دارة الفنون تحتفي بـ «راهنية» مسرح سعد الله ونوس… فيصل دراج: المسرح يحتاج مجتمعا يعرف السياسة

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: خصصت دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان لقاءها الثقافي الشهري للحديث عن راهنية مسرح السوري سعد الله ونوس، حيث تحدث في اللقاء مستشار الدارة الثقافي فيصل دراج عن كتاباته المسرحية وأعماله وعلاقته بالمسرح السياسي.
الورقة التي قدمها وتعنونت بـ«المسرح والسياسة وراهنية سعد الله ونوس» بدأ فيها الحديث عن بدايات سعد الله ونوس في الكتابة عام 1982 بمسرحية «السلطان وابن خلدون»، تتأمل علاقة المثقف بالسلطة، في فترة انتقل فيها المثقف العربي من «النقد السياسي» إلى «النقد الثقافي».
وأضاف «دخل ونوس وهو ينغمس في كتابة مسرحيته الجديدة، إلى عملية بحث واستقصاء طويلين، فقرأ سيرة ابن خلدون في مصادر متعددة، وقرأ معها «سيرة دمشق» في أطوارها المختلفة. استغرقه البحث سنوات، تحوّل فيها موضوع مسرحيته إلى «منمنمات تاريخية»، العمل الذي يصف مرحلة قاتمة من تاريخ دمشق، احتلها فيها تيمورلنك، واستباحها 19 يوماً، ثم أمر بإحراقها. انطلق في عمله من قاعدة أثيرة تقول: العودة إلى الماضي تضيء الحاضر، وتجعل أسئلته أكثر وضوحاً.
ويرى دراج أن أسلوب البحث المسرحي عند ونوس يفصح عن أمرين هما: البحث المسرحي بحث معرفي يسلّي ويمتع ويخرج باستخلاصات فكرية، تقرأ الحاضر وترى آفاقه، كما لو كان المسرحي باحثاً في التاريخ وفي الأشكال الفنية في آن. ويقول الأمر الثاني: على المبدع أن يستدرك قصور المؤرخ، فيشرح التحوّلات الاجتماعية، فلو لم يكن في دمشق ما يسهّل احتلالها، لما دخل إليها تيمورلنك وأشعل فيها النار، ويجعل الشرح واضحاً ومفهوماً، فلا كتابة إلا لسبب، ذلك أن القارئ ـ المتفرّج متورّط، شاء أم أبى، بمستقبل وطنه، فلم يميّز حريق تيمورلنك بين بيت وآخر.
«ولد المسرح سياسياً»، كان يقول ونوس، وترجم قوله بصيغة شعرية: المسرح مكتوب على جدران الريح، ناظراً إلى علاقة المسرح بالحياة، فلا وجود لمسرح بلا جمهور، ولا وجود لجمهور متحرّر من أسئلة الحياة، إلا إذا كان غافلاً عن أمور حياته، أو كان في حياته ما يوزّع عليه الغفلة والجهل والارتياح إلى القدرية.
كان في القول ما يؤكد الوظيفة الاجتماعية للعمل المسرحي، التي تنطوي على الإنارة والتحريض، وكان فيها، بداهة، الشكل المسرحي الموائم الذي يستدعي المتفرّج ويوقظ فيه أسئلة كان غافلاً عنها. ولعل ذلك الشكل، الذي يوحّد بين «الفرجة المسرحية والمتفرّج، هو الذي دعا ونوس إلى «توظيف التراث»، كيف يخلق ألفة بين شكل العرض المسرحي والمتفرّج.
في ترهين التراث عند سعد الله ونوس ما يحقق أمرين هما بحسب دراج – التحرر من الأشكال المسرحية الغربية أو المتغربة، كما التأسيس لمسرح عربي، ونقد الواقع المعيش بعناصر جمالية، يأنس إليها المتفرّج العربي، ولا يشعر إزاءها بالغربة. وواقع الأمر أنّ ونوس لم يكن يقترح صيغاً مسرحية جاهزة، أكانت تستلهم التراث أم مسرحيات غربية، بل كان يعمل على توليد طليق لمسرح عربي حديث ومتجدد، ولهذا دعا ونوس، في كتابه «بيانات لمسرح عربي جديد» ـ 1970 ـ إلى تحطيم العلاقة التقليدية بين الخشبة والصالة، من أجل علاقة جديدة بين الممثل والمتفرّج، تقوّض الحواجز بينهما، وتعترف بالمتفرج كياناً مستقلاً بذاته، بعيداً عن المراتب والحواجز.
أما فيما يخص «المسرح السياسي» يقول دراج «اجتهد ونوس في تحديد معنى وعناصر المسرح السياسي مؤكداً على قضايا متعددة: العلاقة الجدلية بين الممثل والمتفرّج، حيث على الأول أن يخرج من إطار المهنة المستريحة إلى فضاء الرسالة المقاتلة، التي تنعكس لزوماً في الأداء، والإرسال والتأثير في عملية التلقي. ولهذا انشغل ونوس في تحديد معنى «الجمهور» ووسائل تسييسه فإذا كان المسرح السياسي يتوجه إلى جمهور، يعلّم ويتعلّم، فمن الواجب تحديد بيئته وقضاياه وثقافته، بقدر ما يجب تحديد ملامح السياسة المسرحية التي تتعامل معه.
انشغل ونوس طويلاً بسؤال السلطة السياسية، قبل أن يلتفت، لاحقاً، إلى ما خارجها. وتشكّل مسرحية «الملك هو الملك» العمل الأكثر جلاء، القائم على فكرة ـ أساس تقول: «أعطني رداء وتاجاً أعطك ملكاً»، كما لو كانت السلطة تساوي بنيتها الشاملة، لا الرأس الأعلى الناطق باسمها. ولهذا استلهم المسرحي الفكرة من التراث وحرّرها منه، معلناً أنها صالحة لكل مكان وزمان.
وفي نهاية حديثه أشار دراج إلى أن ما دعا إليه سعد الله ونوس ومارسه ما يزال يتمتع بالراهنية لأسباب ثلاثة على الأقل: فالمسرح، في العالم العربي، يبحث عن اعتراف اجتماعي لا يتحقق إلا بشيء قريب من «الثورة الثقافية»، فهو علاقة ثقافية في جملة من العلاقات الثقافية. وإذا كان تذوّق الفن، وهنا الأمر الثاني، يقضي بتربية مدرسية ـ عائلية، ترى في الفن «ضرورة حياتية»، فإن المدرسة الرسمية، في علاقتها بالمسرح لا تزال تنتظر «إصلاحاً شاملاً» يحرّرها من الأميّة الفنية والرؤى الضيقة.. هناك أخيراً السياسة، «فالمسرح ولد سياسياً»، ولن تكتب له حياة سويّة إلا في مجتمع يعرف معنى السياسة، لأنه يمارسها.

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية