ينشغل المحللون، هذه الأيام، بطبيعة التدخل العسكري الروسي المباشر في الصراع الدائر على سوريا وأهدافه.
وتتدحرج التوصيفات، في هذا السياق تباعا وفق خلفيات مهما تباينت أبعادها وتنوعت ألوانها، إلا أنها جميعا تدور حول محور واحد يشي بانعطافة جيوسياسية في السياسة الخارجية الروسية في الشرق الأوسط، لم يعد كافيا إدراجها ضمن محاولات بسط النفوذ أو توسعته والمنازلة بين القوى العظمى الاقليمية والدولية، في إطار ما بات يسمى بالحرب الباردة الجديدة، التي لا تشكل حروب الشرق الأوسط سوى رأس الجبل الجليدي فيها، بعد أن انفلت الدب الأبيض من عقاله، وأصبحت مخالبه مغروسة في عمق الجسد السوري الجريح، ما يجعل من توصيف» الاحتلال» الصيغة الأقرب إلى الواقع في هذه الحالة.
المحللون السوريون ليسوا استثناء، فهم منهمكون كذلك في قياس سقف العدوان الروسي على البلاد، وكثيرون منهم يدرجونه في إطار الإسطوانة المشروخة التي تتحدث عن مؤامرة كونية على سوريا، سواء كانوا في صفوف الموالاة، أم في طوابير المعارضة، كل حسب ضرورات التوظيف العابر للحظة سياسية سيكون لها ما بعدها وما قبلها في مآلات القضية السورية، المستعصية ظاهريا على الحلول، لا لشيء إلا لأن أصحاب تلك التحليلات الاستراتيجية يظهرون بمظهر القادم من كوكب آخر، أو بلاد أخرى، وكأنهم ليسوا أول المعنيين في شأنهم الوطني، مغفلين، بذلك، بداهة حضور العامل الخارجي الدائم في أي صراع حول العالم عموما، وحضور هذا العامل بشقيه الإقليمي والدولي في الصراع على سوريا على وجه الخصوص.
في هذا السياق من اللامبالاة والتيه، وفي محاولة لرد الصراع في سوريا إلى جذوره الحقيقة المتمثلة في الصراع السياسي على سلطة مغتصبة منذ عقود من الزمن، لا بد من التذكير بتلك المحطات المفصلية في التاريخ السياسي لسوريا الأسد، التي مرت، على خطورتها، مرور الكرام في تاريخ سوريا الحديث تحت عنوان عريض لطالما شكل السمة الأبرز، وربما الوحيدة، في السياسة الخارجية للنظام السوري، وهي سمة التنازل عند كل منعطف، والمساومة والمتاجرة بالجغرافيا والديموغرافيا السوريتين، وبيع كل ما يمكن بيعه من مقدراتهم وامكانياتهم وتطلعاتهم، في سبيل الحفاظ على تلك السلطة بين أيدي حفنة من المارقين والمرتزقة، الذين حكموا البلاد بقوة الحديد والنار وساوموا على كل شيء ما عدا سلطتهم.
لكن يبدو أن المتاجرة الجزئية أو تجارة التجزئة بتلك المقدرات الوطنية للشعب السوري لم تعد كافية لانقاذ النظام، وأن الأثمان فاضت عن مكيال التنازل عن قطعة أرض سورية هنا أو هناك، أو عن سياسة بيع المواقف السياسية، وتقديم الخدمات الأمنية والعسكرية لكل من هب ودب حتى لو جاءت على حساب السوريين، وأقرب حلفاء النظام في مرحلة سياسية ما، كالأكراد والفلسطينيين واللبنانيين، فقد أصبحت تلك الأثمان تطال الوطن برمته، وتمتد على كامل ترابه، من خلال استقدام قوى خارجية لا يمكن وصفها إلا بقوى الاحتلال، ومحاولة إضفاء صبغة شرعية عليها، اتكاء على اتفاقيات وبروتوكولات ثنائية تفتقر إلى الشرعية القانونية والمنطق السياسي، بعد أن وضع الشعب السوري بانتفاضته التاريخية شرعية نظام الاستبداد الذي يحكمه على المحك، ونزع عنه صفة تمثيله على المستويين الداخلي والخارجي، وبعد أن امتلك ناصية الشرعية الثورية ودفع في سبيلها أثمانا باهظة غير مسبوقة من الغريب والمعيب أن تذهب أدراج الرياح.
لن تغير تلك التحليلات من واقع الجرح السوري شيئا، طالما أن التركيز فيها ينصب على العوامل الخارجية ويغفل العامل الوطني، ذلك أن طبيعة الاحتلال لن تبدله الاستنتاجات التي يمكن أن تتوصل إليها تلك التحليلات، بينما لن تتبدل، كذلك، طبيعة الارتهان إلى الخارج، معضلة الثورة السورية، ونقطة القوة الوحيدة التي يمتلكها النظام السوري، فلا فرق هنا بين احتلال ايراني لدمشق، أو احتلال روسي لمنطقة الساحل، مثلما لا يهم اتهام الغرب بالسعي إلى إعادة تأهيل النظام، أو الحديث عن تواطؤ أمريكي روسي في الشأن السوري، أو عن تعاون روسي اسرائيلي ايراني في سوريا، أو التشهير بمن يرفع شعار وقف تمدد الربيع العربي عند أسوار دمشق، طالما أن العنوان العريض لكل هذه السياسات المعادية لمصالح الشعب السوري الوطنية يندرج تحت شعار محاربة تطرف تنظيم الدولة الاسلامية، الذي يعد عاملا خارجيا آخر من شأنه تقويض تطلعات السوريين نحو الديمقراطية، بعد التخلص من نظام الاستبداد، حاله في ذلك حال التدخلات الاقليمية والدولية الأخرى في الشأن السوري.
بعيدا عن وهم التنظير وإغواء التحليلات الجيوسياسية وإغراء لغة السيناريوهات المحتملة، يمكن القول إن سوريا لن تقوم لها قائمة طالما ظل السوريون، جماعات وأفرادا، يتدثرون بعباءة الخارج، ويبتلعون طعومه السامة الواحد تلو الآخر، ويجيزون تقزيم قضيتهم وحشرها في مربع تيه اللاجئين من جهة، وفزاعة ما يسمى بالارهاب من الجهة الأخرى، عليهم انتزاع قضيتهم من براثن الغريب واحتضانها بأنفسهم وإعادتها إلى مسارها الصحيح وتقليع شوكهم بأيديهم، على حد تعبير الزميل ماجد كيالي، فالجميع يعلم علم اليقين أن هاتين القضيتين تحديدا، جاءتا لاحقتين لإنجازهم التاريخي المتمثل في كسر حاجز الصمت الطويل عندما صدحت حناجرهم مطالبين بالحرية والكرامة، وذلك لن يتأتى إلا من خلال إعادة تشكيل أنفسهم أينما كانوا وعلى المستويات كافة، ولا سيما في الداخل السوري وفي تجمعات اللاجئين الكبرى في دول الجوار. بكلام آخر، يتعين على الشعب السوري وحلفائه الحقيقيين حول العالم تصحيح وضعية وقوف الجسد السوري، وجعله يقف على قدميه بعد أن ظل واقفا على رأسه طوال السنوات السابقة، من خلال الحاق العمل الخارجي بنظيره الداخلي، فضلا عن الحاق الجانب الانساني من التغريبة السورية بجوهرها السياسي وليس العكس، الأمر الذي جعل كل الأصوات تعلو على صوت المعنيين في الأمر، مثلما جعل قضية اللاجئين السوريين في أوروبا، على سبيل المثال، تبدو وكأنها تتموضع في مقدمة الصراع وليس في طرف ذيله، وذلك على قاعدة وحدة الأرض والشعب ووحدة الانتماء والمصير والنأي بالنفس عن الانتماءات الضيقة والأجندات الغريبة والمصالح الفئوية، التي لن ترى النور إلا في بوتقة وطنية ديمقراطية جامعة، غير ذلك من شأنه إبقاء مستقبل سوريا طي المجهول، تتلقفه أيادي قادة من خارج الحدود، مثلما من شأنه أيضا صب الزيت على النار السورية المتقدة.
في الوهلة الأولى، يبدو هذا الخطاب طوباويا بعض الشيء، لكن مع قليل من التمحيص، تتجلى واقعيته رويدا رويدا، ويصبح التعويل عليه، وعلى ما يمكن أن تبتكره العقلية السورية الفذة من رؤى ووسائل وتشكيلات قادرة على الخروج بالشعب السوري مما يبدو طريقا مسدودا، أمرا لا غنى عنه في نهاية المطاف، ومعولا ينبش الدمامل ويزيل العوالق التي تراكمت على جدران الجسد السوري من الخارج ولم تتمكن بعد من المساس بفطرته السليمة.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة