عانت بغداد على مدى تاريخها من فيضان نهر دجلة، وكان موسم الفيضان يبدأ عادة من منتصف آذار/مارس وحتى نيسان/أبريل، حيث يرتفع مستوى نهر دجلة ليهدد بشكل خاص جانب الرصافة، لأن هذا الجانب أقل ارتفاعا من جانب الكرخ، وكانت الوسيلة الرئيسية لحماية بغداد هي سدة ناظم باشا شرق بغداد، التي بناها ناظم باشا والي بغداد عام 1910 ولمدة عشرة أشهر فقط، حيث غادرها عام 1911 وقتل على يد حزب الاتحاد والترقي عام 1913. والسدة عبارة عن مرتفع ترابي يمتد من الصليخ شمال بغداد وحتى الزعفرانية جنوبها، وكانت هذه السدة تعاني من سوء الصيانة حتى ذلك الوقت، وقد فقدت قيمتها عند انتهاء تنفيذ مشروع الثرثار عام 1956.
كانت الحكومة العراقية في تلك الفترة قد شكلت برئاسة محمد فاضل الجمالي (1903 1997) وكان وزير الداخلية فيها سعيد قزاز (1904 1959)، الذي كان أكثر الوزراء شهرة وكفاءة ولا يعرف الخوف إلى قلبه سبيلا، وكان وزير الزراعة فيها عبدالغني الدلي الذي كان أصغر الوزراء سنا، أما صانع الوزارات نوري السعيد، السياسي الشهير، فلم يكن يحتل آنذاك أي منصب سياسي، على الرغم من كونه أقوى شخصية سياسية في البلاد.
وامتازت الأحوال في العراق ببعض الانفلات النسبي في فترة وزارة الجمالي هذه، لسماحه للحزب الشيوعي بالتحرك بحرية نسبية، على الرغم من معارضة الوزير سعيد قزاز لذلك، ولهذا السبب كان الارتباك واضحا داخل عمل الحكومة حول معالجة الأمور التي تأزمت في منتصف آذار/مارس 1954 بسبب ارتفاع مستوى نهر دجلة المعتاد، إلا أنه كان هنالك اختلاف هذه المرة، فقد كان الارتفاع أسرع من المعتاد، ما أثار المخاوف والقلق في أوساط الدولة والمواطنين على حد سواء، وتطور الأمر إلى أزمة كادت أن تؤدي إلى كارثة رهيبة، ولم يسبق أن انتشر الرعب بين سكان المدينة كما حدث آنذاك، وقامت الصحف العراقية بتغطية مسهبة للأحداث، بالإضافة إلى زيادة انتشار الإشاعات التي بالغت في تصوير الخطر وإعطاء استنتاجات خاطئة حول الحلول التي يجب اتباعها، ووصل الأمر إلى حدوث مناقشات حادة في مؤسسات الدولة، فمثلا قام نصرة الفارسي العضو في مجلس النواب بسؤال وزير الزراعة عبدالغني الدلي حول الحل الذي ستعتمد عليه الحكومة للخروج من هذا المأزق، فأجاب الدلي بأنه على اتصال بخبراء مجلس الإعمار للتوصل إلى حل، وطلب منهم القيام بالإجراءات اللازمة.
وفي هذه الأثناء كانت مياه دجلة ترتفع والمخاوف تزداد حتى حل يوم 22 مارس، حيث وصل مستوى دجلة درجة الخطورة والارتفاع مستمر، فتم عقد اجتماع وزاري برئاسة الجمالي يوم 24 مارس لمناقشة الأزمة، وبعد الاستماع إلى اقتراحات وزارة الزراعة التي مثلها عبدالمجيد عباس تم الاتفاق على تخويل مديرية الري العامة باتخاذ أي إجراء تجده مناسبا والقيام بعمل فتحات (كسرات) في المواقع شمال بغداد لتخفيف الضغط على المدينة حسب تقديرها، إلا أن الموقف استمر في التدهور، فمستوى النهر مستمر في الارتفاع، وغمرت المياه بعض القرى والمناطق، ما أدى إلى تشرد سكانها شمال بغداد، كما أخذت المياه تدخل بعض المناطق القريبة من النهر داخل المدينة، فعلى سبيل المثال تحولت ساحة السراي الكبرى ومديرية الدعاية العامة إلى بحيرات، ما أدى إلى تقييد حركة المواصلات في بغداد ذاتها، وتحديد إمكانية الموظفين الحكوميين في التنقل بين منازلهم ومقرات عملهم.
واقتصرت المحاولات الحكومية على إجراءات غير كافية لتقوية سدة ناظم باشا، واشتركت في هذه المحاولات كل أجهزة الدولة المدنية، بالأضافة إلى اشتراك المواطنين العاديين ليلا ونهارا، وحتى تحت ضوء الفوانيس، وقامت السلطات بتطهير المناطق المحتوية على النفايات والمياه الراكدة لئلا تسبب مخاطر صحية للسكان، وفي هذه الأثناء كانت الإشاعات المستندة إلى الخيال تزداد عددا وانتشارا، فمثلا ذكرت إحداها أن الحكومة العراقية ستوقف خدمة المياه الصالحة للشرب لثلاثة أيام، ومن هذه الناحية كان لإذاعة بغداد دور فعال في دحض هذه الإشاعات، وقامت بإذاعة نشرة كل نصف ساعة حول تطورات الموقف، تميزت بالدقة، وأحيانا بالنقل الحي للجهود المبذولة، وكانت تملأ الفترات بين النشرات بأغاني أم كلثوم والأناشيد الوطنية، ما سبب نقد بعض المواطنين لها متهمين إياها بالاستخفاف بالموقف، إلا أن آخرين أبدوا ثناءهم لها لمحاولة التخفيف من التوتر الشديد.
ولم يكن الحزب الشيوعي ليدع هذه الكارثة أن تفلت من بين يديه ليستغلها لمصلحته، فقام بالطلب من أنصاره بالمساعدة في تقوية السدة عن طريق وضع أكياس الرمل عليها، وكان هذا الجهد استعراضيا وغير مجد.
أما الشخصية الرئيسية في خضم هذه الأزمة فقد كان وزير الداخلية سعيد قزاز الذي تحول إلى ماكنة عمل لا تتوقف لتنظيم الجهود وقام بنشاط جبار لضمان سلامة المشاركين في عمليات الإنقاذ وقام بزيارة مقر إذاعة بغداد لطمأنة العاملين فيها، وأذاع بنفسه خطابا طمأن السكان فيه ونفى حدوث أي انهيار للسدة. أما الجمالي فلم يظهر على الملأ إطلاقا.
وأثناء هذه الأيام العصيبة قام روفائيل بطي الذي كان وزير دولة بتسليم موظفي الإذاعة بيانا رسميا لإذاعته ضمن نشرة أخبار الساعة الثامنة مساء، ولكن قبل الموعد المقرر للنشرة قرأ العاملون بالإذاعة البيان في ما بينهم وأصيبوا بالفزع، لأنه كان في الحقيقة أمرا بإخلاء جانب الرصافة من بغداد وذهاب السكان إلى جانب الكرخ، وكان العاملون في الإذاعة يعرفون جيدا الفوضى التي كانت ستعم بغداد في حالة حدوث هذا ومدى خطورة هذا على عوائلهم، فإذا بالوزير سعيد قزاز يدخل الإذاعة ويطلب من المذيع محمد علي إعطاءه البيان، وما أن استلمه حتى مزقه أمام الجميع، مصرحا بأنه لا حاجة لإذاعة البيان، وإن سأل أحدهم عن سبب عدم إذاعته فعليهم القول بأن سعيد قزاز هو الذي ألغاه، وهو المسؤول عن إنقاذ بغداد وإن الإذاعة هي ضمن وزارة الداخلية. وفي هذه الأثناء كان مستوى دجلة في ارتفاع مستمر مثيرا حالة من الهلع في بغداد.
وفي الساعة العاشرة من ليلة 29 مارس/ذار قامت الوزارة بعقد اجتماع في مديرية الري العامة ضم جميع الوزراء وكبار أعضاء مجلسي النواب والأعيان وكبار الاختصاصيين ومدير الري العام والأمير عبدالإله، ولي العهد، ومتصرف (محافظ) بغداد عبدالجبار فهمي ورؤساء وزراء ووزراء سابقين، ومن المؤكد أن نوري السعيد، الرجل القوي، كان حاضرا أيضا.
وكان جو الاجتماع عاصفا، فأغلبية الوزراء، وعلى رأسهم الجمالي فضلوا إخلاء الرصافة، وأيده في ذلك بعض الشخصيات السياسية آنذاك، ومنهم رئيس الوزراء السابق صالح جبر، الذي ادعى أن نخوة سكان الكرخ تجعل كل عائلة هناك تستقبل سبع عوائل من الرصافة، وعضو مجلس الأعيان صادق البصام وآخرون وبشكل خاص مدير الري العام الذي قال بأن نسبة احتمال تعرض بغداد للدمار هي 95%، ولم تذكر المصادر كيفية توصله لهذه النسبة.
وفي الجانب الآخر كان هناك الوزير سعيد قزاز الذي أصر على العكس، فعملية الإخلاء ستؤدي على الأغلب إلى عمليات واسعة من النهب والسرقة والقتل، كما أن إخلاء هذا العدد الكبير من الناس في هذه السرعة الكبيرة ومن خلال ثلاثة جسور فقط قد يؤدي إلى أعمال شغب خطيرة وكوارث والتاريخ مليء بالأمثلة التي تدعم هذا الرأي، فأصر على موقفه مؤكدا على ثقته بنجاح إنقاذ بغداد وتحمله المسؤولية الكاملة على هذا القرار ونجح في الأخير في مسعاه، فكانت نتيجة الاجتماع عدم إخلاء بغداد.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار كون سعيد قزاز وزير الداخلية فقط، بينما كان معارضوه رئيس الوزراء وأغلبية الطبقة السياسية، فإن نجاحه في التغلب على وجهة نظرهم وفرض رأيه يعطي الانطباع بأنه كان هناك شخصية قوية سياسيا بما يكفي لدعمه في هذا النقاش، والشخص الوحيد الذي تمتع بهذه المزايا آنذاك كان بالطبع نوري السعيد.
وقال سعيد قزاز في الاجتماع، إن هناك شخصا واحدا يستطيع إنقاذ بغداد وهو العميد (اللواء لاحقا) الركن خليل جميل آمر صنف الهندسة في وزارة الدفاع، فاتصل به أثناء الاجتماع طالبا منه الحضور فورا، وعند حضوره أكد للحضور إمكانية إنقاذ بغداد من قبل الجيش وتحمل المسؤولية الكاملة، فصنف الهندسة كان يضم أفضل ضباط الجيش العراقي، ولذلك تم إلغاء تخويل مديرية الري العامة وتخويل الجيش العراقي بإنقاذ بغداد من الكارثة التي قد تنهي وجودها كمدينة وقامت الحكومة بتعيين العميد الركن خليل جميل «آمرا للفيضان» واعطائه صلاحيات الحاكم العسكري.
وكان رد فعل خليل جميل فوريا، وهو استنفار الجيش العراقي لحماية بغداد والدفاع عن أمنها، وأمر بجلب أحد الأفواج من الموصل لحراسة السدة بشكل خاص، كما أمر باستعمال جميع المعدات في الجيش العراقي والشركات المحلية والأجنبية العاملة في العراق، التي كانت منها شركة بلفور بيتي البريطانية، التي كانت تقوم بتنفيذ مشروع الثرثار آنذاك، ونتيجة لذلك حدث تغير مفاجئ في جهود إنقاذ بغداد، فقد تغير كل شيء لتصبح عملية الإنقاذ في غاية الدقة والفعالية فتم تحصين السدة بكفاءة وسرعة فائقتين، وبعد عمل مضن دام ثلاثة أيام بلياليها لم يذق خليل جميل وضباطه وجنوده والوزير سعيد قزاز طعم النوم خلالها حتى تم التأكد بأن السدة لن تنهار ولن تحدث فوضى بأي شكل في بغداد، بل تم الإعلان بحدوث انخفاض في مستوى دجلة وانتهت مهمة الجيش بنجاح تام.
وكان نجاح سعيد قزاز لافتا للنظر ومثيرا للإعجاب وقال النائب توفيق السمعاني آنذاك بأن أصحاب فكرة الإخلاء لم يكونوا بمستوى المسؤولية، لأن هذه الفكرة كانت أسوأ من الفيضان نفسه، وأشاد بشدة بالوزير سعيد قزاز لشجاعته وكفاءته. وقام محمد فاضل الجمالي بإلقاء خطاب انفعالي في الإذاعة إلا أن ثقة الناس به كانت قد اهتزت ولم تدم وزارته طويلا فاستقال يوم 29 إبريل 1954. وألقى الملك فيصل الثاني كلمة جميلة لرفع المعنويات. و قد كوفيء الوزير سعيد قزاز على انقاذه بغداد باعدامه شنقا عام 1959 من قبل أنقلابيي 14 تموز 1958 بقيادة عبدالكريم قاسم هكذا التاريخ.
كاتب عراقي
زيد خلدون جميل