إنهم يدمرون الشرق؟

حجم الخط
6

عندما احتلت أمريكا العراق في آذار/مارس 2003 كانت بدعوى امتلاكه «أسلحة الدمار الشامل». ولم تكن نتيجة هذه الحرب غير تدمير العراق وبنياته التحتية، ونهب التراث التاريخي وتهديد أمنه واستقراره. لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل، ولكنهم دمروا العراق بشكل كامل وشامل. وها هي الديمقراطية الأمريكية التي فرضتها على العراق تؤتي أكلها: تمزق وهجرة ومتاهات لا حصر لها، وحروب لا أحد يوقف مساراتها اللامحدودة. حينها كتبت إلى صديقي عبد الله إبراهيم، وكان وقتها في العراق: إنهم كما دمروا بغداد الحضارة، (بغداد الخطيب البغدادي) سيدمرون دمشق التاريخ (دمشق ابن عساكر). لم تكن الإشارة إلى موسوعتي هذين المؤرخين سوى اختزال لتاريخ عريق قبل الإسلام، وبعده: تاريخ الشرق مهد الحضارات وموطن الرسالات.
لم تكن إشارتي إلى احتمال تدمير دمشق من باب التوقعات المبنية على تحليل مستقبلي لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع بعد زرع «الفوضى الخلاقة للفوضى»، في مصب الفراتين سوى تخوف وتطيُّر من تأكد هذا الاحتمال على مسارهما، وهما يخترقان الشام. كان ذاك التوقع من باب الاستعاذة، ودفع الشر، لا أكثر، وها نحن نرى بأم أعيننا الآن كيف يدمر الشام وتتوزع أشلاء دمشق. ألا يمكن إلا أن تدور علينا الدوائر أبدا، وهي تتربص بنا، تربصنا بأنفسنا، وتجعلنا نستعيذ من أن تكون الدائرة تتجه نحو مكة المكرمة، وها هي حادثة منى في موسم حج هذا العام، طرية بالباب، تبرز لنا الأطماع المتربصة، من إخواننا في الله، وهم يضعون الحسين، حاجبا ومفرقا بين المسلمين.
في آذار/مارس نفسه، من عام 2011، أي بعد ثماني سنوات، على بداية تدمير العراق، سيبدأ التدمير الفعلي لدمشق الشام. ومن عجب أن ما اعتبر سببا لتدمير العراق كان «أسلحة الدمار الشامل» لنسمِّها (أدش)، سيصبح «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، أي الدولة التي تردف الشام بالعراق، فيتضاعف الدمار الشامل على العراق، ويتولد في الشام، ليتواصل اللاحق بالسابق، فإذا هما معا معرضان، كتوأمي تاريخ حضاري عريق، لآليات التدمير الجماعي. وهل هناك من ضرورة للحديث عن اليمن في هذا السياق التدميري؟
كثيرون يلقون باللائمة على الربيع العربي ويعتبرونه، وهو ليس سوى فصل جميل من فصول الزمان، أنه سبب كل البلايا والمصائب. لكن ربيعنا العربي، بكل ما يبتلينا به، ليس سوى نتاج تاريخ طويل من الفصول لم نفكر فيها، ولم نعمل على غرس بذرة نظيفة تعطي ثمارا. لم يغرسوا في كل الفصول التي تمتد لعقود سوى بذور الفساد والظلم، فكان طبيعيا أن يخرج الشعب السوري، كما خرج في تونس ومصر وليبيا واليمن والمغرب… مطالبا بحد أدنى من الحرية، وبحق بسيط من الحياة الكريمة. وكانت بداية تدمير دمشق على يد حاميها حراميها.
رغم كل مساوئ الأنظمة الشمولية العربية، كان الدعم حليفها من لدن الشعب وقواه الحية. لطالما ساندنا سوريا وهي تتقدم واجهة نضالية ضد العدو الصهيوني، وداعمة للثورة الفلسطينية. لطالما ساندنا حزب الله، وهو يخوض حربا لا هوادة فيها ضد إسرائيل. ليست الحرب ضد إسرائيل، من أجل الأرض فقط، بل من أجل الإنسان العربي الذي يعمرها في سوريا ولبنان وفلسطين. ولكن حين يصبح الإنسان العربي السوري والفلسطيني هدف مرمى للنظام السوري وحزب الله، بدعوى الحفاظ على نظام البعث، هنا تزول أسطورة الممانعة، ويتبين أن القضية، وما فيها، وخلال كل التاريخ النضالي، هي الحفاظ على النظام، وليس من أجل تحرير الأرض، أو مواجهة الغطرسة الصهيونية.
حين أوصلت رعونة النظام السوري الشعب إلى تجاوز المطالبة بالحرية إلى رفع شعار الرحيل انشكف الغطاء عن بئر الحقد الدفين الذي يمثله نظام الحكم العربي الذي لم يختلف في الأقطار التي عرفت الربيع العربي، ما عدا الاستثناء المغربي. فكان شعار النظام وزبانيته «الأسد أو لا أحد». وكان ما كان مما سيظل الزمان يذكره. وخلال أربع سنوات ونصف والنظام السوري لا يتوانى عن التدمير والتقتيل والتهجير.
مع تطور الحراك الشعبي في سوريا بدأ التلويح بضرورة استبعاد أي تدخل أجنبي. وكان المراد أمريكا كي لا تتكرر مأساة العراق. لكن دخول الإيرانيين وحزب الله والميليشيات الشيعية المختلفة أعطى الحرب بعدا آخر. وبدأ تدفق المهاجرين لنصرة داعش من كل حدب وصوب… وجرت مياه كثيرة تحت الجسر خلال السنوات الأربع، فكان حزب الله وإيران مساندين مشاركين للنظام على الأرض، ومن ورائهما روسيا بالأسلحة والدعم اللوجيستي والدبلوماسي. وكان التردد الأمريكي والأوروبي في دعم المعارضة السورية والجيش الحر بالسلاح، والتقاعس عن ذلك بدعوى تسرب ذلك إلى داعش. فكان أن تبلبلت الحرب، وصارت تتوزعها عدة أطراف متناقضة: قوات النظام وأتباعه، وقوات التحالف، والجيش الحر، ومختلف الميلشيات شيعية وسنة، ومن جهات خارجية متعددة.  تلبدت سماء الشام بالطائرات المتعارضة، بعضها  يصوب نحو داعش، وآخر إلى الشعب… وجاء التدخل العسكري الروسي ليعلن بداية تحول جديد، بطلب من النظام، ولتكتمل طبخة التدمير.
فمن يحارب من في هذه الحرب؟ هل الهدف هو دعم الشعب من أجل الحرية والديمقراطية؟ هل هو محاربة داعش؟ أم دعم النظام السوري؟ يؤكد النظام أنه يحارب الإرهاب، مسنودا من لدن إيران وميليشياتها وحزب الله. والإرهاب هنا يعني المعارضة الشعبية من خلال مختلف تجلياتها السياسية  والعسكرية والمدنية، هذا إلى جانب داعش. ويلح حزب الله وإيران وروسيا بدورهم أنهم يحاربون داعش، ولا يخفون دعهم للنظام، سرا وعلنا، ومن ثمة فهم يحاربون كل معترض على النظام، إما باعتباره معارضا أو سنيا. وتصر أمريكا والغرب على أنها في حرب ضد داعش أي ضد الإرهاب.
كما اجتمعت قوات تحالف تدمير بغداد في 2003 على أسلحة الدمار الشامل «أدش»، تلتئم كل هذه الترسانة، وقد أضيفت إليها روسيا بكل ثقلها الديبلوماسي والعسكري، على تدمير دمشق من خلال ادعاء محاربة «داعش»؟ فهل داعش من القوة والمناعة بحيث تستعصي على العالم؟ هذا العالم الذي يدعي أن حربه مع داعش طويلة الأمد، لماذا يستعصي عليه منع الشعب السوري من التعرض للفتك والتقتيل والتهجير؟ وهل قبول اللاجئين وذرف دموع التماسيح عليهم، وادعاء الإنسانية في تقديم المياه المعدنية، وقطع الخبز، هو حل لقضية الشعب السوري المشرد؟ أيصعب على العالم فرض حظر جوي على طائرات الدمار بالبراميل المتفجرة التي لم تتوقف منذ اندلاع الحرب؟ ماذا يعني تدريب عشرات الجنود من لدن أمريكا، وتسجيل ذلك بمداد الفخر والاعتزاز؟ أليس هذا ضحكا على الذقون؟ ماذا كان سيحدث لو تم تسليح المعارضة الشعبية والوطنية الديموقراطية، بالأسلحة الملائمة؟
لا جواب عن كل هذه الأسئلة وغيرها سوى أن أمريكا والغرب وروسيا وإيران لا يريدون إنهاء هذه الحرب إلا على آثار الدمار الشامل للشام، بعد أن دمروا العراق. وليس الإرهاب وداعش سوى شماعات يعلقون عليها تضارب مصالحهم وصراعاتهم الظاهرة والخفية.
في كل الحالات، وكيفما كانت الحسابات الظرفية أو الطويلة المدى، لدى روسيا أو أمريكا أو الغرب أو إيران. وكيفما كانت المصالح وتضاربها لدى كل هذه الأطراف فإن الشعب السوري وحضارته هو الذي يدفع الثمن.  يشترك كل المتدخلين في هذه الحرب في قتل المدنيين والنساء والأطفال وتهجيرهم، وفي تدمير التاريخ، وتحطيم البنيات التحتية. إنهم بكلمة يساهمون في تدمير الحلم الشرقي العام بربيع المستقبل.
كاتب مغربي

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية