في إحدى قصائده الجميلة للأطفال، يقول الشاعر السوري ابن الحسكة معشوق حمزة:
«يُحكى أن السلطان/ في غابر هذي الأزمان/ مَنع الأطفال من اللعب/ قال لهم/ لا تقتربوا من بستاني/ من أزهاري/ من أشجاري/ يا أطفال/ هيا ابتعدوا/ وبنى سورا حول البستان/
حزن الأطفال كثيرا/ لكنّ السلطان كان سعيدا/ وحده سوف يشم الورد/ وحده يفرح بالألوان… إلخ».
ويقول الشاعر التركي ناظم حكمت» فلنعط الكون ولو ليوم واحد للأولاد الصغار/ لنعطهم إياه كي يلعبوا/ كما بِبالون ملوّن/ كي يلعبوا ويغنّوا بين النجوم/ لنعط الكون للصغار… إلخ».
وأنا أقول ان الشاعـــرين مخطئان خطأ فاحشا، لأن كارثة ستنزل إذا دخل الأطفال بستان السلطان، وسيخرب الكون إذا سلمناهم إياه لساعة واحدة وليس ليوم.
كل بالغ عاقل يعرف الكثير عن وساخة الأطفال ولؤمهم، واستعدادهم الفطري للتخريب وارتكاب الجريمة!
إذا أمسك طفل أنبوب مياه مطاطيا، ورأى قطة! لن يتردد عن رشها بالماء، وقد يؤدي لموتها، خصوصا إذا كان الطقس باردا! ولكن الأهم، أنك لن ترى حزنا أو تأنيب ضمير في عيني هذا القاتل.
جرّب أن تسلّم أحدهم عصفورا مغرّدا وسترى ماذا سيحل بالعصفور الذي كان مترنما، سيعضه من رأسه، وقد يدسّه كله في كوب ماء.
أعط هذا «البريء»،علبة كبريت وانظر ماذا سيفعل بها! أنصحك بالاتصال فورا بمصلحة المطافئ، سيبحث عن أي شيء يحرقه، حتى ولو كان ثياب والدته التي سهرت الليالي لأجله!
اترك هذا الملاك قرب شجرة مثمرة، ليمونة أو تينة أو كرمة لم تنضج ثمارها بعد! واكتشف طبعه التخريبي، سيقطف الحصرم والثمار الفجة، ويستمتع برميها ومعسها تحت قدميه، وقد يحفر حفرة ويدفنها فيها، وسوف يبلغ نشوته الشيطانية عندما يراك مقهورا!
اتركه قرب تحفة أثرية، جرّة قديمة مثلا، تعتز بها كذكرى من جدتك التي ورثتها عن جدّها، وسترى همجيته، فهو لا يقيم للذكريات أو الآثار الإنسانية أي قيمة، الطفل في غريزته داعشي الفكر، سوف يدقها بأي جسم صلب حتى يكسرها، وسوف يغضب ويبكي حقدا إذا لم ينجح في كسرها! ضع أمامه ألبوم صور! سوف يختار أغلى صورة على قلبك ليقضمها ويبللها بلعابه، فالتمزيق والأذى من طبيعته.
ما رأيك بهذه التجربة العلمية! ضع مفتاح سيارتك في مكان يكون بمتناول يد هذا الملاك الطاهر وراقبه! سوف يحمل المفتاح ويتسلل خلسة ليخفيه حيث لا تتوقع، في جهاز الفاكس مثلا أو في غلاية القهوة أو في حذائك الرياضي!
وعلى ذكر جهاز الفاكس انتبه، فهذا الملاك المبتسم قد يفتحه ويحشوه بالمندلينا أو بأوراق الملوخية أو بملاقط غسيل أو بأقلام الألوان والرصاص لأن طبعه تخريبي!
الزهرة التي انتظرتَ تفتحها طويلا، وفرحت بزهرتها البيضاء العطرة، والتي تتفتح مرة واحدة في العام ولفترة قصيرة جدا، تزهو بها أمام ضيوفك، ينتهز غفلتك عنه، ثم يتقدم الخبيث منها بثبات لينقض عليها بوحشية ويمعطها شرّ معطة، ثم يلتفت حوله معجبا بنفسه وكأنما قام بعمل بطولي! فكيف تريده أن يدخل بستان السلطان!.
وأنت يا ناظم حكمت! الطفل الذي تحسبه بريئا وتريد أن تسلمه العالم ليوم كامل! يقف إلى جانب جهاز الكمبيوتر من دون إظهار نواياه، وفجأة يمد يده فيسحب جهاز الاستقبال اللاسلكي فيقطع عنك الشبكة، أو يضغط بأصبعه على زر التشغيل فيطفئه، وسيضحك من قلبه عندما يرى غضبك وألمك كأنه سفاح مريض!
باختصار، يا معشوق حمزة، ويا ناظم حكمت، ويا توفيق زياد ويا سليمان العيسى ويا أحمد الظاهر، يا جليل خزعل ويا فاضل علي، ويا كلّ من كتبتم للأطفال وثقبتم رؤوسنا بالحديث عن براءتهم، بكل مسؤولية نبلغكم أنهم بلا ضمير، وهذا مؤكّد، وعلى الكبار، وخصوصا الكهول، أن يستفيقوا من أوهام براءة الأطفال، وأن يحذروا من هذه المخلوقات الخطيرة، ولهذا، وباسم رجال الوطن العربي كله، نناشد طيّاري وكلاب وأحذية السلطان بأن لا تأخذهم رأفة بالأطفال إذا سمعوا عن تسبب غاراتهم بمقتل ثمانية أو ثمانية عشر منهم في حديقة قصفوها في يوم العيد، لأنهم مجرمون، هم أصل الإرهاب، هم التطرف، هم الاستعمار والصهيونية والاحتلال والغلاء والبطالة والتحرش الجنسي والجهل والمرض، هم العملاء، فارجموهم بصواريخكم وقنابلكم الحارقة، ألقوا عليهم ما استطعتم من براميـــــلكم، تخلصوا منهم، قبـــل أن يكـــبروا ويكتشفوا كم أنتم سفلة ومنحطون وحقيرون وبذيئون.
في نهاية قصيدته التي اقتبسَ فكرتها من قصة لأوسكار وايلد، يقول معشوق حمزة، إن الربيع رفض دخول بستان السلطان كي يبقى مع أحبابه الأطفال، فيغضب السلطان ويضرب رأسه بالحيطان. سمع الأطفال صراخا/ اجتمعوا/ اقتربوا من باب البستان/ لم يجدوا سورا /أو سلطان/ كان ربيع/ يستقبلهم عند الباب/ وهو يقول/ أهلا أهلا بالأحباب. ونسي معشوق حمزة أن السلطان يملك طائرات من كل الألوان، ومدعوم من دول عظمى، في العلن وفي الكتمان، كي يذبح (الربيع)، ويواصل قتل الأطفال وهدم الإنسان.
سهيل كيوان