1. مايجري في الحرم وفي أزقة البلدة القديمة في الوقت الذي يهان اليهود لرغبتهم في الصلاة، يعتبر موضوعا للمتدينين فقط، وهو ليس كذلك. فقد قال لي النائب زحالقة انه ملحد، فما الذي فعله في الحرم؟ ما معنى هتافه «هذا بيتي، ليس بيتكم»؟ إذ أن «ليس هذا سوى بيت الله وهو باب السماء» (اصحاح في البدء) ـ كل الشعوب مدعوة لان تحج وتصلي في الحرم. إذن ماذا يضير نائب غير متدين من صلاة الاخرين؟
على مدى التاريخي الإسلامي كله تقريبا كانت مكانة القدس هامشية. وقد اظهر البحث بان قدسية القدس في التقاليد الإسلامية تأثرت سلبا بقدسيتها لليهود والمسيحيين (هذا الزعم غير صحيح فالمسلمون يرى الأقصى ثالث الحرمين الشريفين (المحرر)). واكثر مما كانت عليه سيطرة الصليبيين للقدس، جاءت سيادة اليهود فيها بعد حرب الايام الستة لتكون اصبعا في عيون العديد من المسلمين.
لقد أقامت المسيحية والإسلام حقيقتيهما على فكرة البديل: فقد اعترفت الديانتان بان الله اختار في البداية اليهود، ولكن بعد أن رفضوا قبول مسيحية اليسوع او رسالة محمد، تركهم واختار شعبا جديدا: المسيحيين أو المسلمين. وهذا هو السبب في أن الجدال الديني بين المسيحية والإسلام ليس بارزا، مقابل مئات السنين وملايين الصفحات التي وظفتها الديانتان في المواجهة مع إرث الاختيار والايمان اليهوديين. في العالم المسيحي على اطيافه تجري منذ الستينيات ثورة دينية في مسألة الموقف من الشعب اليهودي وصلاحية فكرة البديل. وفي السنوات الاخيرة جلبت اصواتا في العالم المسيحي، ترفض فكرة البديل، او على الاقل تعترف بصدارة الشعب اليهودي وبنبع المسيحية من مصادرها اليهودية. ومن هنا الاعتراف المسيحي بالصلة التاريخية والدينية (والقانونية) لشعبنا ببلاده.
2. ليس هكذا في الإسلام. قراءة بسيطة في القرآن تثير العجب كم ركز محمد على اليهود، على تقاليدهم، على الكتب المقدسة والتوجهات اليهود للانضمام إلى الدين الجديد. وفي النصف الاول من القرن التاسع عشر نشر أبراهام جايجر رسالة دكتوراة في جامعة بون تحت عنوان «هل أخذ محمد من اليهودية؟».
لقد أظهر جايجر كيف دمج الإسلام أفكار اليهود مثل الصلاة، البلاد المقدسة، المقدس، الكنيس، الحج، الربا، الملائكة، العبادات، القرابين، وحدة الرب، الانبياء، الآخرة ومحظورات الطعام. وقد حلل القرب الدلالي بين عالم المفاهيم الدينية في الإسلام (المصوغ بكلمات عبرية) والمفاهيم اليهودية؛ وبحث بالمبادىء الدينية الناشئة عن التقاليد اليهودية، مثل وحدة الرب، ستة ايام الخلق، السموات السبعة، سبعة مستويات جهنم، الـكشف والنبوءة، الاجر والعقاب، الحساب، انبعاث الموتى، حرب جوج وماجوج قبل مجيء المسيح (المهدي) وغيرها (نسي الكاتب أن هذه المفاهيم هي مفاهيم الديانة الإبراهيمية التي جاءت منها معظم تعاليم اليهودية والإسلام، وأن المصدر واحد (المحرر)). وبالطبع، عشرات عديدة اخرى من قصص التوراة. التلمود والمدراش التي تظهر في روايات مشابهة او مختلفة في القرآن. إلى أن انتقل إلى مكة، كانت وجهة الصلاة الاولى (القبلة) إلى القدس. الصوم كجزء من عملية الايمان، اخذ منا، وفي البداية تقرر في عشرية الشهر الاول (محرم) في الرزنامة الإسلامية. الاساس للقرآن وللدين الجديد يوجد إذن في توراة موسى. توجد ادبيات متفرعة في الموضوع. ومن المجدي البدء بالكتاب الممتاز للدكتور آفي بيكر الراحل، «من هو الشعب المختار: قصة صراع الافكار الكبرى في التاريخ». كجزء من فكرة البديل، التي بموجبها ورث الإسلام الدين اليهودي، أُلبست بتقاليد إسلامية متأخرة قصة صعود محمد إلى السماء من المكان المقدس لليهود، فيما ربط حصانه المجنح «البراق» بحائط المقدس. وفي نهاية العشرينيات فقط، قبيل احداث البراق في العام 1929، ربط المفتي الحسيني قصة الحصان المجنح بالحائط الغربي (المبكى) وادعى امام لجنة شاو البريطانية بان الحائط الغربي هو بملكية الاوقاف الإسلامية ايضا: «حائط البراق هو جزء لا يتجزأ من الحرم الشريف ولا يوجد حتى ولا حجر واحد من بقايا هيكل سليمان».
ولكن القدس لا ترد في القرآن حتى ولا مرة واحدة. كل الثيولوجيا الإسلامية في الموضوع تعتمد على آية غامضة: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى.»..
والتفسير الإسلامي الوارد يجعل «المسجد الحرام» في مكة و «الاقصى» في القدس، رغم انه لم يكن في حينه مسجد في المكان، (نسي الكاتب أن معنى كلمة مسجد في اللغة العربية مكان السجود، وليس البناء). تفسيرات سابقة تدعي بان المسجد الاقصى يوجد في السماء بل وحتى في مكة. آخرون رأوا في القصة رؤيا ليلية وليس واقعا، مثلما يفهم من الاية 60: «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس».
ويأتي تطوير القصة لاحقا في الحديث لتثبيت الدين الجديد كوريث للدين اليهودي. يبدو أن محمد سمع من اليهود انه لا تحتمل نبوءة من خارج بلاد إسرائيل، وعليه فقد كانت مصلحة في التشديد على أنه زار بيت المقدس في القدس ومن هناك صعد إلى السماء وفي سياق ذات السورة يقال: «… وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل». والعلاقة بين صعود محمد إلى السماء وقصة اعطاء التوراة واضحة. وبالفعل، تواصل السورة (التي تسمى «سورة بني إسرائيل»!) تروي تاريخ الشعب اليهودي المختار الذي تلقى مرتين الفرصة ولكنه فشل وخرب مقدساه (هيكلاه). ومحمد لا يرث موسى فقط، بل أمة الإسلام الجديدة ترث الامة اليهودية كالشعب المختار.
أين تقع دراما تبديل الشعب المختار حسب تقاليد هذا التفسير؟
في القدس! من هذه الناحية، فان النفي القاطع لكل صلة يهودية بالقدس، وبالتأكيد بالحرم (جبل البيت)، مثير للاهتمام لانه يناقض تماما الايمان الإسلامي بالوجود والارث اليهودي.
3. ما قيل هنا لا يتعلق ببعد ديني مبسط صرف: فهو يتعلق بجذور ايمان الإسلام، وبالتأكيد بتفسيره الشائع الذي نرى ثماره اليوم في الشرق الاوسط وفي اوروبا. ليس دينا آخر جاء لعبادة الرب إلى جانب الاديان التوحيدية السابقة، بل الدين الاخير، وريث اليهودية (والمسيحية)، ممن يؤمر مؤمنوه باشاعته في العالم، حتى بقوة الذراع: «هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله» (سورة 61 الآية 9).
ما يجري اليوم في القدس يرتبط بهذه المفاهيم العميقة ويؤثر على المسيرة السياسية. وفضلا عن ذلك، فانه يرتبط بمستقبل اوروبا بعشرات ملايين المسلمين الذين يواصلون الهجرة اليها. في هذا السياق العميق يجب قراءة الاقوال الحقيرة لابو مازن قبل نحو اسبوعين في أن ليس لليهود «حق في ان يدنسوا باقدامهم النجسة» الاماكن المقدسة في القدس.
ان محاولة التعاطي مع النزاع الذي يمتد إلى اكثر من مئة سنة بيننا وبين عرب المنطقة كنزاع اقليمي فقط، هي اغماض للعيون للشعوب في ضوء الفهم العميق الذي اشرنا اليه، والذي كلما مر الوقت يتأكد ـ شئنا أم أبينا ـ حجرا رئيسا في العملية التاريخية لعودة صهيون: اورشليم وجبل البيت.
إسرائيل اليوم 2/10/2015
درور ايدار