الانفصام السياسي وقوة الشعب المجربة التي يجب ألا تستفز!

إذا ما عاش الإنسان بشخصيتين فهذا مرض نفسي؛ تطور حتى تحول على يد ساسة وإعلاميين ورجال أعمال إلى مرض نفسي اجتماعي وسياسي.. فهناك من بين السياسيين والشخصيات العامة من يعيش بشخصيتين كل منها مستقلة عن الأخرى؛ واحدة تمارس عملا وأخرى تعمل عكسه بدون أن تشعر أي منهما بما فعلت الأخرى.. وترجمة هذا المرض بالعربية الانفصام وليس الازدواج.. فالازدواج يمارسه صاحبه عن وعي ومعرفه كامله بمنافعه ومضاره، أما الانفصام فيحدث خارج نطاق الوعي، وبعيدا عن مخزون المعرفة.. لهذا ينظر إليه الأخصائيون كمرض يستوجب العلاج في المصحات النفسية والمستشفيات العقلية.. وبالنسبة للوضع الراهن فإن أسبابه تعود إلى خلل سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي مؤثر على دوائر الوعي ومخزون المعرفة، ويأتي ذلك بفعل شيوع جهل رجال المال والأعمال، ومن يحيطونهم من البلطجية واللصوص والنصابين والسماسرة، ومن ينوبون عنهم في أعمالهم القذرة، وكلهم قوى تعادي الوعي والثقافة والمعرفة؛ إلا من رحم ربي!.
وهذا الانفصام أصبحت له آثار بالغة السوء على اختيار المسؤولين وشاغلي المناصب العليا والوسطى، ففي الوقت الذي يركز فيه الخطاب السياسي الرسمي على هدف حماية الدولة وتثبيت أركانها؛ تجد أن اختيار الوزراء والمسؤولين يتم من بين أعدى أعداء الدولة.. ويفضلون ـ كما أشرنا في مقالات سابقة لنا ـ تحويلها إلى شركة تجارية؛ لخدمتهم فقط، ويبذلون أقصى الجهد لحماية مصالحهم وتداول المسؤوليات داخل دوائرهم المغلقة وبين سلالاتهم، وجماعات المنتفعين منهم.. ولهذا ماتت السياسة وانتصرت التجارة.. وصار المسؤول تاجرا جشعا يستولي على ما ليس له، ويبيع ما لا يملك؛ أراض.. ومرافق.. وماء.. وهواء.. وشواطئ.. وبحيرات؛ حتى الشوارع هناك من استولى عليها وأغلقها لحسابه. وصار في قسوته أشد من الجباة، ولا يفهم إلا في الضبط والربط والتهديد وفرض الإذعان. أما أن يتحمل مسؤولية العمران والبناء ورفع مستوى المعيشة، وتنفيذ برامج العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليمية والإنسانية؛ فهذا ما زال من المحرمات..
والخطاب الاقتصادي يؤكد على ما يعرف بـ«التنمية المستدامة»؛ وهذا تعبير خادع لا علاقة له بالتنمية الحقيقية؛، يستهسل وصفات مؤسسات ومنظمات مالية غربية وعالمية جاهزة، ويخضع لشروط وضوابط صندوق النقد والمصرف الدولي للإنشاء والتعمير، إن كانت تناسبه أو لا تناسبه.. وهناك وصفات أخرى أخذت بها آسيا وأمريكا اللاتينية حققت نموا وتقدما كبيرا حين حررت نفسها وخرجت من دوائر الهيمنة ورفضت الرضوح لشروط هذه المؤسسات والمنظمات المتوحشة.. التي لا علاقة لها بـ«التنمية» الحقيقية.. التي تتكامل فيها القطاعات.. وتغطي كل المجالات.. وأكثر من تسعين في المئة من المسؤولين المصريين يعادون دور الدولة، وضد أي وظيفة لها لضبط النشاط الاقتصادي والتنموي ومواجهة انفلات الأسعار.. ولأن المسؤولين تجار جشعون؛ منحازون للخراب والخصخصة، وتجفيف منابع الرزق أمام الفقراء ومحدودي الدخل وأبناء الطبقة الوسطى.. ويتركون شعبهم ويراهنون على كل ما هو أجنبي.. ويرون مصالحهم في الشراكة والارتباط بالأوساط الصهيوغربية..
ونجد انعكاسات هذا الانفصام واضحة في الطبيعة الراهنة للعلاقات المصرية ـ الأمريكية.. ففمن بيدهم القرار المصري من الموالاة والمعارضة موزعون على أكبر مركزين مؤثرين في السياسة الدولية الحالية؛ المركز الأول يتحرك لحساب «الفوضى «الخناقة»، وليست الخلاقة.. ويعمل بدأب على بناء شرق أوسط كبير؛ أساسة تقويض وتصفية الدول الوطنية وتقسيمها، ورعاية «الإسلام السياسي المسلح» ونشر الإرهاب، وعسكرة الصراعات المذهبية والطائفية والانعزالية والمناطقية والعشائرية؛ بتنظيماتها المتعددة وأسلحتها الفتاكة وأموالها الطائلة ومليشياتها الجرارة.. واعتماد الفتن وبث الكراهية بين قوى وفئات الشعب الواحد.. ومسؤولية هذا المركز تحريك الإدارة الأمريكية؛ بشقها السياسي المدني في البيت الأبيض وداخل وزارة الخارجية.
والشق العسكري يتخذ موقفا يبدو داعما للإدارة المصرية.. ومقره المعتمد وزارة الدفاع (البنتاغون)، ورديفه يعتمد على زيارات وتحركات قادة المؤسسة العسكرية الأمريكية الكبار، المسؤولين عن الشأن العسكري المصري.
ورغم ما يبدو من تناقض بين توجهات المركزين إلا أن هذه طريقة أمريكية تقليدية في الاحتواء المزدوج أو الاحتواء متعدد الأطراف.. ويتظاهر البنتاجون بالحرص على قوة المؤسسة العسكرية المصرية، وبالعمل على استمرار المعونة العسكرية واسئناف شحن الأسلحة المطلوبة والمؤجلة.
وهذا الانفصام عبر عن نفسه بشكل واضح في رثاء علي سالم أحد أهم المتحمسين لـ«صهينة» الفكر والثقافة والسياسة المصرية والعربية، ومات الشهر الماضي، وهو أول مؤيد للسادات في زيارته للقدس المحتلة ولخطابه أمام أعضاء الكنيست في نوفمبر 1977.. وزار الدولة الصهيونية في العام التالي لتوقيع اتفاقية أوسلو الأولى (1994).. وسجل الزيارة في كتاب بعنوان «رحلة إلى إسرائيل». وتُرجم الكتاب فور صدوره في مصر إلى اللغتين العبرية والانجليزية، وصدرت منه طبعات داخل الدولة الصهيونية وخارجها وتكررت الزيارات.
كان على سالم الأشد تعصبا لـ«الصهينة» بين الأدباء المصريين والعرب، ولم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة.. ولم يعبأ بالإدانات التي صدرت ضده في الصحف والمجلات المصرية والعربية، ومقابل ذلك منحته جامعة بن جوريون الدكتوراة الفخرية في 2005، وفاز بجائزة «الشجاعة المدنية» الأمريكية؛ الممنوحة من مؤسسة «تراين»، وقيمتها 50 ألف دولار أمريكي في نوفمبر 2008، وتسلمها من السفير الأمريكي بلندن. والموقف العدائي تجاهه استمر بين الكتاب والأدباء والصحافيين الوطنيين والعروبيين.
وعلى مستوى رجال المال والأعمال أعود إلى الوراء قليلا؛ إلى ما سبق نشره على هذه الصفحة في 30/ 05/ 2015، وعنوانه «أصابع صهيونية وراء أزمات مصر الزراعية والغذائية!، وبه معلومات عن رجل أعمال مشهور، ومعروف بين الناس بـ«رجل الصهيونية الأول في مصر»؛ من أباطرة المال والأعمال، ويستحوذ على أكبر شراكة مع تل أبيب.. وتهيمن عائلته على 70٪ من التوكيلات الأمريكية.. وينافس عائلة ساويرس وشريك طفل أمريكا المدلل نجيب ساويرس في ملكية صحيفة «المصري اليوم» اليومية ويكتب فيها باسم مستعار.
ويستحوذ مع عائلته على 43 توكيلاً أمريكيا وتوكيل شركة «هاليبرتون» للنفط؛ المملوكة لنائب الرئيس الأمريكي الأسبق «ديك تشيني». ويحتكر شقيقه النشاط الزراعي المشترك مع الدولة الصهيونية، ويستورد منها أدوات الري والبذور والشتلات والموز والبطيخ والتفاح. واعتادت عائلته الاستعانة بالشركات والخبرات الصهيونية، وتتلاعب بسوق المحاصيل والمنتجات والسلع الغذائية، وامتدت احتكاراتها للذهب. ومتهمة منذ 2011 بالاستيلاء على أراضي الدولة ومساحات واسعة من منطقة «برقاش» التابعة لمحافظة الجيزة؛ في بلاغات رسمية للنائب العام.
هذه عينة ممن جعل منهم الإعلام الخاص أبطالا، وصنع منهم أساطير.. وزاد ذلك مع معركة مجلس النواب وسعيهم لشراء المرشحين بمبالغ باهظة.. ولأول مرة تتغير معادلات الانتخابات في مصر، بعد أن كانت بورصتها تركز في السابق على شراء الصوت وصل الفجور إلى شراء كرسي النيابة وشاغله.. والسيطرة على السلطة التشريعية.. وإذا ما نجحت خطتهم فسوف تشهد مصر «أياما أسود من قرن الخروب» كما نقول في مصر.
وهذه المعركة تفرض على الجيل الذي تربى على رفض الاحتلال والعنصرية الصهيونية، ورضع عشق الوطن والعروبة ويضحي من أجل تحرير فلسطين. هذا الجيل رغم إمكانياته المالية المحدودة يرى فى ‫»التطبيع‫»‬ عارا يلحق بصاحبه في الحياة والممات، وكما استطاعت مظاهرات جمعة ‫«‬تصحيح المسار‫» في 9 سبتمبر 2011؛ اقتحام مقر السفارة الصهيونية الحصين على الضفة الغربية لنيل القاهرة وتحطيم سوره المنيع، وتسلق المبنى العالي الذي تقع فيه السفارة، وإنزال العلم الصهيوني، ورفع العلم المصري، وتمكن المتظاهرون من الوصول إلى أرشيف السفارة، وألقوا به إلى المتظاهرين المحتشدين أسفل المبنى. وسقط في هذا الاقتحام ثلاثة شهداء واصيب 1049 اخرين‫.‬ ومن يومها لا تجد السفارة مقرا مما اضطرها للعمل من بيت السفير؛ بضاحية المعادي‫؛‬ هذا الاقتحام في ذاته، وما تبعه من تطورات حتى الآن يؤكد أن المسؤولين في واد وغالبية الشعب في واد آخر‫،‬ وهذه هي القوة الكامنة في الشعب، وهي قوة مجربة فلا تستفزوه أكثر من هذا‫!!‬

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية