بالسلطة، علاقة الأيديولوجيا بالفن، وتصويب مسار الفن باتجاه آخر مغاير للاتجاه التاريخي الذي كان يسير فيه، وتشبيك شعوب وفنون دول تدور في فلك هذه الثورات.
■ بتناولنا لأثر الثورتين الفرنسية والروسية على الفنانين والفن التشكيلي في العالم أجمع فماذا عن الأعمال الفنية التي توالدت من وحيهما؟ وأين توجد الآن؟
□ سؤال يحتاج لإجابة طويلة. سبق وعملت عليه بإسهاب في كتابي السابق الذكر. تكلمت عن المقاربة بين الثورتين الروسية والفرنسية، والتأثر والتأثير بينهما، وإلى أي مدى استطاع الفنان صيانة مسيرته الإبداعية في ظل أفكار هاتين الثورتين. عدد كبير من الفنانين دعوا للثورة الفرنسية وشاركوا فيها، لكنهم أحبطوا بعد سنوات، وتراجعوا عن تأييد مجريات سير الأمور ما بعد الثورة. في عام 1789 كان الفنان الفرنسي جاك دافيد مؤيداً كبيراً للثورة وكذلك مجموعة تلامذته أمثال جيروديه، جيرار، فرنيه، غرو وآخرين. ومع استلام نابليون بونابرت للسلطة في 1803 إلى 1815 تغير مسار الفن ووجد عددا كبيرا من الفنانين أنفسهم خارج سياق أفكار الثورة، التي تحولّت لخدمة السلطة أكثر منها لخدمة الشعب. وجد هؤلاء الفنانون ترحيباً من السلطة تبعاً لقدراتهم بتصوير محاسنها. وحين كانوا يبتعدون عن التلميع وصولاً للمبالغة، كانت مكافآت السلطة تنأى عنهم. لهذا دخلت أعمال عدد كبير من الفنانين عالم النسيان بعد سقوط بونابرت، ولم يعد لها حضور لا في النقد ولا في المتاحف، خاصة دافيد وغرو. وهما أكثر من مجّد سلطة بونابرت. الأمر نفسه حصل مع الثورة الروسية. مجموعة من الفنانين الطليعيين الروس، المؤيديين للثورة الروسية والممهدين لها، والمناهضين للنظام الإمبراطوري الروسي، وجدوا أن المجموعة التي تسلمت السلطة انحرفت عن الأفكار الاشتراكية للثورة، نحو تضخيم الشخصية الحاكمة والتبخير لها. وتالياً أصبحت الشخصية الستالينية في الحكم طاغية على كافة الأفكار الشعبية والإنسانية التي طرحتها الثورة. وهؤلاء استبعدوا من المؤسسة الفنية، من المعارض، المتاحف والنقد. عدد كبير منهم هاجر إلى فرنسا منهم زادكين، غونشاروفا، كاندنسكي، لاريونف، تاتلين وماليفيتش. العدد الأكبر بقي في روسيا إنما امتنع عن الموضوعات السياسية وتوجه نحو البورتريه والمشهد الطبيعي حماية لرأسه. وهكذا نلمس تأثير مسار الثورتين الفرنسية والروسية على التوجهات الفنية لدى معاصريهما من الفنانين.
زهرة مرعي