حسب المرشدين السياحيين فقد عرفت القدس ايام أجمل وأكثر راحة من هذه الايام. الانتفاضة تعيش هنا كل ساعة تقريبا، بين الأزقة وشوارع شرقي المدينة. لكن عند الحديث عن مرشدي السياحة الذين يعيشون الصراع، أو يعيشون منه، فان الصورة تختلف تماما.
تبدو المدينة العاصمة مثل برميل بارود يهدد بالانفجار. خرجنا مع اثنين كهؤلاء. من الجهة اليمنى يهودا غليك الذي هو الرمز الاكبر لطموح اليهود بالذهاب إلى الحرم. وتمت الجولة معه بعد ساعات من اغلاق غرفة معتز حجازي، المخرب الذي أطلق عليه النار. ومن الجهة اليسرى أفيف تترسكي وهو باحث ميداني ونشيط في جمعية «عير عميم» التي تعمل من اجل الاستقرار والمساواة ومستقبل متفق عليه في القدس.
الأمر الاكثر بروزا للعين هو الصراع الذي يأتي من كل زاوية وكل زقاق وكل شارع وكل مواطن في المدينة. الحجارة هي نفس الحجارة، والتاريخ على ما يبدو مماثل، لكن القصة التي يرويها كل واحد منهم مختلفة. فكل واحد يرى واقعا مختلفا تماما. خلال اوقات الفراغ يقوم غليك وتترسكي باجراء ارشاد لجولات في أزقة البلدة القديمة، حيث يقدمون لكل من سجل في الجولات مواقفهما السياسية ورؤيتهما لحل المشكلة القائمة.
منذ اللحظة الاولى، عندما لاحظ تترسكي أن غليك وصل مع سلاحه، قام بالغاء مشاركته تقريبا. «لست متعودا على السير مع مسلحين في أحياء فلسطين»، قال. وأجاب غليك وهو يرفع القميص ليُظهر أنه يلبس الدرع الواقي تحت ملابسه: «لا خيار أمامي. أنا أدافع عن حياتي».
عندما دخلنا إلى سلوان ظهر أمامنا جواد. نشيط بارز في صراع سكان القرية. ويتصادم مع غليك. «يهودا غليك، جئت لعمل الفوضى في سلوان؟» يصرخ. التوتر ظهر على وجه غليك، واليد امتدت بشكل غريزي إلى الخصر حيث وضع المسدس. جواد يمسك هاتفه ويصوره. «هل أنت سعيد؟ اليوم هدموا منزل من أطلق النار عليك». غليك يجيب: «الحمد لله أنا على قيد الحياة، والحمد لله على أن معتز حجازي ميت».
المفاجيء أن الحوار لا يتحول إلى معركة. «ما السيء بالنسبة لك هنا في سلوان؟» سأل غليك. «ما السيء لي؟ في جمعية العاد (التي تعمل على تعزيز تواجد اليهود في الاحياء العربية في المدينة) يتعاملون معنا مثل تعاملهم مع الكلب والحمار. بلدية القدس تأتي فقط للهدم. تحفر تحت بيتنا. نحن في نظرهم كلاب». قال جواد. وبعد عدد من الصور بالهاتف يتركنا جواد فنبدأ الصعود باتجاه حائط المبكى. «أنا أتصرف بحذر»، قال غليك عندما سألته إذا ما كان خائف. «عندما يركض أحد أو يقترب مني، يزداد نبض قلبي، لذلك أنا ألبس السترة الواقية، وأنا مسلح».
يقول تترسكي «جواد هو نموذج للسكان الفلسطينيين الذين يعيشون في القدس الشرقية. أنت تسمع منه الحقيقة، ولا تصدق البلدية التي تقول إنها تبني وترعى. وبالمناسبة فكرة الملاءمة بين الغضب الفلسطيني بشكل تلقائي مع العنف هي ملاءمة يقوم بها كل إسرائيلي، لكن الطرف الفلسطيني يكون عادة ضحية العنف ولا يستخدم العنف، تماما مثل جواد».
إخلاء الساحة
على طول الطريق يتبين أن غليك هو الشخصية الاكثر شهرة في البلدة القديمة. الاولاد الفلسطينيون واليهود يعرفونه وينادونه باسمه. وسياح أمريكيين يعرفونه، الشرطة وحرس الحدود يريدون التقاط صورة سلفي معه. «حافظ على نفسك»، يقولون له. تترسكي يقول لنا خلال السير إن جواد اعتقل عشرات المرات في المظاهرات التي جرت في سلوان، رغم أنه لم يستخدم العنف أبدا، «فقط لأنه نشيط معروف، إذا صرخ على أحد فانهم يعتقلونه على الفور». «أنا ايضا اعتقلت مثل جواد المرة تلو الاخرى». يقول غليك. «ذهبت إلى المحكمة وقلت إنه لا مبرر لاعتقالي ونجحت».
هل تعتقد أن من حق يهودا الدخول إلى الحرم؟ سألت تترسكي. فأجاب «نعم بالتأكيد» دون تردد.
هل لنا الحق في الصلاة هناك؟. «لا»، قال. لماذا؟ سألت. «لأن هذا المكان هو مكان لصلاة المسلمين، وأنت لا تستطيع أن تأتي إلى هذا المكان وفعل ما تريد دون الحصول على إذن».
في هذه الساحة التي نقف عليها، كان في الماضي حي المغاربة، وبعد حرب الايام الستة بأسبوع أخذت حكومة إسرائيل السكان الذين عاشوا هنا وأخرجتهم من بيوتهم وهدمت أكثر من 100 منزل وقامت بتسوية ساحة حائط المبكى من اجل المصلين. لا خلاف على هذه الحقيقة.
«أنا لا أدخل كثيرا إلى ساحة حائط المبكى»، قال غليك. «أولا، بسبب طرد المغاربة». فاجأنا. «هذا إضرار بحقوق الانسان. اضافة إلى ذلك هذا ليس المكان الحقيقي. هناك الكثير من الحاخامات الذين من مصلحتهم جذب اليهود إلى ساحة حائط المبكى وحجب المكان الحقيقي عنهم، الذي يوجد في الأعلى»، يشير إلى الحرم الذي مُنع من الدخول اليه. «التقيت مع عدد من الاشخاص الذين تم اخلاءهم من حارة المغاربة. هل تعرف العائلات التي سكنت هنا». سأل غليك زميله. «لا»، أجاب تترسكي بصراحة.
ويواصل غليك: «اسمعوا هذه القصة. قبل بضع سنوات حججت إلى الحرم وكانت إلى جانبي مرشدة من سلاح التعليم كانت ترشد الجنود. وقد بدأت تروي لهم عن التاريخ من القرن السابع: محمد، الحصان، شعارات اللحية. توجهت اليها وقلت لها: انتِ من الجيش الإسرائيلي، أليس كذلك؟
هل تعرفين أبانا ابراهيم؟ الملك داود، دعكِ، هؤلاء دينيون، أتعرفين موتي غور، المظليين؟
قالت لي: «يا يهودا غليك أنا اعرفك». كان هذا قبل أن تكون شهيرا. «في كل مكان أشرح تاريخ الشعب الذي يسيطر في ذات المكان. في حارة اليهود أروي قصة اليهود وفي الحرم أروي قصة المسلمين».
يتدخل تترسكي: «يهودا يروي بالطبع قصة جزئية. فهو لا يذكر أن دولة إسرائيل تبعث كل سنة بخمسين الف طالب إلى معهد الهيكل. وهو يعتقد إذا كان يخلق لنفسه صورة الضحية، من خلال قصص العنف الفلسطيني، فهذا سيساعده في تحقيق هدفه، السيطرة على الحرم. الفلسطيني يأتي ويرى ما فعلوا في حارة المغاربة وما فعلوا بسلوان وما أن تريد ان تفعله بالحرم، فماذا يفترض به أن يفكر؟».
غليك: «بهذه الكلمات أنت تعطي مبررا لمحاولة قتلي. مثل النواب العرب، الذين ليس مستعدا أي منهم لان يشجب اطلاق النار علي او العمليات الاسبوع الماضي. هذا يعطي شرعية لمواصلة العنف. فهل أنا مذنب بالإرهاب؟ هل من تغتصب مذنبة باغتصابها؟».
تترسكي: «يهودا وجد سبيلا رائعا لكم أفواه الناس عندما لا تكون لديه حجج. الفلسطينيون غاضبون من دخول يهودا إلى الحرم، وليس لانه جنجي وليس لانه يهودي. بل لانه يدعو لمزيد من اليهود أن اتبعوني لنبني الهيكل على الحرم».
غليك: «لا اريد ان امس بالمسجد. أنا لن أمس بالمسجد، ولكن عندي شرعية لان ارغب في الحجيج إلى الحرم وأغير الوضع الراهن بشكل قانوني. أنا أشخص هنا تفويتا كبيرا من العرب للفرصة، إذ في النهاية إذا كانت حرب وارتكبوا مرة اخرى ذات الخطأ مثل تفويت مشروع التقسيم، فاننا سندافع عن أنفسنا مثلما دافع الشعب عن نفسه وهم سيدفعون ثمنا أليما. وضعهم في الحرم أيضا كفيل بان يتغير. طالما يريدون كل شيء أو لا شيء فقد يحصلون على لا شيء».
تترسكي: «هل انت تفهم ما تهددنا به؟ حرب دينية، سفك دماء، كيف ستشعر إذا كانت نتيجة عودتك وعودة رفاقك إلى الحرم ستكون سفك الدماء؟».
غليك: «سأشعر بسوء شديد، ولكن إذا لم يكن مفر، فلا مفر».
وعندها يظهر بينيت
فجأة يدخل إلى الساحة حرس وشرطة كثيرون، وبينهم وزير التعليم نفتالي بينيت. فيقول له بحرارة «سلاما يا يهودا، سلامتك وهنيئا بشفائك». يقدم غليك له تترسكي. يصافحه بينيت ويمزح: «تعرفت على تترسكي في حيفا، انت يساري؟ حسنا، هناك تترسكي يساري».
ومع حاشية بينيت، يتبدد خوف غليك من الدخول إلى حارة المسلمين. دخلنا معه. توجه بينيت هناك إلى عدة أفراد من الشرطة وقال لهم: «سلاما يا اخوتي، شكرا جزيلا على حراستكم لنا». فيقول تترسكي لذاته: «عليهم ان يحمونا منك». غليك، التالي في الطابور في قائمة الليكود، والذي سيدخل إلى الكنيست إذا ما استقال نائب آخر من الكتلة يهمس لنا: «انا استمتع بحراسة حاشية نفتالي ولكن ليس مريحا لي أن يروني هنا معه فيعتقدون اني أتماثل معه حزبيا».
نسير في شارع الواد، حيث قتل هذا الاسبوع أهرون بينيت ونحمايا لفي. يقول لنا غليك: «تفهمون ما هذا. إمرأة سارت هنا مع سكين في ظهرها وطلبت المساعدة من التجار وكلهم ضحكوا عليها». فيرد تترسكي: «انا قلق جدا حقا. خلافا لك ليس مكتوبا عندي في أي مكان ماذا سيكون في الآخرة. ولكن اشعر أن هذا يسير باتجاه النزاع».
غليك: «اتفق معك. في السنوات الخمسة الاخيرة يتدهور الوضع ويصل إلى انفجار. هذا وصل إلى وضع الفتك. أطلقوا النار عليّ. وزير الأمن الداخلي لم يؤدِ مهامه على مدى ست سنوات، ولكن جاء الان وزير جديد، مع يد شديدة».
تترسكي: هذه كلها قصص سياسيين. يد شديدة إزاء الفلسطينيين في الحرم وفي شرقي القدس متبعة منذ سنوات عديدة. أتعرف أن في صوم رمضان الماضي لم يسمحوا للرجال فوق سن معينة بالدخول في أي يوم جمعة إلى الحرم؟ أتعرف انهم يفرضون علينا القيود كل الوقت؟ هذا ليس مرتبطا بأي وزير. الحقيقة هي أنه يوجد شخص واحد يمنع غليك من الحجيج إلى الحرم، وهذا هو رفيقه في الحزب بنيامين نتنياهو. ببساطة ليس لديه الشجاعة لان يقول لك انه لن يغير هذا أبدا. هو الوحيد المذنب في أنك لا تستطيع الحجيج إلى الحرم».
غليك: «أتعرف من المذنب؟ شعب إسرائيل. أنه لا يقف عند باب الحرم 50 الف يهودي يطلبون الحجيج. هذا هو الامر الوحيد الذي يمنعنا. وحقيقة أن الان، لاول مرة، يمكنني أن اجلس مع رئيس الوزراء وأتحدث عن شؤون الحرم هي فقط أنه يوجد اليوم 10 الاف شخص يريدون الحجيج إلى الحرم».
يديعوت 8/10/2015
عميحاي أتالي