السينما العربية وصراع الهوية في مدينة القدس المحتلة

حجم الخط
0

تبقى السينما وسيلتنا لنكون أكثر إنسانيين في تخاطبنا وحواراتنا الثقافية بشكل أفضل، لقد مكن الفن السابع الإنسان في العالم لأول مرة من العثور على أسلوب فني لتسجيل الزمن والقبض عليه، وتشكيله وعرض تدفقه لمرات عديدة أمام الأجيال. باعتبار السينما اللغة الوحيدة في العالم التي يلتقي فيها المشاهد العادي والمهني والمثقف، لأنها ببساطة لغة الوجدان الإنساني، هوية متحركة في الزمن السردي المصحوب بالفنون المكانية والزمنية. كونية الطابع تخترق اختلافاتنا الفكرية والحضارية سريعة الانتشار وتجاوز كل الحدود للتعبير عن قضايا محلية بإبداع إنساني.
فمدينة القدس الشريف تعيش في الوقت الراهن أخطر مرحلة في حياتها ومنذ بنائها، فالعقلية الصهيونية تعمل جاهدة لإلغاء طابع هذه المدينة وجعلها مدينة يهودية الوجه والقلب واللسان، متجاوزة قدسيتها لدى المسلمين والمسيحيين على السواء، وطمس معالمها العربية والإسلامية.
إن القدس في خطر أرضاً وسكاناً؛ حاضراً ومستقبلاً، و»إسرائيل» تسعى لتهويدها حجراً حجراً، ولتهجير سكانها منها وحصارها اقتصادياً واجتماعياً بعزلهم عن بعدهم وعمقهم الفلسطيني والعربي، وممارسة كافة أشكال الإذلال والتضييق والاستفزاز؛ في هدم للبيوت ومصادرة للممتلكات وسحب للهويات وإقفال المؤسسات الوطنية وشقّ الطرق وسط التجمعات الفلسطينية وبناء للجدار وعرقلة تحركاتهم والتضييق على عبادتهم والاعتداء على المقدسات .. الخ، حتى أنه لم يسلم من هذه الحملة لا الأحياء ولا الأموات في قبورهم ولا الشجر ..
فالقدس ليست مدينة كالمدن ولا عاصمة كالعواصم، إنها مركز الإشعاع الذي لا يذوي ولا ينطفئ، يتفجر بمعان تاريخية ودينية وحضارية، وإن التفريط فيها يعني تفريطنا في جزء من تاريخنا وجزء من ديننا وجزء من حضارتنا، كما أن التفريط فيها جريمة الجرائم في حق الماضي والحاضر والمستقبل.
إننا لا نستطيع أن نتذكر ماضي ونضال الشعب الفلسطيني من دون الرجوع إلى ذخيرة الأفلام الفلسطينية التي أرخت ووثقت لقضية شعب سرقت وانتهكت أرضه بتواطؤ عالمي. ابتداء من السينما الفلسطينية الجديدة وعلى رأسها تجربة الفيلم المتميز «الذاكرة الخصبة» للمخرج ميشيل خليفي عام 1980، الذي تم تصويره كاملا في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها مدينة القدس. يقول المخرج عن هذه التجربة: «في مجتمع فقير كالمجتمع الفلسطيني، كان هذا الفيلم أول تجربة مستقلة عن الخطاب السائد الفلسطيني: أردت للفيلم أن يكون للمرأة، لفلسطين، وليس عنهما. أردت إظهار إنسانية الأشياء وعناصرها في هذا البلد الملغي: الشجر، النور، الأرض، العصافير، الأطفال، موسيقى الحياة اليومية… السينما الوثائقية، بمتطلباتها التقنية البسيطة، أقرب للواقع الفلسطيني منها للسينما الهوليوودية ذات المطالب التقنية الباهظة. الفيلم أعادنا إلى تجربتنا الإنسانية، وأكد أن دور الثقافة يساعدنا على عدم التنازل عن إنسانيتنا، وصراعنا مع الفكر الصهيوني هو ضد محاولة إلغاء إنسانيتنا. نحن لا نريد إلغاء حق الآخر لكن لن نسمح له بإلغاء حقنا».
لا يتسع المكان هنا لعرض كل الأفلام التي تطرقت لمدينة القدس سينمائيا، ومن باب الاستحقاق والاعتراف بالمجهود الجبار الذي بذلوه لإنجاز أفلامهم عن المدينة المقدسة، لا بد للإشارة لفيلغراميا ابتدائنا من فيلم «القدس تحت الحصار» للمخرج جورج خليفي، عام 1990 وفيلم «بيان عن مآذن القدس» للمخرج جمال ياسين، عام 1993، وفيلم «القدس، أبواب المدينة»، للمخرج فرانسوا أبو سالم، عام 1995، وفيلم «القدس.. احتلال مثبت في الحجر»، للمخرج مارتي روزنبلوث، عام 1995، فيلم «النار القادمة» للمخرج محمد السوالمة، عام 1997، وفيلم «ومحوطة بالسور»، للمخرج وليد بطراوي، عام 1998، فيلم «كوشان موسى»، للمخرجة عزة الحسن، عام 1999، فيلم «القدس يوم إلك ويوم عليك» للمخرج ليون وليامز بالاشتراك مع تينوس كرارم، عام 1998، فيلم «القدس وعد السماء»، للمخرج إياد داود عام 1999، وفيلم»خلف الأسوار» للمخرج رشيد مشهراوي عام 2000، وفيلم «جوهر السلطان»، للمخرجة نجوى النجار عام 2001، وفيلم «جوهر السلطان» للمخرجة نجوى النجار عام 2001، وفيلم «آخر الصور» للمخرج أكرم الصفدي عام 2001، وفيلم «فورد ترانزيت» للمخرج هاني أبو أسعد عام 2002، فيلم «عبور قلنديا» للمخرج صبحي الزبيدي عام 2002 فيلم «صباح الخير يا قدس» للمخرجة سها عراف عام 2003، فيلم «يد إلهية» للمخرج إيليا سليمان، وفيلم «القدس في يوم آخر» للمخرج هاني أبو سعيد، عام 2002، فيلم «تذكرة إلى القدس» للمخرج رشيد مشهراوي عام 2002.
على قلة ما أنتجت السينما الفلسطينية من أفلام روائية طويلة، فإن القدس أخذت حضورها المميز في هذه الأفلام.
وتبقى السينما ساحة صراع أساسية في مواجهة عدونا الصهيوني، لم نثبت وجودنا فيها بعد، وعلى مدى نجاحنا في الدخول إليها كطرف فاعل ومؤثر تتوقف قدرتنا على الرد على المزاعم والأكاذيب الصهيونية بالأسلوب نفسه. التطاول على المدينة وصل بالكاتب والمفكر الإسرائيلي أمنون كوهين أن يقول: «إن مصدر الانطباعات القوية التي تعكسها «القدس» في أذهان العامة والخاصة عبر التاريخ وحتى أيامنا هذه ناجم بالطبع عن أهميتها الدينية والثقافية، صحيح أن بوادر التوحيد لم تنشأ في جبالها إلا أن المدينة كانت ولأول مرة عاصمة كيان سياسي، ألا وهو مملكة داوود وسليمان، التي تبلور كيانها بفكرة الإيمان بإله واحد، وأصبحت اليهودية فيها شعارا وواقعا في الوقت نفسه». وفي السياق التاريخي المزور للحقائق التاريخية نفسه يقول الكاتب والمفكر الأمريكي اليهودي «هول ليندسي: «لم يبق سوى حادث واحد آخر ليكتمل إعداد المسرح ليكتمل دور إسرائيل في الفصل الأخير من مأساتها التاريخية، وهو إعادة بناء الهيكل القديم في موقعه القديم، هناك مكانا واحدا يمكن أن يقام عليه الهيكل استنادا إلى قوانين موسى، وهو جبل موريا أحد جبال القدس».
وهنا من الضروري، في المواجهة على هوية المدينة المقدسة سينمائيا، تقديم خطاب سينمائي منفتح عربي وفلسطيني إنساني ينقض تلك الأطروحة التي لا نصيب لها من التاريخ الحقيقي، لكنه لا ينجر إلى قفص الخطابات الدينية الأصولية والمتعصبة، فيقع فيما ينتقد فيه الآخرين. فالقدس وإن كانت في قلب التاريخ العربي والفلسطيني، وأحد محاضن، وبوصلات، الحركة السياسية والثقافية في فلسطين وبلاد الشام عموماً، فإنها كانت قبلة للتعددية الثقافية والاجتماعية منذ التاريخ القديم إلى التاريخ المعاصر. ودينياً لا يحتاج الأمر إلى كبير جهد لإثبات قدسية القدس ومكانتها الروحية العالية في الوجدان الإسلامي العام، من الـمغرب إلى إندونيسيا، والأمر ذاته بل وأكبر منه في الوجدان الـمسيحي الفلسطيني والعربي والإنساني.
السينما الصهيونية التي استطاعت بفعل سيطرة المال والإعلام اليهودي على هوليوود أن تلعب خلال نصف القرن الماضي دوراً أساسياً في الدعاية للمشروع الصهيوني في فلسطين وتشويه صورة العربي لدى المشاهد الأوروبي والأمريكي، وحتى التسلل إلى المشاهد العربي من خلال الأفلام الأمريكية التي تغزو دور السينما العربية والبيوت عبر أقراص الفيديو والقنوات الفضائية الأجنبية والعربية، استطاعت أيضاً التكيف مع التغييرات التي طرأت على أمزجة المشاهدين فتحولت من مرحلة الدعاية المباشرة إلى الدعاية المستترة، لم تجد في المقابل سينما عربية فاعلة ومؤثرة قادرة على مواجهتها وكشف تزويرها للحقائق وتحريفها للوقائع التاريخية، فاستمرت في إنتاج أفلام جديدة تحمل خلال هذه الفترة شعار السلام بالمفهوم الإسرائيلي. وها هي تقيم مهرجانا سينمائيا عالميا للقدس دوليا يعقد في القدس الغربية كل سنة في شهر تموز/يوليو في برك السلطان. ويخصص هذا المهرجان لعرض أفلام جديدة. وتعرض الأفلام في صالات وقاعات العرض في مدينة القدس الغربية، وتنظم محاضرات وندوات وورشات عمل للجمهور الواسع. ويُعرض الفيلم الفائز بجائزة فولجين للسينما الإسرائيلية في مكان مفتوح وتحت قبة السماء.
وكانت المبادرة إلى تنظيم هذا المهرجان ليا فان لير في عام 1984. ويعتبر هذا المهرجان منذ تأسيسه أحد أهم المهرجانات المتخصصة في عالم السينما في إسرائيل. أما الأفلام التي تعرض في المهرجان فهي من إنتاج إسرائيلي وأجنبي، وكذلك تعرض أفلام الاحتجاج والوثائقية والصور المتحركة.
ويتنافس خلال المهرجان كل سنة عدد من الأفلام الإسرائيلية والعالمية. ومن بين الجوائز التي تمنح خلال المهرجان: جائزة فولجين للسينما الإسرائيلية. ويتبرع بها كل سنة الأمريكي جاك فولجين، وهي الجائزة الكبرى، وتوزع على ثلاثة أنواع من الأفلام: الفيلم الوثائقي والفيلم القصير وفيلم القصة. أما الجوائز الأخرى فهي: «جائزة على اسم عنات فارحي»، وجائزة صندوق القدس، وجائزة بلدية القدس الغربية. والجائزة الأخيرة مُخصصة لأفضل فيلم أو مجموعة أفلام لها علاقة بالتاريخ اليهودي في فترات مختلفة.
السينما الصهيونية التي شكلت خلال السنوات الماضية خطراً على القضايا العربية، لن تتوانى عن استغلال المتغيرات الدولية الأخيرة، وربما لن يطول بنا الانتظار حتى نرى أفلاما صهيونية التوجه تتناول الإسلام باعتباره دين الإرهاب، مستغلة الحملة الأمريكية ضد ما يسمى «تنظيم الدولة الإسلامية» والفهم الخاطئ لدى الجمهور الأمريكي خصوصاً والغربي عموماً للإسلام، بعد عمليات «داعش» في ذبح الأوروبيين والأمريكيين على الهواء مباشرة، وبإخراج تلفزيوني محترف. وما تبعها من حملات ظالمة ضد الإسلام لم تكن المنظمات اليهودية واليمينية الأمريكية والأوروبية بعيدة عنها.
المطلوب من المؤسسات الثقافية الشيء الكثير، فالقدس تستباح أمام أعيننا، ويتم تهويدها وطرد البقية الباقية من سكانها على مرأى العالم كله، وإذا كنا لا نملك أن نرد على العدوان، أو أن نقوم بفعل يوقف هذا التهويد المتصاعد، فإن أضعف الإيمان هو أن نعبر عن تمسكنا بحق أمتنا في القدس، وأن نفي بما لها في نفوسنا من مكانة مقدسة، وهنا يأتي دور الثقافة. وأكبر حجم معنوي من المسؤولية يقع على عاتق المؤسسات الثقافية المهتمة بالسينما في الوطن العربي، من عامة وخاصة، ومن صناديق لدعم سينما الشباب المبدعين في مختلف مجالات الفنون والإبداع، والدفاع عن هذه المدينة المقدسة سينمائيا، مسؤولية إسلامية وإنسانية. لكون القدس مقدسة عند الديانات السماوية، وتهويدها عدوان على كل الديانات وعلى كل الأمم والشعوب المسيحية والإسلامية التي نجد لها حقاً روحياً في القدس يوازي الحق العربي.
ولكوننا نحن العرب أصحاب القضية بامتياز فمن واجبنا أن نثير إحساس الآخرين بالمسؤولية، وأن ندعوهم إلى المشاركة في الدفاع عن حرمة هذه المدينة المقدسة، وحسبنا في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ المواجهة مع الاحتلال الصهيوني أن نعبر عن رفض شعوب العالم لما ترتكبه إسرائيل من جرائم عنصرية، وأن نرسخ في الوجدان العربي حقنا الذي أقرته الشرعية الدولية، وأن نؤازر بالفعل والعمل أشقاءنا من أهل القدس وهم يواجهون وحدهم أبشع أنواع التمييز والقتل والإرهاب.
وندعو كل المؤسسات العربية والإسلامية والمسيحية الثقافية لخلق صناديق لدعم سينما القدس ليتسنى لمخرجين عرب إنتاج أعمال سينمائية عربية مستقلة ذات بعد عالمي في السينما نتشارك نحن العرب في إنتاجها. وشراء أراض في القدس الشرقية وإقامة استوديوهات سينمائية عليها لتصوير أفلام سينمائية عربية، وحتى أجنبية تظهر الطابع العربي للمدينة في جانبها المسيحي والإسلامي.. إن إصرار إسرائيل على تهويد القدس وما يتم على الأرض من فرض لواقع قسري سيصير مع الزمن حقاً مفتعلا لمن فرضوه، يتطلب عملا جاداً ودؤوبا من أهل الثقافة يسد غياب أهل السياسة الذين لم يتمكنوا من تحقيق وحدة موقف قوية ضد سياسة التهويد. والعمل السينمائي الذي يخاطب الإنسان الحر أينما ما كان بحقائق تاريخية وبعقلية معاصرة يمتلك من حرية الحركة والانتشار ما يؤهله لتقديم بدائل ليست قليلة الأهمية على المستوى العالمي، فإذا كانت سياسة السلام عبر اتفاقية كامب دافيد لم تنجز أي شيء على الأرض لقيام دولة فلسطينية مستقلة ومعترف بها وعاصمتها القدس. تعمل على أهداف التفاوض التي سدت أبوابها فثقافة الإبداع على مستوى الصورة مفتوحة الأبواب على عالم أصبح قرية كونية، ولا يملك أحد أن يسد نوافذها المشرعة.

ناقد من المغرب

عبدالله الحيمر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية