أنماط الدعاية لدى «الخلافة» تركز على الحرب والمظلومية والولاء و«اليوتوبيا»

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: أظهرت دراسة لمركز متخصص في مكافحة التشدد في بريطانيا أن «تنظيم الدولة» تحول في دعايته من تمجيد العنف والقتل للتركيز على ما يقول مركز «قويليام» في لندن بناء الدولة ولإثبات أن مشروع الدولة يمثل أمة «حقيقية» وليس تنظيما يؤجج العنف ويدعو إليه.
ويرى مركز «قويليام» أن التنظيم يحاول تسويق نفسه كدولة قابلة للحياة وعابرة للقارات.
وقامت دراسة المركز على رصد لإعلانات ودعاية التنظيم ومنشوراته وتصريحات قادته والتي أصدرها القسم الإعلامي فيما يطلق عليها «الدولة الإسلامية» ووجد أنها تركز على الأمور المدنية المتعلقة بالمناطق الواقعة تحت حكم التنظيم.
وأصدر القسم الإعلامي حوالي 900 مادة إعلامية: تقارير وفتاوى وبرامج إذاعية وفيديو تركز على الخدمات العامة والنشاطات الدينين والاقتصادية.
وجاء في التقرير أن «النشاط الاقتصادي والمناسبات الاجتماعية والحياة البرية والقوانين والحياة الدينية المتقشفة التي يبنى عليها أساس التنظيم وجاذبيته للمدنيين».
وبناء على هذا يقوم التنظيم بجذب المتعاطفين له بناء على رسالته الأيديولوجية والسياسية.

استراتيجية الدعاية

ونقلت صحيفة «إندبندنت» عن تشارلي وينتر الباحث البارز في المركز ومؤلف التقرير «ما أثار دهشتي هو حجم المواد الإعلامية والتي يصل مجموعها 40 في اليوم تقريبا، وهي تقدم صورة على أنها «الدولة الإسلامية» أرض الخير، هذا هو الذكاء الذي يقف وراء دعاية التنظيم، وهو تفكير استراتيجي».
ويضيف أن التنظيم يحتاج لجهود كبيرة كي يخلق صورة طبيعية عن الحياة في داخل حدود الدولة الإسلامية. وهي محاولة للحصول على الدعم في الداخل».
ويرى أهمية لفهم ما يقوم «تنظيم الدولة» بعمله حتى يتمكن الغرب من مواجهة استراتيجيته. وجاء في التقرير وعنوانه «الخلافة الافتراضية: فهم استراتيجية تنظيم الدولة الدعائية» أن الجهاديين يعتمدون على الدعاية لخدمة أغراض عدة فاستخدام العنف يهدف لتخويف المعارضة في الداخل وإرضاء نزعات المتعاطفين مع التنظيم في الخارج، بالإضافة لجذب الآلاف من المتطوعين الأجانب.
وكما تهدف الدعاية لنشر نمط شامل أو ماركة للحياة لجذب المتطوعين إليه ويعرض عليهم بديلا جميلا يوائم خيالهم ويعطيهم الفرصة للتحلل من حاضرهم والدخول في مستقبل أفضل.
وتحتوي الماركة هذه على ستة عناصر: الوحشية والرحمة وحس الضحية والحرب والانتماء لمجتمع مثالي/يوتوبي والعلاقة الأخوية.
وفي الوقت الذي يسهل ممارسة وصناعة الوحشية والعنف فالعامل المثالي هو الأكثر جاذبية للمتطوعين الجدد ويجب فهم مكونات هذا العالم من أجل تحديه.
ووجد التقرير أن التنظيم من خلال اعتماده على مصادر للدعاية مختلفة فقد حصن نفسه من الرقابة التي تمارسها الحكومات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وساعده على تحقيق أهدافه الدعائية أن معظم الناشطين الذين يقومون بنشر مواده هم صحافيون مواطنون أخذوا على عاتقهم الترويج للمواد الدعائية التي ينتجها التنظيم، وهم بهذه الحالة لا يتلقون مقابلا ماليا لجهودهم إلا الثناء والإطراء من أفراد التنظيم الآخرين.
وبالإضافة لغمر المجال الافتراضي بالمواد التي تمجد التنظيم والجهاد لحد التخمة يعتمد التنظيم على «لوبي جهادي» يقوم أفراده بإصدار مواد غير رسمية، ولكنها تعبر عن رؤية التنظيم وسياسته، وبهذه الطريقة يستطيع إدارة مسارات الحملة الإعلامية عن بعد ومن دون أن تكون له صلة مباشرة فيها.
ومن هنا تتميز دعاية «تنظيم الدولة» بالتنوع فهي لا تستهدف بالضرورة جماعة معينة يحاول إقناعها للانضمام إليه، بل تشمل المادة الدعائية على مواد تهدف لتقديم رؤية الجهاديين للعالم الخارجي وإقناع المترددين وفي بعض الأحيان خلق حالة استقطاب داخل الرأي العام العالمي.
ويشير التقرير إلى أن عملية التجنيد للتنظيم لا تعني الانخراط والالتزام فهي مرحلة أولى من مراحل عدة، فالشخص الذي يجند غيره للقضية يختلف عن المنخرط في الواقع فيها.
ويشير التقرير أن التنظيم استطاع عبر مواده الدعائية توفير مناخ يتمكن من خلاله الفرد التأثر بالأفكار الراديكالية أولا قبل أن يلتقي الشخص الذي يقوده للطريق. فمادة «تنظيم الدولة» تفتح الباب أمام الباحث العادي للاتصال بالمقاتلين السابقين والتعرف على تجاربهم الجهادية قبل أن يمضي في طريق الجهاد من خلال صديق أو قريب أو شخص غريب. وعليه فالتعرف على المواد الراديكالية ليس كافيا لأن يصبح الشخص متشددا، فلا بد من العنصر البشري كي تكتمل عملية التحول. ويعتقد وينتر أن دعاية «تنظيم الدولة» لا يمكن فهمها من منظور حرفيتها وجودتها العالية بل خلف الصورة الجميلة والبراقة رسالة لا بد من تفكيكها.

تفكيك الرسالة

وقد حظيت الدعاية الإرهابية بتحليل هام خاصة دعاية الجهاديين من تنظيم «القاعدة» إلا أن نظرية الفيلسوف والمنظر الفرنسي جاك إيلول حول الدعاية في كتابه «الدعاية: تشكيل مواقف الأفراد» (1958) وهي نظرية تصلح لتحليل الرسائل التي تشملها مادة «تنظيم الدولة».
وناقش إيلول أن الدعاية لا تهدف بالضرورة لغرس أفكار جديدة بل تقوم على تأكيدها وتضخيمها بطريقة أو بأخرى. وما يقوم به الدعائي سوى محاصرة الهدف – المتلقي وإحاطته بالأفكار التي تلقاها وعرفها في السابق.
وتشير نظرية إيلول إلى أن هدف الدعاية لا يطمح للحصول على الدعم فقط، ولكن تفعيل المتلقي ليصبح عنصرا فاعلا في نقل أفكار الدعائي نفسه. وتشير نظرية الفرنسي إلى ان الدعاية لا تخرج من فراغ بل ولا بد من أن يكون لها سياق أو زمن «ما قبل الدعاية» حتى تنجح الدعاية نفسها.
وعلى العموم وبعيدا عن تقنيات نظرية إيلول فالمتلقي حالة تمت محاصرته وتحولت لديه الصور المجردة لواقع أو تطبعت في ذهنه فإنه يتحول لشخص جديد لديه القابلية لتقبل النزعات الغريبة عليه.
ويعتقد وينتر ان الأساليب الدعائية لتنظيم الدولة تتوافق بدرجة كبيرة مع ملامح نظرية الفرنسي إيلول.
وبناء عليه تنضوي في رسالته التي عبرت عنها مواد كثيرة، صور، مقالات، أشعار، خطابات، أشرطة فيديو، مواد إذاعية وتلفازية وأرشيفية وهي مواد رسمية وأخرى صنعها المتعاطفون معه.- على أنماط من الدعاية التي حددتها نظرية إيلول من خلال مفهوم الأضداد: اجتماعيه/سياسة و تكتيكية/ استراتيجية وأفقية/عمودية وتحريضية/ وإدماجية وعقلانية/ولا عقلانية.

موضوعات الرسالة

وبناء على هذا يرى الباحث أن دعاية «تنظيم الدولة» تحتوي على ستة موضوعات وهي الوحشية التي برزت في أشرطة ذبح الرهائن الأجانب ومعاملته لأعدائه من الشيعة والقبائل السنية التي تمردت عليه.
ويترافق مع الوحشية فكرة الرحمة التي تظهر من أشرطته عن انشقاق مقاتلين عن تنظيماتهم لـ»تنظيم الدولة»، باعتباره قرارا رحيما.
وينسحب الأمر نفسه على المدنيين الذي يوافقون على تطبيق أنظمة «الدولة» فالوحشية والرحمة تتطابقان: الرفض لمبادئ «الدولة» يعني الموت أما الخضوع فيعني النجاة.
أما الموضوع الثاني فهو «حس الضحية» التي يحاول من خلالها تقديم مظلومية السنة وتأكيد حرمانهم على يد الحكومة الشيعية في العراق أو ضحاياهم بسبب الغارات الأمريكية.
وفي موضوع الحرب تخدم دعاية التنظيم عدة أهداف منها تعزيز صورة التفوق وتأكيد أهمية الشهادة وكوسيلة للتجنيد وفي أحيان تخدم أشرطة الدعاية أهدافا تكتيكية من ناحية زرع المعلومات الكاذبة والمضللة حول حركاته، فقبل سيطرته على الرمادي في أيار/مايو نشر دعاية ركزت على تحركاته في بيجي ما أعطى حسا مضللا أن هدفه هو السيطرة عليه ليأتي الهجوم على الرمادي مفاجئا للجميع.
وفي موضوع الولاء يهدف التنظيم إلى تعزيز حس الأخوة داخل صفوفه كوسيلة لجذب أعداد جديدة من المتطوعين الأجانب.
ولعل أهم موضوع في الدعاية هو الحس اليوتوبي الذي يحاول تقديم صورة مثالية عن عالم قاس وهو ما أدى لعدد من الإصدارات الغريبة التي تترواح من صيد الأسماك إلى قوافل الدعوة وتنظيف المواشي وبناء الطرق. كما أن تحديد مهام الدولة بوزارات وأقسام وفروع يهدف لزراعة حس أن دولة الخلافة فاعلة.
فالأطفال يتعلمون بالمدارس القرآنية ومحاكم الشريعة تصدر أحكاما وتقيم الحدود وتجمع الدولة الزكاة وتوزعها في مصارفها.
ويحلل الكاتب جانبا آخر من دعاية تنظيم الدولة وهو الجمهور المستهدف وهو متنوع من دولي ومحلي وأفراد يحتمل تجنيدهم ودعاة ومجندون وملتزمون بأهدافها. ويرى في النهاية إن فهما شاملا للتنظيم ودعايته مهم لتشكيل سياسات لمواجهة التنظيم.

خوف من الهجرة

وفي هذا السياق نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرا قالت فيه إن «تنظيم الدولة» بدأ حملة لمنع اللاجئين الهروب من العراق وسوريا باتجاه أوروبا وهو ما يؤثر على جهوده لتجنيد الأجانب ويحرمه من الكفاءات لإدارة مؤسسات ما يعرف بالخلافة.
ولاحظت الصحيفة أن التنظيم أصدر منذ منتصف إيلول/سبتمبر 14 شريطا ونشر 17 مقالا تناول فيها موجة المهاجرين نحو أوروبا.
ويرى المحللون أن حملة بهذا المستوى غير عادية وتشير إلى المشاكل التي يسببها تسرب الكفاءات للخارج.
ويخشى التنظيم أن تشوه الموجة مزاعمه من إقامة جنة أرضية في العراق وسوريا يفر منها الناس باتجاه الجنة الأوروبية.
وقالت الصحيفة إنها شاهدت شريط فيديو تظهر فيه مجموعة من المهاجرين يحملون أمتعتهم ويسيرون في حقول مفتوحة نحو أوروبا وفي لحظة يقوم المعلق على الفيلم بعكس الصورة لتظهر أنهم يسيرون نحو «الدولة الإسلامية».
وعلق قائلا إن»رحمة الله العظيم جعلتهم يرحلون بدلا من الموت في ديار الكفر». وفي أشرطة آخرى هاجم التنظيم الآباء الذين يريدون أن يربوا أبناءهم في أوروبا التي توصف بأرض الإلحاد ومدمني المخدرات.
وفي مقابلات أجراها التنظيم مع مقاتلين من أوروبا قالوا أن النعيم والاستقرار الذي يبحث عنه المهاجرون ما هو إلا وهم.
وفي أشرطة أخرى ينفي التنظيم وجود مشكلة مهاجرين، حيث يصفها بأنها من بنات أفكار الإعلام الغربي ومؤامرة لإضعاف الإسلام.
وتعلق الصحيفة أن انشغال «تنظيم الدولة» بأزمة اللاجئين يعكس خشية متزايدة من خروج الكفاءات التي يحتاجها لإدارة مناطقه الممتدة على كل من سوريا والعراق.
وتحمل أشرطة الفيديو دعوات للأطباء والمدرسين والمهندرسين وخبراء النفط والمدربين للقدوم إلى مناطقه ويتخلل الدعوات بمشاهد مهاجرين سوريين وعراقيين يحاولون الوصول إلى شواطئ أوروبا.
وينقل التقرير عن أيمن التميمي الباحث في منبر الشرق الأوسط «يبدو واضحا أنهم قلقون من مغادرة الناس مناطق الدولة الإسلامية»، مضيفا أن التنظيم يحتاج أصحاب حرف وكفاءات متعلمة أكثر من حاجته للمقاتلين.
وكانت وزارة الصحة التابعة للتنظيم في مدينة الرقة، العاصمة الفعلية للتنظيم قد وجهت إنذارا نهائيا للأطباء والصيادلة الذين انضموا لقوافل المهاجرين أنهم إن لم يعودوا في غضون 30 يوما فستتم مصادرة بيوتهم.
وفي مدينة الموصل طلب قادة التنظيم من أئمة المساجد قراءة خطبة تهاجم اللجوء. وقال أحد سكان المدينة «نشعر أنهم خائفون من كل هذا» و»يقولون للناس إن الهجرة هي مؤامرة ضد تنظيم الدولة وأن الدول الأوروبية التي سببت الإهانة لكم هي نفسها التي ستستعبدكم».
ومع ذلك فلا تزال موجات المتطوعين تتدفق نحو حدود «الدولة» حيث لم يوقفهم الوضع القاتم الذي تعانيه الدولة.
وربما رحب «تنظيم الدولة» بمغادرة الداعمين الأقل تحمسا لقضيته لأنه يحرم أعداءه من عملاء محتملين.
وبحسب هارلين غامبير من معهد دراسة الحرب بواشنطن «فلن تجد الحكومة العراقية التي تحاول استعادة مناطق من «تنظيم الدولة» سكانا معتدلين فيها يمكن التعاون معهم» مشيرة أن هذا يثير الخوف «ويساعد التنظيم على المدى البعيد».
وتشير الصحيفة إلى أن صدور كم كبير من الدعاية المعادية للهجرة من التنظيم في حملة منسقة على ما يبدو مع فروعه في أفريقيا وآسيا تشير إلى مخاوف من أن تتأثر جهود بناء الدولة منها. ويقول سكان في الموصل إن معظم القلق يتركز على خسارة الأطباء والعاملين في المؤسسات الصحية.
وبسبب هجرة عدد كبير من أطباء الموصل أصبح زملاؤهم في الموصل يعملون ساعات طويلة، أو في أثناء العطل الأسبوعية، لتعويض النقص. ويقول سكان المدينة إن «تنظيم الدولة» أقام مكتبا لمراقبة تحركات الأطباء.
ومع أن معظم أهل الموصل يواجهون قيودا على حركتهم من وإلى المدينة إلا أنه تتم معاملة الأطباء الذين يحاولون الهروب من المدينة كالجندي الذي يحاول الفرار من ساحة القتال. ولهذا السبب يحكم عليهم بالإعدام أحيانا. وعندما يتغيب الطبيب عن عمله لمدة يوم بسبب المرض يزوره مقاتلون مدججون بالسلاح.
وبحسب أحد الأطباء «موضوع مغادرة المدينة الآن يعتبر مستحيلا للطبيب، فأنت تعرض كل شيء للخطر: حياتك وعائلتك وكل شيء» وأضاف «أقسم أنني وكل الأطباء في الموصل نادمون على اليوم الذي أصبحنا فيه أطباء».

أزمة مالية

وتعتبر هجرة العقول والكفاءات واحدة من المشاكل التي تضغط على «الدولة» فهي تعاني من أزمة مالية حسب صحيفة «التايمز» التي قالت إن وثائق تم الحصول عليها تقترح أنها غير مستقرة ماليا.
وتقول الوثائق إن التنظيم بات يعتمد في ماليته على مصادرة بيوت وسيارات والمواشي التي يملكها المواطنون في «الدولة».
ولم يعد يحصل التنظيم إلا على8.438.000 دولار شهريا من عوائد النفط. وهو مبلغ قليل لتنظيم يزعم أنه يدير «دولة».
وبحسب الوثائق التي حللها التميمي من منبر الشرق الأوسط، فنسبة 45% من مالية التنظيم لا تأتي من النفط ولكن من مصادرة البيوت (79 بيتا) و 2.000 رأس ماشية و 48 شاحنة و96 سيارة و 500.000 دولار نقدا.
ويحصل التنظيم على مصادره المالية من الضريبة المفروضة على الاستيراد والتصدير وعلى الأثرياء حيث ولدت دخلا بقيمة 1.3 مليون دولارا.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية