الخبير الاقتصادي التونسي حكيم بن حمودة: مخاض المنطقة يتجلى في قدرتها على بناء نظام اقتصادي جديد 

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: يقدم الخبير الاقتصادي ووزير الاقتصاد والمالية التونسي السابق حكيم بن حمودة رؤية شاملة لمختلف المتغيرات التي تشهدها المنطقة. ويعتبر في حديثه لـ «القدس العربي» ان المنطقة مفتوحة على عدة احتمالات، فإما السقوط في مستنقع الحروب والعنف والإرهاب أو جعل هذا المخاض نقطة انطلاق لنهضة جديدة. ويرى الخبير وكبير الاقتصاديين في الأمم المتحدة أن تفشي التفسير والقراءات المنغلقة والمتحجرة للدين الإسلامي ساهم في نمو الفكر الجهادي، مشيرا إلى ان ضعف العديد من الدول مكّن الحركات الإرهابية من النمو والتطور وتهديد مجال العمل السياسي السلمي من خلال الاغتيال والاعتداءات الإرهابية. أما فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي لدول المنطقة فشدد على ضرورة البحث عن نمط تنمية جديد يربط الديناميكية الاقتصادية بالسوق الداخلية والإقليمية ويقلص من تأثير العوامل الخارجية والعولمة.
○ كيف تقرأون اليوم المخاض الذي يعيشه العالم العربي وإلى ماذا قد يؤدي؟
• فتحت الثورة التونسية فترة تحول ومخاض كبيرين في المنطقة العربية، اثر فشل وعجز تجارب التحديث القومية والاستبدادية. وقد أكدت هذه التحولات ان العالم العربي لا يمكن له ان يبقى خارج المبادئ العامة للمجتمعات الديمقراطية والمنظومة الكونية لحقوق الإنسان، وان «نظرية خصوصية منطقتنا» لا يمكن لها ان تستقيم فقد ساهمت في دعم التسلط والفساد وتغذية الإرهاب.
لقد اثبتت هذه الهبّات ان الشعوب العربية (وخاصة الشباب) تطمح إلى العيش في مجتمعات ديمقراطية تحترم التعدد والاختلاف وحرية التعبير.
إلا أن هذه التحركات عرفت إنحرافات كبرى حادت بها عن مسارها السلمي فتحولت هذه التجارب في العديد من البلدان إلى حروب أهلية مفتوحة ومدمرة كانت لها انعكاسات قاتلة على الشعوب خاصة مع قوافل اللاجئين السوريين الوافدين على أوروبا وكل المخاطر التي يمرون بها للهرب من الحرب والموت والدمار. ولعل مشهد إيلان الطفل السوري الكردي ميتا على الشاطئ التركي يقدم صورة عن هول المأساة التي تعيشها الشعوب من جراء الحرب الأهلية في سوريا والعراق واليمن. وفي تقديري ترجع أسباب هذا الانحراف إلى عوامل داخلية وخارجية من ضمنها رفض الأنظمة في هذه البلدان لمشروع التحول الديمقراطي ومحاولتها البقاء في السلطة مهما كلفها ذلك. كما ان ضعف العديد من هذه الدول مكّن الحركات الإرهابية من النمو والتطور وتهديد مجال العمل السياسي السلمي من خلال الاغتيال والاعتداءات الإرهابية.
ان فترة المخاض التي تعيشها المنطقة اليوم مفتوحة على احتمالات عدة. فإما السقوط في مستنقع الحروب والعنف والإرهاب، أو جعل هذا المخاض نقطة انطلاق لنهضة جديدة وتطور اقتصادي ورقي اجتماعي، وجب على كل المسؤولين والمثقفين والأحزاب والحركات الاجتماعية العمل على أن يكون الخروج من هذا المخاض نحو الأعلى وذلك من خلال إيقاف الحروب الطاحنة، ورفض ومحاربة الإرهاب، ودعم تجارب التحول الديمقراطي والاقتصادي في كل بلداننا. يجب ان نخرج من عزلتنا ونساهم في بناء المصير الإنساني. 
 ○ ماذا عن الحديث عن مخططات لتقسيم المنطقة على أسس مذهبية وإثنية؟
• كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن هذه المشاريع وحتى بعض الإستعدادات التي تقوم بها بعض القوى لتصفية التعددية الدينية والمذهبية والتي شكلت عبر التاريخ مصدر إثراء للحضارة في المنطقة. وقد نجحت الدول الوطنية بعد الإستقلال في الحفاظ والدفاع على هذا التنوع، إلا أن حالة الإنقسام والحرب وضعف الدولة الوطنية دفع من جديد بمخططات تقسيم المنطقة على هذه الأسس إلى الأمام. إلا أنني أعتقد أن هذه المشاريع أو الدول التي ستنشأ نتيجة لهذه المخططات لن تكون قادرة على الصمود والبقاء، فلن تتمكن هذه الدول من الناحية السياسية والاقتصادية والإجتماعية من بناء قاعدة صلبة تمكنها من الوجود والتطور وتحقيق التعايش فيما بينها. أعتقد أن مستقبل المنطقة يكمن في بناء عقد اجتماعي وسياسي جديد أساسه الديمقراطية والحرية والتعايش بين مختلف المذاهب والأديان.
○ »لا ثورة فكرية دون نهضة علمية اقتصادية واجتماعية» إنطلاقا من هذه المقولة ما تقييمك لاقتصاديات العالم العربي وإلى أي مدى هي قادرة على تلبية حاجات شعوبها؟
• المخاض الذي تعيشه المنطقة لا يقتصر على القضايا السياسية بل يهم كذلك القضايا الاقتصادية وقدرة المنطقة على بناء نظام اقتصادي جديد عنوانه تنوع القاعدة الإنتاجية وتحويلها نحو الصناعات ذات القدرة التكنولوجية والإنتاجية العالية.
إن الاقتصاديات العربية تمر اليوم بفترة تراجع حيث أن نسبة النمو لن تتجاوز 2.9 في المئة سنة 2015. إلا أن هذه السنة ستعرف خللا كبيرا في التوازنات الكلية حيث سيمر ميزان الدفوعات من نسبة تغطية إيجابية تقدر بستة 6.4 في المئة سنة 2014 إلى نسبة سلبية بواحد فاصل تسعة في المئة سنة 2015. وسيشهد عجز الميزانية العمومية تدهورا كبيرا خلال هذه السنة حيث سيمر من معدل سلبي قدر بـ2.3- في المئة سنة 2014 إلى معدل سلبي يقدر بـ7.9- في المئة في نهاية 2015.
كل هذه هي مؤشرات عن فشل وعجز نمط التنمية المرتبط بالمواد الأولية والنفط أو قوة العمل. ويتطلب العمل على تحول اقتصادي لبناء نمط تنمية جديد يعمل على تنويع القاعدة الاقتصادية وتطوير الإستثمار في القطاعات ذات القدرة التكنولوجية العالية. وهذا التحول يتطلب توفير الظروف الملائمة وبصفة خاصة تحسين ظروف الإستثمار والقيام بالإصلاحات اللازمة لتوفير مناخ مناسب وشفاف.
○ يشهد البترول منذ أشهر تراجعا جنونيا في سعر البرميل تستفيد منه بعض الحكومات لكن له انعكاسات سلبية على بعض الدول كيف تقرأون ذلك؟
• بالفعل تشهد أسعار البترول تراجعا جنونيا منذ نهاية سنة 2014 فقد مرت من 100 دولار في شهر ايلول/سبتمبر 2014 إلى قرابة 40 دولارا في الأسابيع الأخيرة. وهذا التراجع له سببان، السبب الأول هو التراجع الكبير في الطلب على البترول بصفة خاصة في البلدان الصاعدة والتي كانت منذ الأزمة العالمية في 2008 قاطرة الاقتصاد العالمي. فالبرازيل والأرجنتين وروسيا وجنوب افريقيا تمر منذ سنتين بأزمة وركود اقتصادي كبيرين، ولحقت بها الصين منذ أسابيع بعد ان نزل معدل نموها إلى 6 في المئة وهي نسبة ضعيفة لاقتصاد تعود على نسب عالية (10 في المئة). تراجع النمو في البلدان الصاعدة نتج عنه نقص كبير في الطلب على البترول.
أما السبب الثاني فيعود إلى تزايد الإنتاج والعرض وظهور عدة بلدان مصدرة خارج منظومة الأوبيك والتي لا تلتزم بقرارات تحديد سقف الإنتاج، مما نتج عنه ارتفاع كبير في العرض ونتج عن هذا الخلل الكبير بين العرض والطلب هبوط في الأسعار العالمية.
وقد انعكست هذه الرجة سلبا على البلدان المصدرة في المنطقة والتي سارعت إلى التخفيض في ميزانياتها وفي حجم الإستثمار العمومي. كما كان لانخفاض الأسعار انعكاسات إيجابية على البلدان الموردة للنفط ما مكنها من التقليص من عجز الميزانية باعتبار قيمة الدعم في هذه البلدان الموردة للنفط.
وهذه المسألة تؤكد من جديد حساسية اقتصاديات المنطقة للظروف والتطورات الخارجية باعتبار هيمنة بعض القطاعات كالنفط والغاز على قاعدتنا الإنتاجية، وهذا يؤكد من جديد ضرورة البحث عن نمط تنمية جديد يربط الديناميكية الاقتصادية بالسوق الداخلية والإقليمية ويقلص من تأثير العوامل الخارجية والعولمة على اقتصادياتنا.
○ إلى أي مدى تحولت اليوم الأزمة السورية وقبلها القضية الفلسطينية من قضية وجود ووطن إلى قضية لاجئين؟
• طبعا ككل عربي يؤسفني ويحز في نفسي أن أرى مآل القضية الفلسطينية، وأرى تصعيد الإحتلال وعنجهيته التي لا يوجد لها مثيل. وفي مقابل ذلك انقسام فلسطيني وخلافات وتهميش. أعتقد أنه لا بد من بناء الوحدة الفلسطينية من جديد على قاعدة الديمقراطية والتعدد والدفاع عن المصالح الوطنية للشعب الفلسطيني.
وكذلك تابعت الأزمة السورية وآثارها المدمرة على الشعب السوري. أعتقد أن صورة إيلان الملقى على الشاطئ اختزلت حجم المأساة وعمقها. يجب علينا اليوم أن نعمل كل ما في وسعنا لوضع حد لهذا الدمار وهذه الحرب. لقد عملت القوى الإقليمية والدولية على إشعال فتيل الحرب. اعتقد اليوم أنه يجب أن تتجه كل الأطراف إلى إيقاف الحرب وإيجاد حل سلمي بين أطراف النزاع وإنهاء محنة الشعب السوري ومأساته.
○ هل نحن في حاجة اليوم إلى ثورة ثقافية وفكرية للقضاء على ظاهرة الفكر الداعشي؟ وماهي أسباب تفشيه بين شبابنا؟
• إن تفشي الظاهرة الإرهابية لها أسباب عديدة أولها ظاهرة التهميش وكذا الفقر والبطالة التي أضعفت إيمان الشباب بقدرة الدولة على إيجاد حلول لمشاكله فارتمى في أحضان هذه المجموعات الإرهابية التي نجحت في استغلال نقمته على المجتمع وتحويلها إلى قوة دمار وقتل وعنف..كذلك لا بد من الإشارة إلى ان تفشي التفسير والقراءات المنغلقة والمتحجرة للدين الإسلامي ساهمت في نمو الفكر الجهادي وتطور المجموعات الإرهابية. كذلك لا بد من التأكيد على المسائل الدولية والإقليمية ومصالح الدول في المنطقة التي غذت هذه الحركات لإضغاف الدولة الوطنية وتقزيمها وتهميشها.
إن التصدي لنمو الفكر الإرهابي لا يكون أمنيا فقط، فلا بد من ثورة ثقافية وفكرية تفتح شبابنا على الجوانب المضيئة في تاريخنا وديننا الإسلامي كما تدفعه للإنفتاح على الآخر والأخذ من حضارته ما يمكننا من بناء مجتمع ديمقراطي منخرط في تاريخه ومنفتح على العالم والآخر.
○ كيف تقيمون المسار الديمقراطي في تونس وأين يمكن أن نضع ديمقراطيتها الفتية؟ ماهي أوجه الإخفاقات والنجاحات؟
• في تقديري تعتبر التجربة التونسية رائدة في مجال التحول الديمقراطي فثورة كامون الأول/ديسمبر – كامون الثاني/يناير 2010 – 2011 كانت سلمية بالرغم من عدد الشهداء وتمكنت من وضع حد لنظام سياسي انغلق على نفسه على مر السنين وجعل من القمع أداته الوحيدة في التعاطي مع الحركة الاجتماعية والسياسية وقد نجحت في الفترة القصيرة من صياغة دستور ديمقراطي يضمن الحريات وحقوق المرأة. كما نجحت تونس في هذه الفترة القصيرة في تنظيم انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة مرتين. كما شهدت تونس كذلك تناوبا على السلطة لم تشهده في كل تاريخها. إذن تونس تسير بخطى ثابتة نحو إنشاء نظام ديمقراطي حقيقي، لكن وبالرغم من النجاحات فإن هذه المسيرة تعرف عديد التحديات وأريد الإشارة بسرعة لثلاثة على الأقل. التحدي الأول هو سياسي ويهم قدرتنا على تحقيق توافق يمكننا من بناء نظام سياسي وحياة سياسية هادئة تمكننا من حل القضايا الكبرى والإشكالات العامة وتجاوزها بدون أزمات كبرى. التحدي الثاني هو التحدي الأمني ويخص قدرة المؤسسة الأمنية والعسكرية على الرد على المجموعات الإرهابية وإحباط مخططاتها الرامية إلى تقويض ركائز الدولة. وقد شهدت القدرة القتالية لقواتنا الأمنية والعسكرية نموا كبيرا ولا بد من إعطائها كل الدعم لمواصلة العمل ولإفشال المشروع الإرهابي والقضاء عليه بصفة نهائية. أما التحدي الثالث فهو التحدي الاقتصادي وهنا لا بد من تغيير نمط التنمية وبناء نمط جديد تكون قاعدته الإنتاجية مرتبطة بالقطاعات ذات المحتوى التكنولوجي العالي ليساهم في الإندماج الإجتماعي والتنمية المستدامة. وبالرغم من ضخامة هذه التحديات فأنا متفائل بقدرة تونس على رفعها والمضي قدما في بناء الديمقراطية والتنمية والإندماج الاجتماعي.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية