تدخل روسيا في سوريا محل إجماع

حجم الخط
0

الأحداث في الشرق الأوسط تتلاحق خارج سياق المنطق والحسابات المتعارف عليها مما جعلها عصية على القراءة والفهم. فالواقع الذي تكشف في مصر واليمن وسوريا لم يكن وليد اللحظة بقدر ما هو مرتبط بمشروع الشرق الأوسط الجديد والتغيير من الداخل الذي ترعاه أمريكا وتسعى إلى تنفيذه بأموال خليجيهة تحت شعار محاربة الإرهاب، مستخدمة في ذلك وسائل عدة مثل ثورات الربيع العربي ودعم وتشجيع الصراع القديم الجديد بين السنة والشيعه وأخيرا دفع روسيا للتدخل في سوريا.
فقد دعت إدارة أوباما روسيا غير مرة إلى لآداء دور إيجابي في محاربة الإرهاب في سوريا. لهذا لبت روسيا المطلب الأمريكي المتكرر بالإضافة إلى حجز موطئ قدم لها في منطقة الشرق الأوسط الجديد لإقامة نقطة ارتكاز عسكرية قوية.
فقد تم التدخل الروسي المباشر في سوريا بضوء أمريكي وتمويل سعودي لإعادة تنظيم مسرح العمليات نتيجة مخاوف قوى إقليمية ودولية من بعض التشكيلات الميدانية التي تقاتل في سوريا مع النظام أو ضد النظام.
ويشكل العامل الإيراني عنصرا مساعدا لإقناع القوى الإقليمية والدولية بالمقاربة الروسية. فأغلب الدول العربية ترى أن التدخل الروسي في سوريا طارد للتدخل الإيراني. وتكيف الدول العربية قناعاتها تلك على أساس أن الوجود الروسي جيو- استراتيجي وليس استعماريا. وهذا لأن دول المنطقه تعرف أن وجود قواعد للدول الكبرى في الإقليم لم يؤثر على سياسات تلك الدول ولا على تركيبتها الاجتماعية بعكس الوجود الإيراني الاستيطاني والمذهبي.
التدخل الروسي في سوريا يأتي والشرق الأوسط يمر بمرحلة حرجة وعصيبة يشهد فيها أكبر وأخطر عملية إعادة هيكلة للنظم السياسيه القائمه وفقا لمشروع الشرق الأوسط الجديد. وسيترتب عليه تكوين توازنات جديده في المنطقه ودعم وتأهيل أنظمه جديدة تحكم دول الشرق الاوسط.
فالأسباب الحقيقية للتدخل الروسي في سوريا تتعدى مساندة نظام بشار الأسد في الحرب ضد داعش والجماعات الإسلامية الأخرى أو حمل لواء الشيعة وحقن دمائهم ووقف المد السني المتوقع وإنما السبب تهديد هذا المد بشقيه السني والشيعي الحدود الإسرائيلية بصورة مباشرة، بالاضافه إلى تأسيس نظام جديد بديل لنظام بشار الأسد يندرج ضمن مشروع الشرق الأوسط الجديد.
الروس يتدخلون في سوريا بمباركه إسرائيلية وتنسيق مسبق بين روسيا وإسرائيل لأن أمن إسرائيل أولوية روسية قبل أن يكون أولوية أمريكية. كما أن التدخل الروسي هو أداة جديدة لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد أي أكمال ما لم تستطيع ثورات الربيع العربي تحقيقه من تغيير في أنظمة دول الإقليم.
لقد وجدت أمريكا في التدخل الروسي في سوريا حل وسط يرضي الطرفين السعودي والإيراني وفي الوقت نفسه يحمي الأمن الإسرائيلي. لهذا لن تغرق روسيا في سوريا كما غرقت في أفغانستان في القرن الماضي لأن الحرب الباردة التي كانت بين أمريكا والروس قد انتهت بانهيار الاتحاد السـوفيتي. وأصبحت روسيا اليوم شريكا أساسيا في التحالف الدولي ضد الارهاب الذي كان يسمى الجهاد في حرب أفغانستان ضد السوفيات.

احمد غالب الشعبي – اليمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية