الطبخة بدون «طهي» فقط في الأردن

الفارق لا يستهان به وكبير إلى حد معقول بين هجوم معاكس باسم الشد العكسي على قانون الانتخاب الجديد المصنف بأنه إصلاحي وبين توجيه الانتقادات للقانون بسبب ثغرات تظهر مجددا وجود قصور في الطهي قبل انضاج الطبخة.
الجدل يتفاعل في بلد كالأردن على قانون الانتخاب الجديد وبدأ يأخذ هيئة السخونة لقانون يفترض أن يجمع عليه القوم ويتوافق عليه أركان لعبة السياسة والتشريع ويعبر بهدوء وضجيج دونما اعتراضات.
ما نقل عن رئيس مجلس الأعيان، عبد الرؤوف الروابدة، بخصوص عدم وجود أب شرعي للقانون الذي اقترحته الحكومة قد ينطوي تحت دائرة مناكفة الإتجاه القوي لإقرار هذا القانون وقد يقع ضمن تصنيف وجهات نظر التيار المحافظ لكنه على الأرجح رسالة تستهدف رئيس الوزراء الدكتور عبدالله النسور.
لكن بكل الأحوال لرجل مثل الروابدة الحق في تشريح القانون وقول وجهة نظره وللطبقة السياسية الكلاسيكية التي يمثلها الحق الأكيد في مناقشة نصوص والاعتراض عليها ما دامت ملتبسة او غامضة او حتى غير جاهزة.
لا شكوك في ان قانون الانتخاب الجديد في الأردن ينطوي على جرعة لا يستهان بها من الإصلاح ويعكس رغبة ملكية في التغيير. ولا جدل في أن دفن قانون الصوت الواحد خطوة تستحق التقدير نظرا لما أنتجه هذا القانون من تشويه في الحياة السياسية ومن تفتيت لقوى المجتمع المسيسة المنطقية لصالح التعبير المرتبط بالهويات الفرعية المحلية ولصالح الثقل العشائري وبصورة كرست منهجية نواب الخدمات على برامج نواب الوطن.
لكن النقاش مسموح وينبغي ان يكون كذلك في نقطتين أساسيتين.
أولا ـ من غير المنطقي منع رموز التيار المحافظ بدون اقناعهم من الإدلاء برأيهم خصوصا وأنهم يمثلون الطبقة البيروقراطية التي حظيت بفرصة إدارة الدولة وراكمت المكاسب بالتحالف مع النظام ضد الإصلاح السياسي طوال عقود في الماضي قبل العهد الجديد.
ثانيا – ألرغبة في تخصيص غطاء عبر إرادة سياسية لإقرار قانون عصري وحديث للانتخابات ينبغي ألا تفلت التفاصيل وتحديدا تلك التي تسمح عمليا بوجود ثغرات أساسية يمكن استثمارها لصالح المعترضين من قوى الشد العكسي.
وحتى نكون صريحين لا بد من القول إن بعض النقاط والمفاصل في قانون الانتخاب الجديد مازالت غامضة. وهو غموض يظهر نمطا من القصور في النص والغطاء من الواضح ان مسؤوليته ترتبط بالطبقات التنفيذية التي تخفق مرة أخرى في إنتاج نص تشريعي إصلاحي يرقى فعلا إلى مستوى المبادرة الملكية.
هنا حصريا لا بد من تمييز بعض الشكوك في الأسباب والخلفيات التي دفعت طاقم التنفيذ الإجرائي لإنتاج نص قانون غير مكتمل او فيه مظاهر من القصور وعدم النضج..
نظريتان في الافق لتفسير هذا الغموض الأولى: انه مقصود حتى يتم اجهاض نظام الانتخاب الجديد ويقود في المحصلة لنفس نتائج قانون الصوت الواحد الميت.
والثانية: انه ناتج عن قدرات وامكانات الطاقم التنفيذي ألذي لم يتنبه لوجود مطبات يمكن أن تستثمرها قوى الشد العكسي. وهنا حصريا ندخل في مستوى الاشتباك مجددا مع السؤال المتواصل في الإدارة الأردنية العليا حول أسباب وخلفيات اختيار أشخاص وتدوير شخصيات بعينها في المناصب العليا.
يعرف الجميع أن بعض سكان الطبقة العليا من كبار الموظفين بمن فيهم بعض موظفي الديوان الملكي وقفوا بشراسة طوال عقدين في الخندق المناصر لقانون الصوت الواحد الانتخابي.
ويعرف الجميع ان رئيس الديوان الملكي الحالي الدكتور فايز الطراونة – عندما كان رئيسا للوزراء – كان أول تصريح له يتعلق بإبقاء قانون الصوت الواحد على قيد الحياة.
داخل الحكومة وفي العديد من مراكز القرار ثمة التباس وغموض. فلا احد يتوقع نضالا ودفاعا شرسا لصالح الرؤية الملكية الإصلاحية في قانون الانتخاب من موظفين كبار وأساسيين بنوا مجدهم على سجل حافل بإعاقة الإصلاح السياسي. ولا أحد يتوقع ان يدافع محافظون بارزون عن وصفات إصلاحية ديمقراطية بصدق وجلد وإيمان فمثل هذه المساحات تحتاج لمؤمنين بها أكثر من حاجتها لموظفين يتولون ترويجها وتسويقها بيد، ويعبثون بها باليد الأخرى لصالح تحالف مفترض ضد الإصلاح لا يتعلق فقط بقانون الانتخاب وإنما باستمرار لعبة تحذير وتخويف النظام والمؤسسة والشعب من تداعيات وكلفة الإصلاح السياسي.
نتفق مع سياسي من وزن الدكتور ممدوح العبادي وهو يتحدث عن ديمقراطيين يؤمنون بالديمقراطية ويصنعونها ولا نؤمن بحرمان اي كان من حقه في الرأي والمشورة والاعتراض. فحتى الطبقة المحافظة لديها ما تقوله ومن يهاجمون قانون الانتخاب الجديد اليوم يتعاملون مع ثغرات يمكن القول أنها غير طبيعية في النص وحشرت فيه لأسباب ملتبسة.
يتحدث كبار الخبراء في هذه الزاوية تحديدا عن عدم وجود نص يحدد عتبة لعد الاصوات والإحصاء وطريقة حسابها في القائمة النسبية الجديدة ويتحدث آخرون عن عدم وجود مبررات لإلغاء القائمة الوطنية واستبدالها بقائمة نسبية على مستوى الدائرة الانتخابية. والمقاومة ولدت مبكرا لفكرة إضافة مقاعد في البرلمان لصالح مدن الكثافة السكانية.
باختصار ثغرات ومشكلات القانون الجديد لا يمكن التقليل من شأنها لكنها تستثمر في الهجمات المعاكسة وبشكل واضح يثير الارتياب.
قلنا سابقا ونكرر أهمية وجود نصوص في قانون الانتخاب، لا يمكن انجاز الإصلاح السياسي حتى لو حضر القوم بأفضل قانون عصري في العالم .. المسألة مسألة ارادة سياسية حقيقية في الإصلاح والتغيير واتخاذ قرار استراتيجي عميق وقطعي وجذري على المستوى السيادي بتجريب انتخابات نزيهة ولو لمرة واحدة وهي عملية تبدأ ببساطة من اختيار رموز ديمقراطية فعلا لإدارة الواقع الديمقراطي والانتخابي.
دون ذلك سيدور الجميع في نفس المستوى البيزنطي من الجدل ودونه سنبقى نقرأ مثل الأخبار التالية .. نائب يطلق الرصاص من الكلاشنيكوف تحت القبة وزميل له يهدد بنتف لحية الشيخ حمزة منصور ويضرب زملاءه ونائب ثالث يبرر إنضمام ولده للإرهاب ورابع يبتز الوزراء وخامس يضرب عاملا وافدا وسادس يتسبب بأزمة للعلاقات الاستراتيجية للدولة وسابع يثير فتنة عامة .. الخ.
النواب السياسيون حقا والحزبيون لا يفعلون كل ذلك، وقانون الانتخاب نفسه ليس المشكلة.

٭ إعلامي اردني من اسرة «القدس العربي»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية