لندن – «القدس العربي»: برز زبينغو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة الرئيس جيمي كارتر داعيا للتعاون الأمريكي – الروسي في سوريا. وذكر بالكيفية التي اندلعت بها الحرب العالمية الأولى، فقد «بدأت بسلسلة من أعمال العنف الفردية التي تراكمت ووصلت إلى عمليات عسكرية لم يعد من الممكن التراجع عنها، وكان ينقصها الاتجاه الاستراتيجي أو الهدف. وما بقي أصبح تاريخا حيث خاضت القوى في أوروبا أربع سنوات من الذبح من أجل تحقيق أهداف طموحة حددتها القوى المنتصرة بأثر رجعي». هذا عن الحرب العالمية الأولى، فما علاقتها بالحرب الجارية في سوريا منذ خمسة أعوام تقريبا؟.
يرى بريجنسيكي أن هناك فرصة لمنع تكرار وتوسع الحرب المؤلمة التي انفجرت الآن في الشرق الأوسط وتحديدا في سوريا. ويشير إلى أنه دعم قرار الرئيس باراك أوباما عدم استخدام القوة في المأساة السورية «فاستخدام القوة للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد – كما يدعو بعض أصدقائنا في الشرق الأوسط، غير مفهوم في غياب إجماع محلي حقيقي داعم له سواء في سوريا أو أمريكا. وأكثر من هذا، فالأسد ليس مجبرا على الاستجابة لإلحاح واشنطن كي يتنحى عن السلطة أو يخاف من هرج ومرج الولايات المتحدة التي تقوم بتنظيم مقاومة ديمقراطية ضد حكمه».
وعود الملف النووي
ويعتقد بريجنسكي أن الاتفاق النووي المهم الذي تم تحقيقه بسبب التعاون الأمريكي – الروسي وبمساعدة من القوى الأخرى أحيا الآمال بإمكانية حصول تعاون مماثل في الموضوع السوري وبدعم من روسيا والصين. ولكن موسكو قررت التدخل عسكريا واختارت عدم التعاون سياسيا أو تكتيكيا مع الولايات المتحدة الأمريكية – وهي الدولة الرئيسية المنخرطة في محاولات الإطاحة بنظام الأسد. ويرى بريجنسكي أن العرض العسكري في سوريا كان في أحسن حالاته تعبيرا عن العقم العسكري الروسي، وكان يهدف في أسوأ حالاته لإظهار العقم السياسي الأمريكي. وقد وضع التدخل الروسي مصداقية الولايات المتحدة ومستقبل الشرق الأوسط على المحك. ومن هنا لم يعد لدى الولايات المتحدة سوى خيار واحد إن أرادت الحفاظ على مصالحها الأوسع في المنطقة وهو إيصال رسالة واضحة لروسيا تطالبها بالتوقف عن ضرب المصالح التي تهم الولايات المتحدة هناك. في إشارة للغارات التي قالت واشنطن إنها استهدفت جماعات سورية تلقى الدعم من الأمريكيين. ويعترف الكاتب بأن لروسيا الحق كل الحق في دعم الأسد، ولكن أي تحرك جديد كالذي حصل في بداية الغارات يجب أن يؤدي إلى رد فعل انتقامي من الولايات المتحدة.
ويشير إلى أن القواعد العسكرية والوجود الجوي الروسي عرضة للهجمات ومعزولة جغرافيا عن روسيا الأم، ولهذا فمن السهل تفكيكها لو أصر الروس على استفزاز الولايات المتحدة. ومن الأفضل إقناع الروس للعمل مع الولايات المتحدة للبحث عن حل للمشكلة التي تتجاوز مصالح أمة بعينها. ولو حصل هذا فسيظهر نوع من التعاون العسكري والسياسي المحدود، والذي سيقود إلى تطورات جيو – سياسية إيجابية في المنطقة: انخراط بناء للصين لاحتواء مشاكل الشرق الأوسط.
دور صيني
ويعتقد المسؤول السابق أن الصين لديها مصالح مهمة تدفعها لمنع وقوع أزمات كبيرة في الشرق الأوسط. ويجب أن لا يقتصر اهتمام الصين على منع انتشار العنف، بل يجب والحالة هذه أن يكون لها تأثير إقليمي. ويشير إلى أن فرنسا وبريطانيا لن تستطيعا لعب دور حاسم في الشرق الأوسط، وتجد الولايات المتحدة أيضا صعوبة في لعب هذا الدور. فقد أصبحت المنطقة منقسمة بناء على الخطوط الإثنية والطائفية والجهوية والسياسية والدينية. ولن تحل هذه الرزمة من المشاكل إلا بدعم خارجي، ويجب أن لا يتخذ شكلا من أشكال التسيد الاستعماري الجديد. ومن هنا تحتاج الولايات المتحدة لسياسة ذكية وبصيغة جديدة تطبق على مشاكل المنطقة. وفي الوقت الذي قد تفضل فيه الصين الوقوف على الحياد وتقوم، فيما بعد، بجمع القطع المتناثرة لكن المشكلة تنبع من انتشار الفوضى الإقليمية وتمتد إلى وسط وشمال – غربي آسيا، وهو ما يعني تأثر كل من روسيا والصين، وكذلك مصالح الولايات المتحدة وأصدقائها «ولهذا فقد حان الوقت للجرأة الاستراتيجية».
ويعبر مقال بريجينسكي عن الدور الذي لعبته الأزمة السورية في انقسام العالم، فقد تحدث جون ماكين، السناتور الجمهوري عن حرب بالوكالة تجري اليوم بين روسيا والولايات المتحدة التي ستجد نفسها أمام تحد من روسيا وآخر لمواصلة الحرب على تنظيم الدولة. لكن العملية الروسية التي دخلت باسم مكافحة الجهاديين لم تصل طائراتها إليهم بعد، والسبب على ما يرى محللون هو محاولة لإحباط الجهود الأمريكية في شمال وجنوب سوريا.
مناطق آمنة
ويرى دبلوماسيون نقلت عنهم صحيفة «فايننشال تايمز» أن الضربة الروسية أدت لإحباط الجهود الأمريكية والحلفاء لإنشاء مناطق آمنة في شمال وجنوب سوريا. ونقلت عن دبلوماسيين قولهم إن المسؤولين الأمريكيين كانوا قد اقتربوا من اتفاق لفرض مناطق حظر جوي ضد النظام السوري يقوم على خطط تقدمت بها تركيا والأردن بداية العام الحالي. ويعتقد الكثير من المسؤولين أن قرب فرض المناطق هذه في الشمال والجنوب دفع موسكو إلى شن الغارات الجوية والتدخل العسكري الذي بدأ التحضير نهاية الشهر الماضي. ونقلت الصحيفة عن دبلوماسي أوروبي بارز قوله «السبب الرئيسي لما يحدث هو التركيز المتجدد على سوريا والحاجة لنوع من الحل السياسي، وهو ما اعتقدنا أننا سنحققه بفرض مناطق حظر جوي ومناطق آمنة»، إلا أن»أي أمل للتعاون مع الروس لإنجاز هذا، حتى في ضوء نشر القوات المفاجئ قد تلاشى». وبحسب جاستين برونك المحلل في المعهد الملكي للدراسات المتحدة في لندن «أصبحت القوات الروسية في وضع تجعل من فرض حظر جوي على الطريقة الليبية الذي فرضته الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها أمرا غير ممكن إلا في حالة استعد دول التحالف الدولي قصف المقاتلات الروسية». وأضاف أن «الروس لا يلعبون بفكرة تجنب التصادم في الجو ولكنهم يقولون: ابتعدوا عن طريقنا. وعليه فعمليات التحالف في سوريا ستكون معقدة من زاوية تقييم المخاطر ومن ناحية التخطيط للعمليات». وقالت الصحيفة إن مهام الاستطلاع ستتأثر وتصبح معقدة أكثر.
ونقل عن مسؤول في الحلف الأطلنطي أن المنظمة تتوقع رؤية «تكتيكات الحرب الباردة» وتلك الأسالييب التي استخدمتها روسيا مع دول بحر البلطيق. وترى الصحيفة أن منع دول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من إنشاء مناطق آمنة مهم لموسكو. فمع تراجع مساحة المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، خاصة في الأشهر الماضية فإن إنشاء مناطق حظر جوي وآمنة كان سيجبر النظام على التفاوض، مما كان سيؤدي لتراجع التأثير الروسي. وعليه فبعد التدخل الروسي، فأي عملية سياسية إن جرت ستجري بناء على الشروط التي تريدها موسكو. ويقول أليكس كوتشاروف المحلل الروسي في «أي أتش أس جينز» للاستشارات الدفاعية «تخدم العمليات العسكرية الروسية المصالح السياسية الكثيرة. ويضيف إن خطط الناتو والولايات المتحدة لإقامة مناطق حظر جوي تذكر بوتين بليبيا «فقد شعر بوتين بالصدمة للإطاحة بنظام القذافي» و «هناك دوافع شخصية لكل هذا».
واثق
ومن هنا فقد منح التدخل الروسي نوعا من الثقة للرئيس السوري الذي تحدث لقناة «الخبر» الإيرانية وأكد في حديثه على أهمية انتصار «التحالف» الذي تقوده روسيا ضد «تنظيم الدولة» وإلا دمرت كل المنطقة. وقال «إلى متى ستستمر هذه الحرب؟ هذه الحرب ستستمر حتى يهزم الإرهاب الشعب أو يهزم الشعب الإرهاب. ولهذا نعول كثيرا على التحالف وعلى التطورات الدولية». لكن الغارات الجوية لا تضرب «تنظيم الدولة» الذي واصل عمليات تدميره في تدمر ولكنها تستهدف جماعات المعارضة السورية، فهي لا تضرب الرقة أو دير الزور بل يحلق الطيران الروسي فوق إدلب وجسر الشغور. ودعت التطورات الجديدة في سوريا دول التحالف الغربي إلى التخطيط لعمل عسكري جديد.
حملة جديدة
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن خططا يجري العمل عليها لفتح جبهة جديدة ضد التنظيم في شمال – شرقي سوريا. وتقول إن الرئيس أوباما وافق الأسبوع على خطوتين مهمتين من أجل بدء العملية في الأسابيع المقبلة. فقد أمر، ولأول مرة، البنتاغون لتقديم الأسلحة والذخيرة للمقاتلين السوريين. ووافق على زيادة الغارات الجوية من القواعد العسكرية في تركيا ضد «تنظيم الدولة». وترى الصحيفة أن هاتين الخطوتين تهدفان لتقوية 3.000-5.000 من المقاتلين العرب والذين سينضمون إلى مقاتلي الحماية الشعبية التابعين لحزب «الاتحاد الديمقراطي» للقيام بعملية مدعومة من الطيران ضد معقل «تنظيم الدولة» في مدينة الرقة، شرق سوريا. وتضيف الصحيفة أن التحضير للعملية جار حيث سيقوم مقاتلو المعارضة السورية بإغلاق شريط حدودي طوله 60 ميلا على الحدود مع تركيا من أجل قطع خطوط الإمدادات عن التنظيم. وأشارت لتعهدات الرئيس أوباما التي قال فيها إنه سيتخذ كل الإجراءات الضرورية لمواجهة التنظيم في العراق وسوريا. ويعتمد مدخل إدارة أوباما الجديد على المقاتلين العرب الذين تم التحقق من ملفات قادتهم. وأكد أوباما «الرسالة الأولى التي يجب أن يفهمها كل شخص هي أننا سنواصل ملاحقة تنظيم الدولة»، وأضاف «سنواصل العمل مع المعارضة المعتدلة».
ويقول المسؤولون البارزون في الإدارة أن العملية الجديدة تحمل الكثير من الوعود وقد تؤدي لتغيير دينامية المعركة على الأرض. ولكنها تأتي بعد عام من بدء الغارات الجوية ضد الجهاديين وأصبحت بعبارات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي الشهر الماضي في حالة من «الجمود التكيتيكي». وأيا كان الهجوم فنتائجه مرتبطة بقدرة التنظيم الجهادي على المقاومة، خاصة أنه أثبت في عدد من المناسبات قدرة وتصميما على البقاء. وتشير الصحيفة إلى إن الحملة الأمريكية الجديدة في شمال – شرقي سوريا ستجري بعيدا عن الغارات الجوية الروسية التي تركز على الجماعات المعارضة للأسد. فالحملة الأمريكية الجديدة في الشمال ستركز على إضعاف سيطرة التنظيم في معقله الرقة، رغم أنه لا يزال يسيطر على الرمادي والموصل في العراق وتدمر في سوريا. وكان لويد أوستن، قائد القيادة المركزية قد ألمح الشهر الماضي لولادة استراتيجية جديدة حيث أكد أمام لجنة القوات المسلحة بأن الأشهر المقبلة ستشهد «ضغوطا على مناطق رئيسية في سوريا، مثل مدينة الرقة». وأضاف أن القواعد الجوية التركية أعطت الأمريكيين «القدرة على زيادة التركيز ووتيرة الهجمات على المناطق في سوريا وهو ما سيحرك بالتأكيد الأمور في العراق».
مصادقة
وكان الرئيس أوباما قد عقد اجتماعا لمجلس الأمن القومي حيث وافق على عدد من الملامح الرئيسية للاستراتيجية. وفي هذا الاجتماع صادق أوباما على الفكرة الرئيسية في الاستراتيجية، وهي دعم المقاتلين الأكراد والعرب لضرب الرقة وتقديم غطاء جوي لهم. وألمح جون كيري، وزير الخارجية إلى الخطوط المهمة في الاستراتيجية عندما التقى في الأمم المتحدة يوم الأربعاء بنظيره الروسي، سيرغي لافروف، حيث أكد على استمرار الولايات المتحدة في دعم المقاتلين المعادين لـ»تنظيم الدولة» في شمال – شرقي سوريا. وقال إن «تنظيم الدولة» «سيواجه ضغطا من عدة اتجاهات في ساحات المعركة في سوريا والعراق». وتقول الصحيفة إن فكرة الحملة العسكرية الجديدة نبعت من القتال في كوباني/عين العرب التي دخلها مقاتلو «تنظيم الدولة». ولم يتم إجبارهم على الخروج منها إلا بدعم جوي قدم لقوات الحماية الشعبية التي كانت على اتصال دائم مع القوات الأمريكية الخاصة في شمال العراق. ونجح التعاون بطرد التنظيم ليس من عين العرب/كوباني بل من مناطق واسعة تقع بين نهر الفرات والحدود مع العراق. وتم توسيع العملية الآن لتضم بالإضافة للقوات الكردية مقاتلين عرب جاء ضمهم لتخفيف القلق التركي من خطط الأكراد رسم دويلة لهم على حدود تركيا.
ويسمى الجزء العربي من القوة «التحالف العربي السوري» وهو تجمع من 10-15 فصيلا ويبلغ تعداده ما بين 3.000-5.000 مقاتل. وقام المسؤولون الأمريكيون بالتدقيق في ملفات قادة الفصائل للتأكد من أنهم يوافقون المعايير التي وضعها الكونغرس عندما وافق على ميزانية 500 مليون دولار لتدريب المعارضة السورية. ولا تهدف الحملة الحالية للسيطرة على مدينة الرقة بل عزلها وقطع خطوط الإمداد إليها. وكما وتهدف أيضا لتوسيع مجال الغارات الجوية التي تشارك فيها دول أخرى مثل فرنسا وأستراليا وتركيا. ومن خلال هذا سيتم توفير الحماية الجوية للجماعات السورية المعارضة لنظام الأسد. ولأن الخطة تم رسمها قبل الحشد الروسي في اللاذقية يقول المسؤولون إنها لن تتوقف بسبب الغارات الروسية وقد تلجأ الولايات المتحدة لمحادثات مع الروس لتجنب التصادم في الجو بين الطيران الروسي والأمريكي.
إبراهيم درويش