لندن ـ «القدس العربي»: مات إيلان الكردي منكفئا على وجهه على شاطئ بودروم. جرفته مياه البحر كما جرفت آخرين مثله. في تلك الحادثة، مات 12 سوريا غرقا وانتشلت جثث 5 أطفال كانوا يرتدون، هم أيضاً، ثياباً ملونة وكانت لهم أسماء. لكن وحده إيلان نجا بإسمه إلى أوروبا والعالم. وحدها صورته فاقت كل صور المجازر التي ارتكبت في سوريا منذ أكثر من أربع سنوات. ذلك أن التصوير الصحافي لضحايا الحرب أصبح مألوفا ونمطيا. فبغض النظر عن الزمان أو المكان قد يبدو لنا اننا رأينا صور الضحايا من قبل، بشكل منتظم ومتكرر. إيلان كان واحداً من بين أكثر من ألفي وخمسمئة لاجئ فقدوا حياتهم هذا العام وهم يحاولون عبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا. لم يكن إيلان الطفل الوحيد الذي وقع ضحية أزمة المهاجرين، ولم يكن وحده من حمل صورة عن مأساة سوريا، لكن وحده إستطاع أن يحدث تغييراً حقيقياً بعد أن نشرت صورته صحف بريطانية وألمانية وأمريكية بعد وقت قصير من انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي، في خرق أساسي لبعض قوانين وأخلاقيات الصحافة الغربية فيما يتعلق بجثث الأطفال. )نشر صورة لطفل ميت تعتبر واحدة من القواعد الذهبية التي يحرمها قانون الصحافة البريطاني مثلاً. (وفي البحث عن الأسباب التي اعتبرت نشر صورة إيلان إستثناء، يصعب الوصول إلى طروحات مقنعة وموضوعية. يقولون أن إيلان بدا في صورته اوروبياً. كل شيء فيه يشبه أطفال أوروبا، لون بشرته، حذائه الرياضي، قميصه الأحمر، وسباته الهادئ. أتى هذا على لسان بيتر بوكارت، مدير قسم الطوارئ في «هيومن رايتس ووتش» الذي قال في حديث مع مجلة «التايم» أن أكثر ما لفت إنتباهه إلى الصورة أنها، وللأسف، صورة كاملة التكوين، تظهر طفلا صغيرا يبدو شكله مألوفاً. إختصر بوكارت الموقف أكثر وقال: «أعتقد بأن رد فعل الكثير من الأوروبيين عند رؤية الصورة كان: كان يمكن أن يكون هذا الطفل طفلي». واللافت أنه قبل أسبوع من انتشار صورة إيلان، جرفت المياه العشرات من الأطفال على شواطئ ليبيا وتم تصوير جثثهم، إلا أن الصورة، كما أصحابها، لم تصل أوروبا، لأن الموت لم يكن هادئاً. كان أكثر شراسة، كان مألوفاً.
حرية النشر بين الخصوصية والضرورة
لم يكن نشر صورة إيلان قراراً سهلاً بالنسبة لمحرري بعض الصحف العالمية، إذ أنها أشعلت معها نوعا جديدا من النقاش حول أخلاقيات النشر وضرورة تجنب أي إستثناء يخرق القواعد المهنية. يقول بعض المحررين أنه ليست هناك استثناءات أو تحفظات لنشر صور الأطفال الموتى. ويبرر آخرون ذلك بسؤال: «هل تريد رؤية طفلك الميت في صورة على الصفحة الأولى؟ هذا عدا عن خطورة أن يراها الأطفال في كل مكان». كما أن هناك أخلاقية عدم استغلال وجوه الأطفال في المأساة لبيع المزيد من النسخ خصوصاً عندما لا يسهم النشر في تغيير مأساتهم بل يحولهم إلى أرقام. لكن وكما قال روجر ألتون، رئيس التحرير السابق لمجلة «المراقب» صورة إيلان كانت «قطعة كبيرة من الصحافة»، وكان من الصعب تجنبها. ومن اللافت أن آخر مرة تم فيها نشر صورة لطفل ميت على نطاق عالمي واسع كان في تموز/يوليو عام 2014 عندما إستشهد أربعة أطفال فلسطينيين وهم يلعبون كرة القدم على شاطئ غزة في غارة إسرائيلية. وكان الرمز وقتها بساطة ما كانوا يقومون به وقد بدت آثاره في الصورة. ووضح كثير من محرري الصحف العالمية أن قرار نشر الصورة جاء بعد ما انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي ما يوضح أن الأمور باتت مختلفة عما كانت عليه من قبل إيلان، وسائل الإعلام الاجتماعية قد» أعطت كل منا القدرة على أن يكون الناشر». صورة إيلان فعلت الشيء نفسه، بعدما أعطت المحررين وسيلة لإضفاء طابع إنساني على أزمة كانت، حتى انتشار الصورة، محدودة برمزية القوارب المزدحمة والنقاط الحدودية، كما أن قرار نشرها هدف إلى الضغط على الحكومات لإستقبال المزيد من المهاجرين لتجنب مصير إيلان.
الصورة نشرت أيضاً على الصفحة الأولى لصحيفة «اندبندنت» البريطانية ونشر أحد محرريها، أمول رجان، مقالاً بعد يوم من نشرها تحت عنوان: «رسالة من المحرر: إذا كانت صورة إيلان الكردي قد صدمتك، فهذا يعني اننا قمنا بعملنا». وأتى أبرز ما جاء في مقاله التبريري حول قرار نشر الصورة بأن امتلاك الآلية أو الوسيلة لإصابة القارئ بالصدمة هي أداة جوهرية من أدوات الصحافة التي تؤدي إلى الديمقراطية «وبناء على ذلك كان من المهم استخدام هذه الوسيلة في هذا الوقت بالذات». ويعتقد نيكولا جيمينيز، مدير التصوير في صحيفة «لوموند» الصحيفة الفرنسية الوحيدة التي نشرت الصورة بعد يوم واحد من انتشارها، أن أهمية الصورة كانت ببساطتها التي استطاعت حشد اهتمام أكبر حول أزمة كبيرة تم تجاهلها لفترة طويلة جدا، موضحاً أن قرار نشر الصورة على صفحة الصحيفة كان واحداً من أصعب القرارات التي قام بها فريق التحرير تحت ضغط الوقت وسرعة الانتشار. وقال جيمينيز: «أنا مقتنع بأننا حتى نشرنا لهذه الصورة، لم يكن باستطاعتنا إظهار مدى بؤس هذه الأزمة إلى الحد الذي ظهر فيه في تلك الصورة».
أما صحيفة «الغارديان» فقررت، بعد ساعات من النقاشات التحريرية، نشر الصورة، لكنها تلقت العشرات من رسائل البريد الالكترونية التي استنكرت هذه الخطوة. إلا أن رئيسة تحريرها كاثرين فاينر، قالت أنه كان من المهم جدا بالنسبة للصحيفة وضع موت إيلان في السياق، للضغط على المواقف السياسية والاجتماعية الحالية تجاه اللاجئين في جميع أنحاء أوروبا، وخاصة في بريطانيا وألمانيا. وأضافت: «ما زلت اعتقد اننا كنا على حق في نشر الصورة، ولكن قد أكون مخطئة في ذلك، وأنا على علم أن النوايا الحسنة ليست دائما كافية». ونشرت صحيفة «بيلد» الألمانية صورة إيلان بعد نقاشات طويلة مع فريق التحرير، وكتبت «إنها تثير المشاعر فينا، إنها تعرض لحظات جميلة، وأيضاً فظيعة. إنها تجعلنا نتعاطف مع أشخاص آخرين» مضيفة أنه يمكن للصورة أن تثبت أيضاً ما يرغب النافذون في إخفائه. لكن الصحيفة سرعان ما استبدلت الصور بمساحات رمادية، في النسخة الورقية وعلى الموقع الالكتروني للصحيفة، بعد أن تلقت عددا كبيرا من الشكاوى. وفي خضم هذا الجدل الذي اثاره قرار نشر الصورة في الصحف ووسائل الإعلام، يصبح من المحزن تدارك واقع منع صور الأطفال الذين يموتون بشراسة من دخول العالم لسبب، يصفه البعض بالأخلاقي، في حين يساهم عدم نشر تلك الصور في إستمرار تجاهل القضية، وبالتالي استمرار المأساة.
توابيت قاعدة دوفر الجوية
خلال حرب الخليج الأولى، منع البنتاغون المصورين من تصوير توابيت تحتوي على جثث الذين قتلوا في قاعدة دوفر الجوية. قال البنتاغون حينها أن القرار يعد احتراما لخصوصية الأسر، علما أنه لم يكن من الممكن لأحد التعرف على هوية أو حتى ملامح الشخص داخل التابوت. (إدارة أوباما رفعت القيود في نهاية المطاف في عام 2009). وهذا الاسلوب ليس فقط متبعا من قبل الحكومة – حاولت وسائل الإعلام الأمريكية في كثير من الأحيان أن تبقي تغطيتها للحروب بعيدة عن واقع الموت. وفي حالة إيلان، قامت الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية بتشويش وجه الطفل. لم يتم ذلك لحماية هوية إيلان الجميع كان يعرف إسمه، حتى أن وجهه كان منكفئا على الأرض. ويفسر بعض من المحررين ذلك انه من المناسب والمعقول أن نرى إيلان ميتا على الشاطئ طالما اننا لا نستطيع رؤية ملامح وجهه، ولكن من غير اللائق وغير المعقول أن نتمكن من التعرف على ملامحه. لكن الحقيقة تكمن بأن إيلان، بدون وجه، هو فكرة مجردة. لكن فور رؤية وجهه يصبح إنسانا، ويصبح قضية تتطلب ردود أفعال. وفي هذا السياق يقول بول وولدمان في مجلة «الإسبوع» أنه إذا كان أحد يعتقد أن علينا عدم نشر الصورة، فإنه يستخدم نفس منطق وزارة الدفاع الأمريكية عندما منعت المصورين في دوفر من التصوير.
والافتراض أن الصور مقنعة وأكثر قوة من الكلمات هو إفتراض ليس دقيقا جداً. الحقيقة أن الصور تؤثر علينا أكثرغريزيا ذلك الأثر الذي قد يتحول إلى نوع من الفعل – معارضة الحرب، أو مطالبة حكومة من أن تأخذ نوعا مختلفا من العمل عند مواجهة أزمة إنسانية، وهذا بالضبط ما حدث مع إيلان. من نشر الصورة كان يود أن يحدث تأثيرها عملاً إيجابياً على الأرض، ومن تحجج بالأخلاقيات، كان ضد العمل.
كل ما ورد من طروحات ساهم، بشكل أو بآخر، في أن يكون أحد الأسباب، التي اتبعتها الصحافة العالمية في قرارها نشر الصورة. إلا أن السبب الأكبر والأهم، إي لانتشار الصورة هو في حد ذاته قرار النشر الذي خلق لكل صحيفة مفهومها الخاص لحرية النشر. ويشير متابعون للجدل الذي أثاره نشر صورة إيلان إلى أخلاقيات الصحافة التي لا تسمح بنشر صور قاسية عن الأطفال المشوهين بفعل التفجيرات مثلاً، ويسأل هؤلاء «كيف يمكن للضحايا ترتيب موتهم بما يتناسب مع أخلاقيات الصحافة حتى يمكنهم أن يهزوا العالم؟
حرية نشر الصورة
إن حرية التعبير ليست مطلقة ويمكن تقييدها عندما تتعارض مع حقوق أخرى. كما تجرم المادة 116 مكرراً (ب) من قانون الطفل نشر صور الأطفال الضحايا. ويعلن القانون الدولي أن حرية التعبير هي القاعدة وأن القيود هي الاستثناء وأنه مسموح بها فقط من أجل حماية ما يلي: حقوق أو سمعة الآخرين، الأمن القومي، النظام العام، الصحة العامة والأخلاق. يكون أي قيد قانونياً إذا ما حقق شروطاً ضيقة للغاية معرفة في الاختبار ذو ثلاثة أجزاء في المادة 19 (3) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. ويتخذ التعبير عن الرأي عدة صور سلوكية فمثلما يكون بالكلمة يكون باللوحة وكما يظهر بالصورة فانه كذلك يكون في الرسم والكاريكاتير وربما يظهر في صور اخرى خارج اطار الكلمة والصورة. وينص ميثاق الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير في البند 13 على احترام وحماية حقوق الأطفال، بحيث يتعين على الصحفي أن يعالج الأخبار التي تخصهم بعناية فائقة، مع اجتناب ذكر الهوية أو نشر صور يكون فيها الأطفال ضحايا – ماعدا في حالة القتل المفترض، أو شهودا أو متهمين أمام العدالة، وخصوصا في قضايا ذات حساسية اجتماعية كما هو الحال بالنسبة للاعتداءات الجنسية. كذلك يجب اجتناب ذكر أسماء أقربائهم أو المقربين منهم في هذه الحالات.
ريما شري