إسطنبول ـ «القدس العربي»: «لأجل الله اضرب، لأجل الرسول اضرب، لأجل الشهداء اضرب»، بهذه الكلمات خاطب أحد الضباط الأتراك جندوه الذين ينفذون عملية عسكرية واسعة ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني في إحدى ضواحي ديار بكر شرقي البلاد، في مشهد يظهر تصاعد المظاهر الإسلامية داخل الجيش التركي الذي يعرف بأنه «أعتى حصون العلمانية» في الجمهورية.
وعلى غرار ما فعله في العديد من مناحي الحياة ومؤسسات الدولة، عمل حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد منذ 12 عاماً على إدخال الطابع الإسلامي إلى داخل حصون الجيش التركي من خلال بناء المساجد واستخدام الشعارات الدينية أثناء التدريبات وافتتاح المرافق وبعض العمليات العسكرية، وذلك بجهود حثيثة من الرئيس رجب طيب أردوغان الذي أولى اهتماماً خاصاً بهذا الشأن.
وظهر في فيديو بثته وسائل إعلام تركية اشتباكات عنيفة وأصوات رصاص وقذائف يطلقها الجيش التركي ضد المسلحين الأكراد، ويسمع في الخلفية تعليمات يصدرها قائد في الجيش للجنود عبر جهاز الإشارة، قائلاً: «المسلحون يظهرون أعلى المبنى، اضربوهم، لأجل الله اضرب، لأجل الرسول اضرب، لأجل الشهداء اضرب، انتقم لدمائهم».
الوسائل التي بثت الفيديو قالت إنه يعود للاشتباكات التي استمرت يوم السبت في بلدة «سيلوان» التابعة لمحافظة «ديار كبر» جنوب شرق البلاد، حيث فرض الجيش حظر التجوال فيها منذ الجمعة، ويخوض اشتباكات مسلحة عنيفة مع المسلحين الذين قتل الجيش 18 منهم بحسب بيان رسمي له، السبت. وبحسب ما رصدت «القدس العربي» فإن الفيديو لاقى انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا، وأبدت شريحة واسعة من عشرات الآلاف الذين شاركوا وعلقوا على المقطع سعادتها بـ»الروح الإسلامية» التي يقاتل بها جنود الجيش التركي، وانهالت الدعوات ذات الطابع الديني للجنود بـ»النصر والتمكين من الله ضد المجرمين القتلة من عناصر حزب العمال الكردستاني».
وحزب العمال الكردستاني هو منظمة قومية يسارية مسلحة، تنادي بالانفصال عن تركيا، وتخوض مواجهات مسلحة مع الجيش منذ أكثر من 30 عاماً أوقعت عشرات آلاف القتلى، ويؤيد معظم الأتراك عمليات الجيش ضد المسلحين الأكراد الذين ينفذون هجمات يومية ضد عناصر الجيش والشرطة.
ومنذ تأسيس الجمهورية الحديثة 1923 اعتبر الجيش «حامي العلمانية في البلاد»، وقاد أربع انقلابات عسكرية منها بتهمة «المساس بالأسس العلمانية للدولة»، لكن الجيش فقد جبروته في الحياة السياسية والعامة مع قضم صلاحياته عبر إصلاحات مختلفة وسجن أشد عناصره عدائية لحزب العدالة والتنمية بتهمة الضلوع في مخططات تآمرية ضد الحكومة.
وفي الآونة الأخيرة ردد أردوغان في العديد من المهرجانات الضخمة، قصيدة «مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، وهي الكلمات التي دفعت الجيش للزج به إلى السجن عام 1998 بتهمة التحريض على الكراهية الدينية ومنه من العمل في الوظائف الحكومية.
ويتصاعد الجدل الداخلي في تركيا التي يشكل المسلمون قرابة 99٪ من مواطنيها حول القضايا المرتبطة بالدين والعلمانية، ففي حين تتهم العديد من الأحزاب القومية والعلمانية التركية أردوغان وحزب العدالة والتنمية بالعمل على «أسلمة البلاد» من خلال فرض العديد من المظاهر الدينية في جميع نواحي الحياة بالبلاد البالغ عدد سكانها 78 مليون نسمة، يرى المؤيدون للحزب المحافظ الذي تمكن على مدار 12 عاماً من تحقيق نسب متصاعدة في الانتخابات المتتالية ـ عدا الانتخابات الأخيرة-، أن الحكومة منحتهم حقوقهم الطبيعية في ممارسة طقوسهم الدينية بعد أن كانوا يعانون من المنع والتضييق طوال السنوات التي كانت فيها اليد الطولى للجيش.
وبعد أن كان يمنع إقامة الشعائر الدينية فيها، حرص أردوغان وداود أوغلو خلال زياراتهم لثكنات الجيش على إقامة صلاة الجماعة والإمامة بالجنود والضباط في مشاهد تنقلها الصحافة التركية على نطاق واسع على اعتبار أنها تمثل تحولاً في عقيدة المؤسسة الأقوى في البلاد.
ورفض أردوغان الذي تولى مهام الرئاسة في آب/أغسطس الماضي، ممارسة عمله من القصر الرئاسي التاريخي «تشانقايا» في العاصمة أنقرة، الذي بناه المؤسس «مصطفى أتاتورك» وعمل أردوغان على تحويل مبنى ضخم كان مخصصاُ لرئاسة الوزراء لقصر جمهوري أطلق عليه «القصر الأبيض» وأدخل على مراسم استقبال الزعماء العديد من التعديلات التي تظهر الجانب التاريخي الإسلامي لتركيا.
وأقرت حكومة العدالة والتنمية إدخال اللغة العثمانية وبعض دروس الدين الإسلامي الاختيارية والإلزامية إلى مراحل التعليم الأساسية في المدارس الحكومية، وسبقها بعامين السماح للطالبات بلباس الحجاب في المدارس، وتم العمل على إعادة إحياء ودعم وتوسيع ما يعرف بـ«مدارس إمام خطيب» الدينية والتي درس فيها أردوغان خلال طفولته.
يقول الكاتب التركي محمد زاهد غُل: «التركيبة الاجتماعية والقومية والعرقية في تركيا هي تركيبة شعبية متدينة، وكل محاولات العلمانية التي فرضها حزب الشعب الجمهوري في العقود الأولى كانت في الطبقات العليا للمجتمع والدولة وفي المدن الكبرى، ولم تصل إلى الطبقات الريفية والفقيرة التي كانت تمثل غالبية الشعب التركي».
ويضيف في مقال له نُشر الجمعة: «بالرغم من محاولات العسكر والوصاية التي كان يمارسها حزب الشعب الجمهوري على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، والتي أصبحت توصف بالدولة العميقة، فكل هذه المحاولات لم تنجح في تغيير هوية الشعب التركي؛ لأن تمسكه بالدين ليس تمسكاً روحياً ولا كهنوتياً وإنما تمسكاً علمياً وعقلياً وسياسياً». وبالتوازي مع إبعاد الجيش عن الحياة المدنية، أبدى العدالة والتنمية دعماً كبيراً لتطوير قدرات الجيش طوال السنوات الماضية، وقال أردوغان إن تركيا كانت تستورد 80٪ من احتياجاتها من الصناعات الدفاعية عام 2002، إلا أنها تمكنت من خفض هذه النسبة إلى 40٪ في الوقت الحالي، وتهدف للاعتماد بشكل كامل على إمكانياتها في هذا المجال بحلول عام 2023، وذلك في كلمته خلال احتفال إنزال سفينة «بايرقتار» الحربية البرمائية إلى الماء، السبت.
وفي الخامس من آب/أغسطس الماضي اختار مجلس الشورى العسكري التركي الأعلى قائد القوات البرية الفريق الأول «خلوصي آكار» رئيساً لأركان الجيش التركي، خلفاً لرئيس الأركان السابق «نجدت أوزال»، الذي أبدى تعاوناً كبيراً مع سياسات أردوغان إبان فترة رئاسته للوزراء.
إسماعيل جمال