سمعنا عن الجرائم فرأيناها وعن النفاق فشهدناه

حجم الخط
2

سمي هذا العصر بعصر السرعة، فلا نستغرب تسارع الأحداث وتتاليها وانقلابها 180 درجة في أيام وساعات وربما في دقائق معدودات.
عدم استغرابنا لهذه السرعة في انقلابات وجهات النظر والسياسات الدولية ليس لعلمنا بالقدر المحتوم قبل وقوعه أو لتعاملنا مع صناع القرار خلف الكواليس كما يفعل بعض الصحافيين والمحللين. بل كل ما في الأمر أننا تعلمنا منذ الصغر أن السياسة هي فن الكذب وفن إدارة الأزمات لتحقيق المصالح. بل ذهب البعض إلى تعريف السياسة بأنها فن ادارة الصراع بين مختلف الاطراف المتصارعة من أجل تحقيق المنافع المرجوة.
لقد سمعنا كثيرا وقرأنا العشرات من المقالات والأبحاث عن الجرائم ضد الإنسانية التي وقعت منذ قرون ومنذ عقود في العالم. ولكن، لأن الذاكرة خائنة كبرى، لم تسعفنا هذه المرة لكي نتذكرها كلها ونقارنها مع ما عايشناه من مجازر ضد الانسانية في القرن الحادي والعشرين، وكان آخرها ما يحدث في سوريا.
لن نستعرض كثيرا هذه المجازر الجماعية وجرائم الحرب التي راح ضحيتها الملايين من البشر من مختلف الديانات والأقليات والعرقيات المتنوعة بسبب كثرتها ووفرة المقالات والأبحاث التي تحدثت عنها. بل يكفينا أن نشير إلى أن جمهورية رواندا الواقعة في شرق القارة الافريقية كانت قد شهدت وحدها خلال أقل من 100 يوم سنة 1994 مقتل ما يقارب 800 ألف شخص وتعرضت مئات الآلاف من النساء إلى الاغتصاب.
قرأنا كذلك عن التنديدات من كل الأوساط الدينية والمدنية والدولية والحقوقية في فترات متباعدة في التاريخ البشري، واطلعنا عن كثير من بيانات الاستنكار والقلق والتخوف والتنديد والدعوة إلى وقف القتل والقتال وجرائم الحرب من قبل كل الأطراف المتنازعة في العالم.
هكذا كتب علينا أن نعيش لنرى مجازر أبشع بكثير من تلك التي قرأنا عنها والتي حدثنا عنها أباؤنا وأجدادنا وأساتذتنا وأصحابنا والوثائقيات التي تعرضها مختلف القنوات العالمية بدون استثناء.
كانت الحرب العالمية الأولى والثانية سببا في سقوط أكثر من ستين مليون قتيل من مختلف أنحاء العالم. وكان الاحتلال المباشر للدول العربية والإفريقية سببا في سقوط ملايين القتلى والجرحى أيضا. ويكفي أن نشير إلى أن الجزائر وحدها شهدت مقتل أكثر من مليون جزائري بسبب الاستعمار الفرنسي.
لقد كنا منذ صغرنا مولعين بتتبع الأخبار العالمية، وخاصة ما يحدث في العالم جراء الحروب والفتن الداخلية التي شهدتها أكثر من دولة من مختلف أنحاء العالم. ولا زلنا نتذكر انتفاضة الأقصى وحرب أفغانستان وحرب العراق وغيرها من الأحداث الكبيرة التي تابعنا مستجداتها يوما بيوم بفضل قناة «الجزيرة» الاخبارية التي كانت في عصرها الذهبي في تلك الفترة.
ولكن الآن يمكننا القول إننا بدأنا نفهم قليلا ما يحدث في العالم، ومن كان المتسبب في هذه الأحداث. لم نفاجأ بتغير الموقف الأمريكي الروسي خاصة والدولي عامة من الأزمة السورية. ولم نتوقع مطلقا – منذ دخول الثورة السورية طورها المسلح – أن تنتهي الامور سريعا عن طريق التوصل إلى حل سياسي يرضي كل الأطراف المتنازعة والمتدخلة.
وكنا على يقين من أن التدخل الدولي وتسييس هذه الثورة الشعبية ومحاولة السيطرة على سوريا سيكون مطمع كل الأطراف الدولية العالمية، ولن نستطرد كثيرا في شرح أسباب ذلك. لكن السبب الرئيسي هو الطمع في الحصول أو البقاء في موقع استراتيجي في المنطقة بشكل ليس له نظير في أي بلد اخر. ومصلحة اسرائيل المهددة اذا ما تمت اطاحة نظام «المقاومة والممانعة» من قبل جماعات اسلامية جهادية مما كانت انتماءاتها «قاعدية» أو «داعشية».
ففي أواخر شهر سبتمبر / ايلول من كل عام يجتمع حكام العالم في مدينة نيويورك الأمريكية في مقر الأمم المتحدة بمناسبة انعقاد الجمعية العامة التي تمثل إحدى الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة وتتألف من جميع الأعضاء، وهي بمثابة منتدى دولي لمناقشة جميع القضايا في العالم. ولكن، كما هي الحال كل مرة، يدور قادة العالم في حلقة مفرغة كثور الطاحون الذي عصبت عيناه فصار يدور ويدور ويعتقد انه يقطع الأرض في حين أنه قابع في مكانه ويعود من حيث بدأ.
على ان هذه السنة كانت مختلفة عن سابقاتها. فقد اتفق العرب والعجم أبيضهم وأسودهم، أصفرهم وأحمرهم، على أن كل مشاكل العالم قد حلت ولم يعد هنالك أي خطر يهدد السلم العالمي والتعايش السلمي والأمن والأمان والاستقرار سوى تنظيم الدولة الإسلامية وأخواتها، مع التأكيد على أن بشار الأسد جزء من الحل، وذلك لكي يتم اجتثاث الغول القادم في اتجاه كل دول العالم، حتى أن جماعة الاسكيمو سيكونون مهددين من قبل تنظيم الدولة وربما ان وصل مقاتلوه اليهم سيزيلون بيوت الثلج التي شيدوها وسيُحرّمون صيد السمك وسيقتلون الكلاب التي ترافقهم وتصطحبهم.
ربما هي المرة الأولى التي أجمع فيها القادة العرب في كلماتهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم الاثنين 28 سبتمبر / أيلول على ضرورة حل القضية الفلسطينية ومحاربة الإرهاب، وإيجاد حلول سلمية للأزمة السورية. واتفق جمهور زعماء الغرب على محاربة تنظيم الدولة الاسلامية واجتثاثها من العراق وسوريا والتنسيق العلني لأول مرة بين روسيا وإيران وأمريكا من أجل استهدافه وشل قدراته الهجومية الدفاعية في البلدين.
وككل مرة يبدع زعماء العالم بلا استثناء في التأكيد على ضرورة ارساء الديمقراطية في العالم والحد من الحروب والبحث عن الحلول السلمية قبل التدخلات العسكرية والتنديد بالجرائم ضد الانسانية، ثم يناقضون بعضهم بعضا عند التطبيق ويلجأون إلى القوة عند أول فرصة تكون سانحة لذلك.
في آخر المطاف يمكننا القول ان الثورة السورية كانت فاضحة لكل القوى العالمية وللنظام الدولي وللدول العربية بدون استثناء. فلولا تدخلاتها الثقيلة وتمويلاتها الخبيثة لكل أطراف النزاع لما وصل الأمر إلى ما وصل اليه الان عندما اختلط الحابل بالنابل.
كما نهنئ أمريكا وإيران وروسيا بزواج المتعة بينها، ولا نفوت فرصة تعزية أحرار العالم كلهم بعد موت القيم والمبادئ في هذا العالم الذي أصبحت فيه أصوات جمعيات الرفق بالحيوان مسموعة لدى الحكام في حين أن أصوات الأطفال والنساء والمدنيين المضطهدين في كل العالم في طي النسيان… إلى حين الاتفاق والتفاهم بين الدول الكبرى.

شمس الدين النقاز – تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية