في كانون أول 2010 أحرق الشاب التونسي محمد بوعزيز نفسه بسبب اليأس من افعال النظام. أدخل هذا العمل الشاب الغير معروف للتاريخ لانه أشعل الشرارة التي أدت إلى ثورات «الربيع العربي» في تونس، مصر، ليبيا، سوريا، اليمن والبحرين. انظمة متسلطة بدت وكأنها مستقرة، برئاسة رؤساء مدى حياتهم، لكنهم سقطوا خلال فترة قصيرة من قبل الجموع الغفيرة التي خرجت إلى الشوارع.
بالنسبة للكثيرين عبرت ثورات الربيع العربي عن تغيير حقيقي بكل ما يتصل بمكانة المواطن في الثقافة السياسية العربية. وبداية موجة رابعة من الدمقرطة في العالم، وبعد أربعة سنوات ونصف، فان ليبيا، اليمن، وسوريا تنهار نتيجة لحروب اهلية عنيفة؛ البحرين قامت بقمع الاحتجاج بالقوة مع مساعدة عسكرية من دول الخليج؛ وعادت مصر إلى المكان الذي كانت فيه قبل الثورة. في تونس فقط توجد بوادر نظام دمقراطي، يمكن القول ان الامل ببناء «شرق اوسط جديد» حل محله «شرق اوسط داعشي» التابع لمنظمات إسلامية جهادية. والسؤال هو: ما الذي تشوش؟
نتائج الربيع العربي سببها عمليتين، الاولى قصيرة وتتصل بالاحتلال الأمريكي للعراق في نيسان 2003. واسقاط نظام صدام حسين. وتفكيك مؤسسات الدولة ـ بالذات الجيش ـ ونقل السلطة لاغلبية شيعية. لقد شوش هذا التوازن الديني والعرقي الذي استمر 80 عام عندما اقيمت العراق تحت السيادة البريطانية الانتدابية. ان الجمع بين ثلاثة اصول عثمانية مختلفة من الناحية الجغرافية والدمغرافية خلق صعوبات كثيرة في عملية بناء الدولة والامة في العراق. الامر الذي ادى إلى اقامة انظمة اقليات سنية مطلقة حكمت بالقوة واجحفت بحق الاغلبية الشيعية والاقلية الكردية.
تفكيك مؤسسات السلطة خلق فراغا سياسيا امتص ليس فقط الاطراف المتصارعة في العراق انما ايضا منظمات جهادية، مثل داعش التي اقيمت منذ 2005. نجاح المنظمات الجهادية في العراق كان محدودا، ولم تكن هناك فرصة قوية بان تتجاوز هذه المنظمات حدود العراق، لأنه في الدول المجاورة ـ تركيا والاردن وسوريا وإيران ـ كانت الانظمة مستقرة وقوية من الناحية العسكرية.
لكن التزامن بين الاحتلال الأمريكي للعراق والربيع العربي، زاد من حالة الفوضى؛ الحرب الاهلية في سوريا وضياع سلطة بشار الاسد في أجزاء كبيرة من الدولة، القريبة من العراق، هذا انشأ فراغا ملأه داعش وجبهة النصرة (تنظيم القاعدة في سوريا)، وشيء مشابه حدث في اماكن المحيط العربي مثل اليمن وليبيا.
كل هذا حدث على خلفية عمليتين طويلتين: الاولى، بلوغ الجيل الشاب، الغاضب، صاحب التعليم لكنه عاطل عن العمل، ويسعى إلى تحطيم قيود الاستعباد عن طريق الافكار الليبرالية أو الاصولية؛ الثانية، الفشل في بناء دولة وأمة في بعض الدول العربية، هذا الفشل الذي تتحمل مسؤوليته القوى العظمى الكولونيالية التي وضعت الحدود الجغرافية حسب مصالحها، لا سيما في ليبيا ومنطقة الهلال الخصيب ـ العراق، سوريا، الاردن، لبنان وفلسطين ـ في هذه الاماكن يتم تجميع قبائل وطوائف دينية وعرقية، ما يُفرقها أكثر مما يوحدها. إن اسقاط الانظمة الدكتاتورية، مبارك في مصر والقذافي في ليبيا والاسد في سوريا وصالح في اليمن وإبن علي في تونس، أو الحاق الضرر البالغ بها، ساعد في اظهار الخلافات والصراعات الطائفية والدينية التي كانت مخفية لسنوات طويلة.
هذه الانظمة كانت إلى حد كبير بطريركية جديدة، أي أن صورة الزعيم الأب كانت في مركز النظام، وهو الذي وزع الامتيازات على حلفائه السياسيين، الذين كانوا من أقاربه في أحيان كثيرة، أو المقربين من طائفته وقبيلته. هذا الوضع يحمل في ثناياه امكانيات الثورة كما حدث في الانظمة الرئاسية الجمهورية، ولكن في الاماكن التي واجهت فيها الثورة قوة عسكرية سعت إلى الابقاء على مكانتها (مثل مصر)، أو في مجتمع متجانس نسبيا (مثل مصر وتونس)، لم يتدهور العنف إلى حرب اهلية.
العائلات الملكية نجحت في البقاء خلال الربيع العربي بسبب الحكمة السياسية والقدرة على الحوار مع المعارضة، وبسبب اصلاحات سياسية مدروسة. وفي حالة دول النفط الغنية، تم شراء ولاء المواطنين بواسطة الامتيازات.
لقد طرحت احداث الربيع العربي اسئلة صعبة مثل هل يمكن أن تتبنى الدول العربية أنظمة ديمقراطية؟ وما هو مستقبل الدولة القومية العربية؟ وهل النظام السياسي الذي تم وضعه بعد الحرب العالمية الاولى سينهار؟ ما زال مبكرا تحديد الاجابة، ولكن من الواضح أنه لا يمكن رؤية نتائج الثورات الحالية كحكم نهائي للتاريخ.
«الربيع» في اوروبا ايضا في القرن التاسع عشر والعشرين تسبب بازمات على المدى القريب، ولكن في نهاية المطاف أدت بعملية ديالكتيكية طويلة المدى إلى تبني انظمة ديمقراطية. التفسير المقبول في اوساط كثيرة في الغرب وفي إسرائيل هو أن الديمقراطية والدين الإسلامي لا يلتقيان. بكلمات اخرى، فشل حركة الاحتجاج العربية كان متوقعا. هذا الموقف يستند ـ بشكل خاطيء ـ إلى نظرية صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون. ولكن هنتنغتون لم يقل إن الإسلام والديمقراطية متعارضان. وانما توجد في الإسلام جوانب تؤيد وتعارض نظام كهذا في نفس الوقت. وحسب رأيه فان الديانة الكنفوشية تناقض الديمقراطية في جوهرها.
معاينة 57 دولة إسلامية تُظهر أن اثنتين من اكبرها ـ اندونيسيا وتركيا ـ يوجد فيهما جهاز ديمقراطي، وفي دول اخرى كثيرة توجد نماذج ديمقراطية، وكون معظم الدول العربية غير ديمقراطية لا يعني أن السبب هو الاختلاف في الثقافة السياسية، بل بسبب الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية.
ادعاء آخر هو أن الحدود التي وضعت بعد الحرب العالمية الاولى في الشرق الاوسط لم تعد صالحة. في أحد الافلام القصيرة في الانترنت يظهر مقاتلو داعش وهم يزيلون علامات الحدود بين سوريا والعراق حيث يشيرون أن حدود سايكس بيكو المصطنعة ستزول وبدلا منها ستقام «الدولة الإسلامية». لكن الكثيرين ينسون أن اغلبية الدول ـ باستثناء منطقة الهلال الخصيب ـ هي نتاج للتوزيع الجغرافي الموجود منذ مئات السنين والتي كانت احيانا تحت سيطرة سلالات حكمت لفترات طويلة.
لا يوجد خطر على سيادة معظم هذه الدول، اضافة لذلك، سوريا والعراق محاطة بدول مصالحها تقتضي الابقاء على التقسيم الجغرافي. لهذا لا خوف من وصول خطر الانقسام إلى هذه الدول (ربما باستثناء لبنان). فاليمن قد تعود إلى الجنوب والشمال حيث ساد هذا التقسيم حتى عام 1990، وليبيا قد تنقسم إلى ثلاثة اقسام: تريبولي، كرنايكا وبازان. لكن جميع الدول التي توجد مخاوف حول سلامتها الجغرافية تحارب لاول مرة من اجل القضاء على الفوارق الاجتماعية الحقيقية التي هي نتاج لظروف اقامتها. ايضا احتمال اقامة دولة كردية لن يكون اكثر من اصلاح خطأ تاريخي تم في الترتيبات التي أعقبت الحرب العالمية الاولى.
ونظرا لأن المشكلات في الدول العربية هي داخلية، فان الحل يجب أن يكون داخلي في نهاية المطاف.
لكن القوى العظمى تستطيع أن تساعد في حالة تم الاتفاق بينها على طابع هذا الحل. اسقاط نظام القذافي حدث بفضل تدخل الناتو، مثلما أن استمرار الحرب الاهلية في سوريا يرتبط بدعم إيران وروسيا للاسد.
إسرائيل لا تستطيع ولا يجب عليها التدخل في المشكلات الداخلية للدول العربية. ومع ذلك، فان اختفاء التهديد من الجبهة الشرقية وغياب الحرب التقليدية مع الدول العربية، يعطيها هامش عمل كبير في الشرق الاوسط مع حلفاء محتملين مثل مصر والاردن والمغرب ودول الخليج. تستطيع العمل في مواجهة إيران التي تشكل خطرا عسكريا وسياسيا وايديولوجيا على هذا التحالف.
الضعف العربي يخلق فرصة من اجل التقدم لحل الصراع مع الفلسطينيين، هذا الصراع الذي قد يتدهور إلى انتفاضة شعبية ضد إسرائيل كلما تعمقت الازمة. والتصميم على اعتبار محمود عباس ليس شريكا في المفاوضات هو خطأ سياسي صعب، ستتبين نتائجه في المستقبل.
الحراك الاقليمي قد يستمر فترة طويلة، وبنظرة تاريخية واسعة يبدو أن العملية التي بدأت مع اقامة الدول الجغرافية بعد الحرب العالمية الاولى لم تنته بعد. وبهذا المعنى سؤال الاستقلالية والسيادة الفلسطينية ليس منفصلا عن الاستقلالية والسيادة لبعض الدول التي تحيط بنا. لكن خلافا للوضع في الدول العربية فان الموضوع الفلسطيني موجود ومطروح أمام إسرائيل.
هآرتس 4/10/2015
ايلي فوده