■ كم يحتاج الجانب الفلسطيني لسقف زمني آخر لتنفيذ قرار التحلل من الالتزام باتفاق «أوسلو»، الفلسطيني- الإسرائيلي (1993)، ضمن رؤية استراتيجية وطنية، عقب ما أعلنه الرئيس محمود عباس في خطابه أمام دورة الأمم المتحدة، مساء الأربعاء الماضي، بعدما استلزمه زهاء العشرين عاماً للتثبت يقيناً من فداحة ما جرّه من ويلات وتبعات خطيرة على الشعب والقضية الفلسطينية؟
إن اتفاق «أوسلو»، ومرفقاته والاتفاقيات اللاحقة الموقعة مع الاحتلال، لا يعني فقط التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، وبين سلطات الاحتلال، موضع رفض القوى والفصائل الفلسطينية، ولا اتفاق باريس الاقتصادي، الذي لم تجر مراجعته منذ توقيعه في عام 1994، ولا الأراضي الفلسطينية المصنفة تجاوزاً، وفق «أوسلو»، إلى ثلاثة مناطق «أ»، الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة، و»ب»، التي تتمتع السلطة فيها بسلطة مدنية، بينما الأمنية موكولة للاحتلال، و»ج»، الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتضم أكثر من 60٪ من مساحة الضفة الغربية المحتلة، ولكنها في الواقع الفعلي واقعة، في جلها، تحت سيطرة الاحتلال، منذ ما قبل «أوسلو» وما بعده، بما يستتبعه من التحكم بمفاتيح الاقتصاد والمعابر والتجارة الخارجية وحركة التنقل، وشلّ الحياة في الضفة الغربية بجدار الفصل العنصري والطرق الالتفافية والمستعمرات، ومحاصرة قطاع غزة، وعزل مدينة القدس المحتلة والسعي المتواصل لتهويدها وضربّ حركتها التجارية.
بينما زادت الأراضي المحتلة تقطيعاً بفعل الاستيطان، الذي لم يتغلغل فقط في عصبّ مساحتها، بأزيد من نصف مليون مستعمر ضمن 180 مستوطنة، وإنما انقضّ على روح ما يمكن أن تشكله لاحقاً من ركائز الدولة الفلسطينية المتصلة والمستقلة، بكينونة وطنية واحدة وموحدة. وتبعاّ لذلك؛ باتت في الضفة الغربية دولة أخرى غير «دولة» الاحتلال، وهي «دولة» المستوطنين، سليلة الكيان الإسرائيلي وصنيعته، التي تحتل المساحات الشاسعة تاركة أقل من 20٪ من مساحة الضفة، وأقل من 13٪ من مساحة شرق القدس المحتلة، ضمن أنظمة و»شرائع» نافذة بجرائم الدم والحرق والبطش ضدّ الشعب الفلسطيني، التي وضعها، بحكم الأمر الاحتلالي، أبناء «الصهيونية الدينية» التي تعبرّ عن ثيمة التمازج بين «الصهيونية السياسية» والدين، التي غالباً ما تعدّ مخرجاً «شرعياً» لأفعال الاحتلال العدوانية، إلى جانب المتدينين، لاسيما «الحريديم» منهم الأشدّ تطرفاً وغلواً، إلا أنهم جميعاً، مع اختلاف توجهاتهم وأطيافهم، يلتفون حول القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، في رفض الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ورفض تقسيم القدس وحق العودة وتفكيك المستوطنات.
إن «أوسلو» كل هذا، وهو أيضاً، ما أسهم في تشكلّ فئة، حتى لو كانت ضئيلة العدد، ولكنها ضاربة النفوذ في الداخل الفلسطيني، عملت على الاستفادة من مثالب الاتفاق، للاختراق من خلالها صوبّ استغلال المناصب وتركيم المكاسب والامتيازات الخاصة على حساب الشعب الفلسطيني، الفئة التي استطاعت هيئة مكافحة الفساد الكشف بجدية عن كثير من مواطن فسادها، ونجاحها في استرداد ملايين الدولارات، منذ تأسيسها سنة 2010، من دون القضاء عليها كلياً. إن هذه «الفئة» التي اعتاشت وتمددت على خراب تبعات «أوسلو» لن تقرّ بسهولة بفشله، مثلما لن تسمح بتساقط جدرانها المرممة مما حصلت عليه، ولهذا ستكون إحدى العقبات الكؤود أمام نفاذ أي محاولة لإلغاء «أوسلو» وللاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال.
ويستتبع ذلك؛ في وجه آخر مغاير، تساؤل حول مصير تركة السلطة من الحجم الضخم لأعداد الموظفين، الذين تم تعيينهم منذ تأسيسها، والمقدر عددهم بنحو 172 ألف موظف من مدنيين وعسكريين، حيث يذهب الجزء الأكبر من إجمالي ميزانية السلطة العامة لرواتبهم، بينما يتوزع الباقي على القطاعات التنموية والخدمية الأخرى، ما شكل أمراً مرهقاً للميزانية وأحدث خللاً في هيكلة السلطة، وتدهوراً في أوضاع الضفة الغربية وقطاع غزة، الناتجة أساسا عن سياسة الاحتلال العدوانية. ورغم تواتر التأكيد الفلسطيني على قيام الاحتلال بإفراغ السلطة من مضمونها ومسؤولياتها وجعلها شكلية، سلطة بلا سلطة، ورغم أن «حلها» يجدّ قاعدته الشعبية الواسعة لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني، غير أن ثمة خطا سائدا في السلطة والقيادة الفلسطينية ما يزال يرى عدم استنفاد الخيارات الأخرى، باعتبار السلطة معبراً للدولة الموعودة وجهازاً خدمياً حيوياً. بينما يطلّ الانقسام الفلسطيني، الممتد منذ عام 2007، بظلاله القاتمة على أي رؤية أو برنامج استراتيجي وطني لمواجهة عدوان الاحتلال، وسط مساعي الأخير القائمة نحو مزيد من تجزئة الأراضي الفلسطينية وتفتيتها، بتكريس الفصل بين الضفة وغزة، وطرح مشاريع تصفوية لإقامة دولة في غزة تشكل حلاً بديلاً للدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، الخارجة عن حساباته.
لم يقدّر لأوسلو «الزحزحة» من مرحلته الانتقالية إلى طوّر آخر مغاير، أي إلى مرحلة إقامة الدولة التي لم يأتِ على ذكرها أساساً، مثلما يتوطّن في الذهن الإسرائيلي مخطط بأن السلطة، التي تأسست عام 1994 بموجب أوسلو، لن تكتمل نواتها نحو الدولة، بل ستبقى سلطة «قزمّية» أو كيان حكم ذاتي، أو ما شابه، معنية بالشؤون المدنية والسكانية والحياتية، فقط، خلا السيادة والأمن الموكولين للاحتلال.
وقد قاد إلى ذلك مأزق مسار «أوسلو» الناجم عن عدم الاتفاق على قضايا الوضع النهائي (اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والأمن والمياه) التي تشكل جوهر القضية الفلسطينية، بعدما أجلها إلى المرحلة النهائية من المفاوضات، فيما كان من المفترض انتهاء المرحلة الانتقالية منه عام 1999، ليس لأن الاتفاق يحمل بذور فشله، أو لاختلال موازين القوى لصالح الاحتلال فحسب، وإنما، أيضاً، لإصرار الكيان الإسرائيلي على تحكيم هذا الخلل في عملية فرض تسوية مرفوضة لا تحقق الحدّ الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني في التحرير وتقرير، مما أحدث مأزقاً حرجاً وأوضاعاً متدهورة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومساراً تفاوضياً متعثراً، رغم متوالية المؤتمرات والاتفاقيات التي لم تفض شيئاً. فالاحتلال، الذي سمع سابقاً مسألة التهديد «بحلّ» السلطة وتسليمه مفاتيحها، لن يقبل العودة للاحتلال المباشر، بل سيلعب على وترّ شلّ التنسيق الأمني وعدم تحويل أموال الضرائب المستحقة للشعب الفلسطيني، ومنع حركة تنقل المسؤولين الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة ومنها إلى خارج الوطن المحتل. أما تهديد بعض أقطاب حزب الليكود اليميني الحاكم بضمّ أراضي الضفة للكيان المحتل، فهو مرسل لا معنى له، في ظل الاحتلال الفعلي للأراضي المحتلة، وبالتالي فإن الاحتلال سيحثّ الخطى، في مختلف المستويات، لبقاء الوضع القائم المحتكم إلى متغيراته الاستيطانية والعدوانية في الأراضي المحتلة، وإخضاع أي تغيير مقبل لصالح قضمّ المزيد من الأراضي المتبقية خارج سيطرته، و»تقويض» حل الدولتين كلياً. وبالمثل؛ فلن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية عودة الأمور إلى مربع الصفر، وهذا لا يعني أن انفرادها بتلابيب ملف العملية السلمية، وتحييد دور الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، خلا الجانب الاقتصادي بالنسبة للأخير، وغضّ النظر عن انتهاكات الاحتلال في الأراضي المحتلة، قد أفضى إلى نتيجة أو مكاسب تريد الحفاظ عليها من الزوال، ولكن واشنطن المنشغلة بتبعات الاتفاق النووي الإيراني والتصدي لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، ستبقى حريصة على عدم فتح جبهة تهديد أخرى، عبر الإيحاء باستمرار الاهتمام بهذا الملف، من دون طرح رؤية لإنهاء الصراع أو امتلاك الإرادة لفرض حل متوازن، وذلك من خلال بثّ الروح في الجسد الميت للجنة الدولية الرباعية وبذل الجهود لاستئناف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، التي قد تفتح الباب أمام «أوسلو2».
بيد أن ذلك كله لا يعني التراجع عن تنفيذ قرار إلغاء «أوسلو»، والتحلل من الالتزام بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال، وليس الاكتفاء بلغة التهديد فقط، مما يتطلب معالجة الإشكاليات المصاحبة لنفاذ القرار، عبر «جدولة» التغيير الفلسطيني المنشود وليس «إعادة» جدولته، إن جاز التعبير، من خلال وضع استراتيجية وطنية موحدة، وإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة والوحدة الوطنية، وترتيب البيت الداخلي وإعادة تفعيل منظمة التحرير، لمواجهة عدوان الاحتلال المتواصل.
٭ كاتبة صحافية من الأردن
د. نادية سعد الدين