شخص واحد فقط يمكنه خلق توافق وطني في إسرائيل وجبهة موحدة من الحائط إلى الحائط. فقط شخص واحد ولمرة واحدة في السنة: أبو مازن في خطابه السنوي في الجمعية العمومية للامم المتحدة. «خطاب كاذب ومُحرض ويثير الفوضى في الشرق الاوسط»، كتب نتنياهو من نيويورك. «هذا ليس خطابا، هذا عدد من الاتهامات القبيحة والكاذبة لشخص بدلا من أن يكون قائد يتصرف مثل آخر المحرضين». كتب يئير لبيد، وهو ايضا في نيويورك. «كلمات مضللة»، كتب اسحق هرتسوغ من تل ابيب. «خطاب تحريضي مملوء بالاكاذيب والخيالات»، أعلن وزير السياحة ياريف لفين من مستوطنة هار براخا في الطريق إلى نابلس. وحسب ما قاله فهو ذهب إلى هناك للاحتفال عشية افتتاح أحد المراكز. وغيرها وغيرها.
إذا كان هذا خطابا فظا. مثل أي خطاب دعائي، وكان مليئا بالتعبيرات الديماغوجية والتشبيهات التاريخية والامور المبالغ فيها. هنا وهناك كانت ايضا اكاذيب تسيء للفهم. أنا لست معنيا بالدفاع عن رئيس السلطة الفلسطينية. فهو ليس زعيمي.
لكن التوجهات التي أشار اليها الخطاب، مغروسة للأسف الشديد عميقا في ارض الواقع. لهذا من المهم امتحان ادعاءاته واحدا تلو الآخر.
في بداية الخطاب قال «حكومة إسرائيل تطبق خطة تقسيم زماني للزيارة في الحرم» هذا قول كاذب: حكومة إسرائيل لم توافق على خطة تغير الوضع الراهن في الحرم. وقد أعلن رئيس الحكومة المرة تلو الاخرى أن الوضع الراهن سيستمر.
لكن كما يعرف كل شرطي في القدس فان الوضع الراهن ليس مُصان. ففي الحرم تدور حرب بين جماعتين مسيحانيتين ـ واحدة عربية أسسها الشيخ رائد صلاح رئيس الجناح الشمالي للحركة الإسلامية، والثانية يهودية بوحي من حاخامات «يشع». اوري اريئيل الوزير في الحكومة هو المتحدث الاكثر بروزا بلسان الجماعة اليهودية. تدور الحرب حول الجغرافيا: كل جماعة تحاول السيطرة على الحرم بشكل كامل ـ العرب يريدون طرد اليهود، واليهود يريدون هدم المساجد وانشاء الكُنس والهيكل على المدى البعيد. الأساس الذي حدد موشيه ديان بناءً عليه قواعد اللعب في عام 1967، انهار. الشارع العربي لا يكتفي بالصلاة في المسجد الاقصى: باحات الحرم كلها تعتبر الآن مسجد. أوجد موشيه ديان ثلاث دوائر سلطوية في الحرم: الأوقاف، الاردن وشرطة إسرائيل. نشطاء الجماعة لا يحترمون أي منهم.
حدث تغيير دراماتيكي لدى اليهود. لقد اعتمد ديان على المنع الديني للذهاب إلى الحرم. هذا المنع مكّنه من توزيع السلطة في الحرم ولم يتخيل أنه سيأتي اليوم الذي سيعفي فيه الحاخامات أنفسهم من هذا المنع. المسيحانية القومية اختلطت بالمسيحانية الدينية وبالفضول وبالمغامرة وبالتحرش وبالرومانسية. الحرم هو الصخرة الحمراء للشباب ذوي السوالف. الوزير اوري اريئيل لا يذهب فقط إلى الحرم، بل هو يُصلي هناك في المكان الذي يعتبره المسلمون مسجدا مقدسا. الحرم كله لنا، أعلن أمام العدسات، ورئيس الحكومة لم يوبخه. وليس غريبا أن الفلسطينيين يعتقدون أن هناك نية مبيتة وخطة.
على ذِكر الحرم، حذر أبو مازن من تحويل الصراع القومي إلى صراع ديني. هذا تحذير مُحق. أنتم تلعبون بالنار، قال، وتجاهل نصيبه في اللعبة.
معنى الكذب
حظي المستوطنون والمستوطنات بجزء مركزي في الخطاب. هذه ظاهرة جديدة نسبيا في الخطابات الفلسطينية. عرفات الذي كان يزعم أنه من أكبر الخبراء في السياسة الإسرائيلية لم يفهم أهمية المستوطنات حتى أيامه الاخيرة. أبو مازن احتاج إلى وقت، لكنه فهم الآن. فحسب رأيه المستوطنات هي رافعة دعائية ناجعة ضد إسرائيل، وهي عقبة لا يمكن تجاوزها في طريق اقامة الدولة الفلسطينية. في هاتين الفرضيتين هناك الكثير من الحقيقة.
حينما تواصل حكومة إسرائيل البناء في المستوطنات، كما قال، فهي تخل بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وروحية الاتفاقات التي وقعتها مع الفلسطينيين. حكومة إسرائيل تنشيء نوعين من السلطة في الضفة: سلطة الفصل العنصري تجاه الفلسطينيين وتجاه دولتهم من جهة، وسلطة الحقوق الزائدة والحماية للمستوطنين من الجهة الاخرى.
هل هذه «اتهامات قبيحة وكاذبة»، كما قال يئير لبيد؟ ليتها كذلك. كل جندي في المناطق له عينان في رأسه سيقول غير ذلك. حسب اتفاقات اوسلو، قال أبو مازن، كان يفترض أن تنسحب إسرائيل من المناطق حتى عام 1999. لكن الانسحاب توقف وبقي 60 بالمئة من الاراضي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وقوات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين يقتحمون مناطق السلطة الفلسطينية.
من ناحية الحقائق هو مُحق. كان يمكن أن يكون أكثر صدقا لو ذكر موجات الإرهاب الفلسطينية التي ساهمت بشكل حاسم في تجميد الوضع في الميدان.
إسرائيل، كما قال، تسيطر على الموارد الطبيعية في المناطق الفلسطينية وتخنق الاقتصاد هناك. وهي بذلك تُخل بروح اتفاقات اوسلو واتفاق باريس. للأسف الشديد هذا الادعاء صحيح، والسهولة التي توقف بها إسرائيل نقل اموال الضرائب للفلسطينيين بين فينة واخرى، هي مثال جيد على ذلك. المياه: مرت اشهر كثيرة حتى سمحت حكومة إسرائيل بتدفق المياه إلى مدينة روابي الفلسطينية. المستوطنون في مركز الليكود أخافوا يعلون وشالوم. الحصار على غزة لا صلة له بالأمن، وغير ذلك.
«الاحتلال فظ»، قال أبو مازن. إنه يتهم حكومة إسرائيل بغض النظر عن افعال المستوطنين الإرهابية بما في ذلك حرق عائلة في دوما، واعمال «شارة الثمن» ضد المساجد والكنائس. هل هذه «اكاذيب وتخيلات»، كما قال الوزير لفين؟ أشك في ذلك.
كل ذلك يقود أبو مازن إلى استنتاج: طالما أن إسرائيل ترفض تجميد البناء في المستوطنات، وترفض الاستمرار في اطلاق سراح الأسرى، وتُخل بالقانون الدولي كما يفسره ـ السلطة التي يقف على رأسها لن تفي بالتزاماتها. «إما أن تقود السلطة الفلسطينية الشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال، وإما أن تتحمل إسرائيل باعتبارها قوة محتلة المسؤولية»، قال.
الابطال الوطنيون
محمد ضيف، الحمساوي من غزة، ومروان البرغوثي، الفتحاوي من الضفة هما الشخصيتان الاكثر شعبية في الشارع الفلسطيني. وهما عمليا الوحيدان اللذان لهما شعبية. فمحمد ضيف يعتبر بطل قومي لأنه نجا من خمس محاولات اغتيال من إسرائيل ـ هذا رقم قياسي وطني. في احدى محاولات الاغتيال فقد عينه، وفي اخرى فقد يده ورجله. ورغم ذلك هو مستمر في قيادة الذراع العسكري لحماس في غزة. ضيف يعطي الاوامر ويحدد الاتجاه. مروان عيسى، نائبه، يُنفذ. الاثنان لا يخضعان لسلطة حماس السياسية في غزة والخارج.
حُكم على مروان البرغوثي بخمسة مؤبدات. ومكانته كبطل قومي مستمدة من وجوده في السجن. لا يجب الغاء احتمال أن تقرر م.ت.ف في لحظة ما انتخابه وريثا لأبو مازن. هذا سيكون قرارا رمزيا فقط واحتجاجا لا مضمون له: لن تسارع أي حكومة إسرائيلية إلى اخراجه من السجن.
بكلمات اخرى، الفلسطينيون يُعانون مثلنا من الفراغ القيادي. لا يوجد لأي زعيم من زعمائهم السياسيين أساس في الميدان. ناصر القدوة، إبن شقيق عرفات والسفير السابق في الأمم المتحدة، الذي يعتبر وريثا طبيعيا مرض بالسرطان؛ جبريل الرجوب مهزوم منذ قضية الفيفا؛ محمد دحلان متهم بالفساد وغير مرغوب فيه في الضفة؛ صائب عريقات ضعيف؛ رامي الحمد الله، رئيس الحكومة، يطلب العودة إلى البيت، إلى جامعة النجاح.
الشارع الفلسطيني يائس لأنه فقد الأمل في حدوث التقدم. جميع السبل جُربت وجميعها فشلت. الهدوء النسبي لم يؤد إلى أي تغيير والإرهاب لم يؤد إلى التغيير. السلطة لم تؤد إلى التغيير وحماس لم تؤد إلى التغيير. الشعور بالاغتراب كبير جدا إلى درجة أن 14 بالمئة من سكان القطاع، حسب الاستطلاع الاخير، يؤيدون داعش.
الثقة بأبو مازن في الحضيض. وفي محاولة لاعادة تأييد الشارع له وعد بالقاء قنبلة في خطابه في الأمم المتحدة. وفحص ايضا امكانية الاعلان عن حل السلطة وعندها رأى الخوف في عيون عشرات الآلاف من الفلسطينيين، موظفي السلطة ومقاوليها. فلسطين مثل الحاضرة القديمة في القدس تعيش على التبرعات، واذا لم تكن هناك سلطة فلسطينية فلن يكون هناك من ينقل الاموال ولن تكون رواتب.
لقد اختار أبو مازن حل وسط: أخرج قنبلة، لكنه لم يسحب الصاعق. وليس مؤكدا أن تكون له سيطرة فيما بعد: القنبلة التي وضعت على الطاولة في المعركة الاولى قابلة للانفجار في المعركة الثالثة.
الحسابات الفلسطينية ملفتة، لكن إلى جانبها توجد الحسابات الإسرائيلية. نحن نقترب من واقع الدولة الواحدة بين النهر والبحر. دولة سيعتبرها العالم دولة فصل عنصري. هرتسوغ يفهم هذا وربما لبيد ايضا. عندما يقول اوباما أمورا مشابهة لاقوال أبو مازن، فهو آخر المحرضين.
بين «الشباك» والشرطة
المفتش العام الجديد للشرطة روني ألشيخ يستحق الدعم. فالتحدي الذي ينتظره معقد. والمكان الذي جاء منه يُهيئه للمهمة بشكل جزئي فقط. الطاقم القيادي للشرطة سيتابع قراراته انطلاقا من «إحترمه واحذر منه». وهكذا ايضا يجب أن يتعامل معه الجمهور العريض ايضا.
الشيخ يصل إلى الشرطة من جهاز سري. ويجب عليه التأقلم بسرعة مع الجانب العملي في الشرطة لاجل الشفافية وحماية ظهره. ويجب عليه أن يفهم أن السياسيين الذين عينوه ليسوا المسؤولين عنه. فالقانون هو السيد ولا شيء فوقه، لا اعتبارات رئيس الحكومة ولا حاجات وزير ما ولا الادعاءات الضعيفة بذريعة الامن. ليس هناك مبررا للكذب. توجد للشباك امتيازات في هذا المجال، أما الشرطة فلا يوجد لها.
إن حقيقة أنه وعائلته عاشوا لسنوات في المستوطنة، لا يجب أن تعني رفضه. لكن الفشل المتواصل للشباك والشرطة في علاج الجريمة اليهودية السياسية في شاي ومناطق اخرى، سيحظى منذ الآن بمغزى اضافي. فهم سيتوقعون من ألشيخ أكثر.
الوسط العربي الإسرائيلي هو أحد المجالات الاكثر حساسية في عمل الشرطة. نسبة الجريمة في هذا الوسط مرتفعة. عدد رجال الشرطة قليل والاشتباه كبير. أحد الادعاءات ضد تعيينه من بنتسي ساو، القائم باعمال المفتش، هو كراهية الوسط العربي له في اعقاب احداث 2000. إن من رفض تعيين ساو لم يتخيل أنه سيحصل على رجل من «الشباك» بدلا منه.
الشبخ سيتصرف بحكمة إذا لم يحط نفسه باشخاص جاءوا من نفس الخلفية. لينفتح، ليعرف كيف يعطي رجال الشرطة الذين تمت اهانتهم خلال التعيين، الشعور بالفخر. وليفهم ايضا أن الشرطة لا تُعرف بانجازاتها بل تُعرف بالفشل المناوب. فكل شيء موثق وكل شيء يتم نشره والشباك يفخر بنجاحاته، والشرطة تظهر من خلال فشلها.
خطاب فوق خطاب
بعد العيد ستبدأ الدورة الشتوية للكنيست. وينوي عضو الكنيست يوئيل حسون (المعسكر الصهيوني) افتتاحها بحدث. لقد أخذ خطاب بار ايلان لنتنياهو من حزيران 2009 وصاغه كاقتراح قانون.
خطاب بار ايلان كان مختلفا عن الخطابات التي يلقيها نتنياهو كل سنة في الأمم المتحدة. الخلفية كانت خوف نتنياهو مما سيفعله براك اوباما، الرئيس الجديد في البيت الابيض. وقد قرر نتنياهو تبني حل الدولتين.
«نحن لا نريد أن نحكمهم أو ندير حياتهم أو نفرض عليهم علمنا وثقافتنا»، قال. «بحلم السلام الخاص بي يعيش في البلاد الصغيرة شعبان بحرية إلى جانب بعضهما البعض، بجيرة حسنة واحترام متبادل. ولكل واحد منهما سلطته الخاصة».
لقد وضع نتنياهو شرطين: الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ونزع السلاح. «اذا حصلنا على هذين الشرطين فسنكون مستعدين للتوصل في اتفاق سلام مستقبلي، لحل الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل. الموضوع الجغرافي سيتم النقاش فيه في الاتفاق الدائم، وحتى ذلك الحين لا نية لنا لبناء مستوطنات جديدة أو مصادرة الاراضي لتوسيع المستوطنات القائمة».
خطاب بار ايلان لم يتم النقاش فيه بتاتا في الحكومة. وحينما تلاشى الخوف من اوباما تبخر الخطاب. اقتراح قانون حسون يتحدث عن ادارة تنشئها الحكومة لتطبيق مباديء بار ايلان، انشاء لجان للمفاوضات لتطبيق الخطوات السياسية والاقتصادية المطلوبة، ولجان للتعليم والدعاية. وسيتم تقديم اقتراح القانون هذا الشهر للقراءة الاولى وفرصة تصويت الاغلبية عليه هي صفر.
ناحوم برنياع
يديعوت 2/10/2015
صحف عبرية