عند متابعة التصريحات الأمريكية نحو التدخل العسكري الروسي في سوريا نجد ان هناك أكثر من موقف، سواء قبل شن الطيران الروسي أولى ضرباته يوم الأربعاء 30/9/2015 أو قبلها، فالتصريحات الأمريكية الأولى كانت في بداية شهر ايلول/سبتمبر 2015 قال فيها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ان أمريكا ترحب بكل جهد عسكري يمكن ان تقوم به روسيا في سوريا إذا ساهم بإضعاف قدرات الدولة الإسلامية. وقد فهم البعض ان هذا التصريح ترحيب بالتدخل الروسي في سوريا، بينما الرئيس الأمريكي أوباما قال بتاريخ 11/9/2015 بمناسبة أحداث ايلول/سبتمبر أمام جنوده في إحدى القواعد العسكرية الأمريكية: «ان التدخل الروسي سيكون خطأ استراتيجياً روسياً إذا جاء لتوفير حماية لنظام بشار الأسد»، فالرؤية الأمريكية للبيت الأبيض هي: ضرورة رحيل الأسد كشرط للحل السياسي الممكن في سوريا. لكن البنتاغون له موقف ثالث وهو مطالبة روسيا التنسيق مع البنتاغون حول الطلعات التي سوف يقوم بها الجيش الروسي في سوريا، وأن هذه الطلعات ينبغي ان تكون موجهة لتنظيم الدولة الإسلامية وليس لقوات المعارضة السورية المعتدلة التي تتعاون مع أمريكا قبل ان ينهي البنتاغون هذا التعاون رسميا في بيان للبنتاغون في اليوم الأول للقصف الروسي، وهذا توقيت مهم ومريب من البنتاغون وهو مؤشر على تفاهم بين وزارتي الدفاع الروسية والأمريكية على هذه الضربات الجوية الروسية.
والمؤشر قبل الأخير على تفاهم أمريكي روسي على بدء الضربات الروسية هو ان هذه الضربات جاءت بعد يوم واحد من لقاء الرئيس الأمريكي أوباما مع الرئيس الروسي بوتين في الأمم المتحدة في الدورة السبعين للأمم المتحدة، حيث تكلم كل واحد منهما وعبر عن وجهة نظره من التدخل الروسي، وبدا أن الموقفين فيهما نوع من الاختلاف، وبالأخص حول الموقف من دور بشار الأسد في الحل السياسي، فأمريكا تعبر عن موقفين متناقضين أحدهما يرفض أي دور لبشار في الحل السياسي، بل قال أوباما في خطابه أمام الأمم المتحدة أن محاربة الإرهاب في سوريا يقتضي تنحي الأسد عن السلطة قبل ذلك، بينما كان تصريح وزير خارجيته كيري قبل أيام أن رحيل الأسد ضروري ولكن ليس بالضرورة أن يكون فورياً، فهذا أعطى انطباعاً ان أمريكا تقبل مرحلة انتقالية في سوريا مع وجود بشار الأسد، وفي النهاية فإن مراوغة الموقف الأمريكي هدفه إرضاء كل الأطراف المختلفة والمتصارعة، فكل طرف يسمع ما يحب سماعه من أمريكا، ولكن الأهم من ذلك أن أمريكا ستكون سعيدة ان ترى فلاديمير بوتين يغرق في المستنقع السوري، حتى أن السناتور الأمريكي جون ماكين وصف سياسة الرئيس الأمريكي أوباما بالضعيفة والمتناقضة، ووصف الرئيس الروسي بوتين: «السفاح والدكتاتور والمحتال والبلطجي»، لأنه قام بقصف مواقع للمعارضة السورية وليس لتنظيم الدولة في اليوم الأول للغارات الروسية في سوريا.
هذا الإضطراب في الموقف الأمريكي لا يمكن قبوله على انه عفوي وغير مدروس، وتصريح وزير الخارجية الروسي لافروف أعلن في مؤتمر صحافي مع نظيره الأمريكي بان اجتماعهما تابع مناقشة ما تم الاتفاق عليه بين الرئيسين (أمس) أي بعد لقائهما في الأمم المتحدة، وهذا يؤكد أن الدور الروسي في سوريا تم ويتم بالتفاهم والتنسيق بين روسيا وأمريكا، وقال لافروف في مؤتمره الصحافي مع كيري: «كلنا نريد أن تكون سوريا علمانية وموحدة واتفقنا على خطوات مشتركة»، بينما رد عليه كيري:»تم الاتفاق على إجراء المزيد من البحث في الخيارات المتاحة أمام موسكو وواشنطن، وعلينا عمل الكثير وان تبقى سوريا موحدة وعلمانية». كما أعرب كيري عن قلق أمريكا بسبب نوعية الأهداف التي قصفها الطيران الروسي في اليوم الأول، والذي قصف مواقف للمعارضة السورية وليس لتنظيم الدولة، بل وزارة الدفاع الأمريكية ومن خلال وزير الدفاع الأمريكي شخصيا يقول:»ان القصف الروسي في اليوم الأول ضرب مواقع خارج سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وان ضربات روسيا لم تستهدف الدولة الإسلامية، لهذا السبب نجد قلقا في نهجهم، وهذا يتطلب مراجعة دقيقة معهم». ولعل تصريحات أمين عام الناتو حول الغارات الروسية ضد سوريا تؤكد ان الضربات الروسية في اليوم الأول لم تستهدف مواقع الدولة الإسلامية، وإنما كانت موجهة نحو مواقع عسكرية للمعارضة السورية في ريف حمص وحماه، وبالأخص المواقع التي استعصت على النظام السوري السيطرة عليها، مما يعني ان الضربات الروسية هي دعم مباشر للنظام السوري ضد المعارضة السورية وليس ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وحث أمين عام الناتو روسيا على دور بناء في محاربة تنظيم الدولة، وقال ان دعم الأسد لا يحقق عملية بناءة في سوريا.
الرئيس الروسي بوتين قال في أعقاب عمليات اليوم الأول:»لقد اخبرنا جميع شركائنا بالخطوات التي قمنا بها، ونحن ندعوهم للمشاركة معنا من خلال غرفة عملياتنا العسكرية في بغداد»، وهذا ما أكدته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية: «أن روسيا أبلغت إسرائيل عن هذه الغارات قبل ساعات من وقوعها» وهو ما كان بيان من البنتاغون قد أعلن ان روسيا أبغلت واشنطن بالقصف الروسي للمواقع السورية قبل شنها أيضاً، وهذا يؤكد التنسيق الأمريكي والإسرائيلي مع روسيا، ولكن لم تعلن تركيا أو أي دولة عربية علمهما المسبق بهذا القصف الروسي لسوريا.
الموقف البريطاني أعلن ان الضربات الروسية لن تكون مساعدة على إيجاد حل سياسي في سوريا، وانها لا تتوافق مع المجهود الدولي في الائتلاف الدولي الذي يحارب الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، والموقف الفرنسي دعا إليه وزير الخارجية الفرنسي فابيوس معربا عن:»تعاون فرنسي مع أي جهود دولية تعمل لإيجاد حل للأزمة السورية بما فيها الجهود الروسية، ولكن بشرط وضع خطة عن طريق مجلس الأمن تتولى عملية انتقال سياسي لا تؤدي إلى بقاء سفاح سوريا في السلطة، ولا توجه فيها الضربات الجوية إلى الحركات السورية المعارضة والمعتدلة».
أما الموقف التركي فمن المؤكد انه لن يكون مرحبا بالقصف الروسي لسوريا، وبالأخص ان الضربات الروسية منذ اليوم الأول وقعت على قواعد الفصائل السورية المعتدلة، وليس على قواعد تنظيم الدولة، كما أكدته وزارة الدفاع الأمريكية وأمين عام الناتو، وبالتالي فإن الموقف التركي سيبقى على حاله، وهو الداعي لرحيل الأسد كشرط لنجاح أي جهد دولي لوقف الصراع في سوريا، ولكن النقطة المركزية للسياسة التركية هي الأوضاع الداخلية في الوقت الحالي، فقد استطاعت بعض القوى الخارجية أن تخدع أو أن تضغط أو ان تستغل حزب العمال الكردستاني لخلق مشاكل أمنية والقيام بعمليات إرهابية داخل الأراضي التركية بهدف إثارة الشارع التركي لإحداث الفوضى والإضطراب فيه قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، هذه الأعمال العدوانية ضد الأمن القومي التركي ليست بعيدة عن المحور الذي يدعم بشار الأسد، فبشار الأسد دعم حزب العمال الكردستاني في سوريا لإقامة كردستان سوريا، مقابل ان يقوم حزب العمال الكردستاني بأعمال إرهابية في تركيا، ومقابل أن يتخلى عن عملية السلام، وقد أخذ حزب العمال الكردستاني بتنفيذ ما التزمه بهذا الاتفاق، فألغى اتفاقية السلام من طرفه، وباشر بتنفيذ الأعمال الإرهابية داخل تركيا وعلى حدودها الجنوبية والشرقية، مما يتطلب من تركيا توجيه الكثير من جهودها السياسية والأمنية والعسكرية لمحاربة الإرهاب الموجه إلى الأمن القومي التركي.
ليس بمستبعد ان تكون روسيا قد أبلغت تركيا بمخططاتها في سوريا وبالأخص ان رئيس الوزراء التركي قد التقى الرئيس الروسي بوتين في الأمم المتحدة يوم 29/9/2015، ولكن لا أدلة على علم تركيا بهذه العمليات والقصف الجوي مسبقاً، وليس من المرجح ان ترحب تركيا بهذه العمليات، وبالأخص ان ردود الأفعال الشعبية التركية وفي العالم الإسلامي سوف تكون ضد التدخل الروسي في سوريا بعد تكرار عمليات القصف التي سوف تقتل المدنيين والأطفال والنساء، بل قد تخرج جموع المتظاهرين إلى الشوارع التركية محتجة على التدخل الروسي في سوريا، وإلا فإن الشعوب الأوروبية والأمريكية سوف تسبقها، وهي ترى جثث الأطفال السوريين مقطعة الأشلاء تحت الأنقاض بفعل قصف الجيش الروسي.
إن ردود الفعل الشعبية في تركيا وفي العالم الإسلامي وفي الدول الغربية ستكون ناراً إعلامية على بوتين ولافروف وروسيا، وقد لا يتأخر ذلك كثيرا بالرغم من إعلان بوتين ان عملياته العسكرية محدودة، ولذلك فإن السياسة التركية سوف تتحسب لردود الأفعال الشعبية في تركيا وفي العالم الإسلامي، فضلاً عن ان الغارات الروسية إما انها تخطىء في تحقيق أهدافها، أو انها مجرد أداة بيد بشار الأسد يحركها حيث يشاء، وليس بحسب المهمة التي تدعيها روسيا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كما ان قدوم مزيد من اللاجئين السوريين بفعل القصف الروسي إلى تركيا سوف يزيد من المشاكل التركية الداخلية، وهو ما ينبغي على الحكومة التركية معالجته قبل تفاقم الوضع سريعاً، فتركيا في النهاية تملك أكبر حدود دولية مع سوريا تبلغ 911 كلم، وهي أكثر الدول تضرراً من مواصلة الصراع في سوريا.
إن الموقف التركي لم ولن يتغير من بشار الأسد ودوره في الحل السياسي وفي الهيئة الانتقالية كاملة الصلاحيات وفق اتفاق جنيف 1، ولعل الموقف الفرنسي هو أكثر المواقف قربا من الموقف التركي، بينما من الصعب الاعتماد على الموقف الأمريكي غير المستقر، بسبب تعدد المواقف بين وزارة الدفاع الأمريكية، والبيت الأبيض والخارجية الأمريكية وسياسة جون كيري، التي تجنح إلى مواقف مراوغة وغير مستقرة، والأتراك في النهاية لهم مصالحهم ورؤيتهم السياسية والأمنية والإنسانية، التي لا تتوافق مع أي دعم عسكري أو سياسي يمكن ان يقدم لبشار الأسد، فهو أكثر مراوغة من جون كيري، وحيث يعتبر الشعب السوري هذا التدخل الروسي عدواناً واحتلالاً، فإن الأتراك لن يقفوا إلى جانب روسياً، وبالأخص ان روسيا تستهدف المعارضة السورية المعتدلة والصديقة لتركيا، وهذا يعني أنها ضد الترتيبات والرؤية السياسية التركية للحل السياسي في سوريا.
محمد زاهد جول