■ متابعة لأعمال الدورة السبعين للجمعية العامة، التي جمعت أكبر عدد من الرؤساء والزعماء في التاريخ، نود أن نؤكد أن الدورة كانت في جوهرها عادية وأقل من عادية، رغم هذا المهرجان الكبير الذي اتسع لـ 196 خطبة، بما في ذلك الدولتان المراقبتان الفاتيكان وفلسطين.
لكن قاعة الجمعية العامة كانت أكثر الأوقات شبه فارغة ولم تمتلئ بالمستمعين إلا لخمسة أو ستة رؤساء، من بينهم بل وفي مقدمتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد غياب استمر عشر سنوات، والرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس الكوبي راؤول كاسترو والرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي وعد بتفجير قنبلة، لكن الخطاب كما أشرنا قبل إلقائه، خلا من القنابل إلا القنابل الصوتية. هذا التجمع الأكبر في تاريخ المنظمة مرّ بدون أي مفاجأة أو حركة مسرحية، كما فعل القذافي عام 2009 عندما مزق الميثاق وقال «هذا ليس مجلس الأمن بل يجب أن يسموه مجلس الإرهاب» أو هوغو شافيز عام 2006 عندما رسم علامة الصليب لطرد الشيطان الذي خرجت منه رائحة كريهة، مشيرا بذلك إلى الرئيس بوش، أو نيكيتا خروتشوف عام 1960 عندما ضرب الطاولة بحذائه، اعتراضا على كلمة رئيس الوفد الفلبيني عندما هاجم سياسة الاتحاد السوفييتي ووصفها بالاستعمارية، أو عندما تناول الكلمة فيديل كاسترو عام 1960 فتحدث أربع ساعات وتسعا وعشرين دقيقة، ووصف فيه الرئيس الأمريكي جون كينيدي بأنه «مليونير أمّي وجاهل»، أو خطاب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عام 2010 عندما اتهم الإدارة الأمريكية بالتخطيط لتنفيذ هجمات 11 سبتمبر، فانسحبت الوفود الأوروبية، بالإضافة إلى كندا وأستراليا ونيوزيلندا، أو خطاب ياسر عرفات عام 1974 وحكاية الغصن الأخضر وبندقية الثائر.
وستمر أيام وسنون على هذه الدورة ولن يتذكر منها العالم إلا إقرار أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، لأنها ستظل عالقة أمام العالم لخمس عشرة سنة مقبلة ورفع العلم الفلسطيني في احتفالية رمزية مشحونة بالعواطف على وقع زغاريد الفلسطينيات.
القضية السورية ميدان جديد
لحرب باردة تحولت إلى حرب ساخنة
شيء واحد برز خلال هذه الدورة وهو تصدرالقضية السورية بكل تعقيداتها، مثل قضية اللاجئين والميليشيات الإرهابية وتدفق المقاتلين الأجانب للانضمام إلى تنظيم «داعش»، والمأساة الإنسانية داخل سوريا والسلاح الكيميائي واستخدامه والقرار 2235، الذي فوض لجنة للتحقيق فيمن استخدم السلاح. لقد كانت المسألة السورية القاسم المشترك الذي تكرر في كلمات الوفود، والكثير من اللقاءات الثنائية والمتعددة الأطراف التي شهدتها قاعات الاجتماعات العديدة في الطابقين الثاني والأرضي، اللذين كانا محظورين حتى على الصحافيين المعتمدين لدى الأمم المتحدة في نيويورك. لقد كان الهم المشترك للجميع هو كيف يمكن أن تصل هذه المباحثات، الجانبية منها والرئيسية إلى تسوية سلمية وسطية ترضي جميع الأطراف، يتم من خلالها نقل السلطة في سورية لحكومة انتقالية، بوجود ومساعدة نظام بشار الأسد وبعد ذلك يمكن للمواقف أن تختلف أو تتناحر. إنه الموقف الذي تبنته كثير من الحكومات الأوروبية، بهدف بناء جسر بين الموقفين الروسي المتشبث ببقاء النظام الحالي والموقف الأمريكي المصر على رحيل نظام بشار الأسد، خاصة مع بدء المرحلة الانتقالية.
لقد بدأت أعمال هذه الدورة بعد قرار الكرملين إرسال قوات جوية وبرية لمساعدة نظام بشار الأسد الذي كان يتصدع رغم دعم إيران وحزب الله، ووصول «داعش» إلى مسافة قريبة من دمشق بعد احتلال تدمر. وهذا القرار وضع العديد من الدول الغربية، وعلى رأسها أمريكا، في موقع ضعيف أمام الدب الروسي، الذي قرر ألا يفقد آخر مواقعه في الشرق الأوسط. لقد كان هذا التطور محورا أساسيا في الكلمات واللقاءات والمؤتمرات الصحافية، إذ خصص وزير الخارجية الروسي وقتا طويلا من لقائه مع الصحافة في الدفاع عن القرار وشرعيته. ونستطيع أن نلخص الموقف من نظام بشار الأسد في ثلاثة مواقف:
الموقف الأول- هناك دول تعتبر أن أي حل للمسألة السورية يجب أن يبدأ من نقطة رحيل بشار الأسد ونظامه من السلطة، وليس هناك حل للأزمة ما دام هذا النظام قائما.
الرئيس أوباما قال في كلمته: «دعنا نتذكر كيف بدأت الأزمة. لقد كان رد الأسد على المظاهرات السلمية بتصعيد الاضطهاد والقتل. وهذا هو الذي خلق الظروف للصراع الذي نشهده الآن. إن الأسد وحلفاءه لا يستطيعون أن يخمدوا الغالبية العريضة من السكان التي تعرضت للعنف بالسلاح الكيميائي والقصف العشوائي. قد تتطلب الواقعية نوعا من المساومة لوقف القتال وهزيمة «داعش»، لكن الواقعية أيضا تفرض أن ندخل في مرحلة انتقالية منضبطة بعيدا عن الأسد وبقائد جديد وحكومة شاملة تقر بضرورة إنهاء حالة الفوضى والبدء في عملية إعادة البناء».
رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أخذ موقفا واضحا من نظام الأسد في كلمته، فقد أعلن أن المأساة السورية لن تنتهي إلا عندما تكون هناك حكومة سورية شرعية تمثل حقيقة إرادة الشعب وتتمتع بقبول شامل. وحتى ذلك الوقت فالمجتمع الدولي عليه أن يزود السوريين بأماكن آمنة في بلدهم، تكون في مأمن من الغارات الجوية من قبل النظام ومن الهجمات الأرضية من قبل «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى.
والموقف السعودي الذي جاء في كلمة وزير الخارجية عادل أحمد الجبير يؤكد أن المجتمع الدولي بعد خمس سنوات من الأزمة السورية ما زال عاجزا عن اتخاذ القرارات الحاسمة «لإنقاذ الشعب السوري من آلة القتل والتدمير والتهجير التي يستخدمها بشار الأسد». وقال «لا سبيل لإنهاء هذه الأزمة إلا من خلال حل سياسي يقوم على إعلان جنيف 1 الرامي إلى الحفاظ على وحدة سوريا الوطنية والإقليمية والحفاظ على مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وتشكيل مجلس انتقالي للحكم لا مكان فيه لبشار الأسد أو من تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري».
الموقف الثاني- ليس من حق أحد أن يتدخل في شأن داخلي لأي بلد بهدف إسقاط النظام. إن هذا أمر متروك للشعب السوري وقد شاهدنا ما حدث بعد إسقاط نظام صدام حسين في العراق ونظام معمر القذافي في ليبيا، فهل البلدان في وضع أفضل كما قال لافروف. يقول فلاديمير بوتين ممثلا لهذا التيار: «إننا نؤمن بأن اللعب مع الإرهابيين، دع عنك مسألة تسليحهم، ليس فقط قصر نظر، بل لعبا بالنار. لقد كانت روسيا ثابتة في التصدي للإرهابيين بكافة الوسائل. نحن اليوم نقدم مساعدة عسكرية وتقنية لكل من العراق وسوريا اللتين تقاتلان الإرهابيين. إننا نعتقد أنه من الخطأ الفادح أن يتم رفض التعاون مع الحكومة السورية وقواتها المسلحة، التي تقاتل بكل إصرار الإرهابيين وجها لوجه. ويجب أن نعترف أخيرا بأن لا أحد يقاتل فعلا تنظيم الدولية الإسلامية والتنظيمات الإرهابية الأخرى إلا القوات المسلحة التابعة للرئيس بشار الأسد والميليشيات الكردية».
الرئيس الإيراني حسن روحاني قال إن محاربة الإرهاب لا يعني أبدا التدخل في الشؤون الداخلية للدول. «نحن على استعداد أن نساهم في اجتثاث الإرهاب وتعبيد الطريق نحو الديمقراطية وضمان أن السلاح لا يملي علينا مسار التطورات في المنطقة. وكما ساهمنا في إنجاز الديمقراطية في أفغانستان والعراق نحن على استعداد أن نجلب الديمقراطية إلى سوريا، فنحن نؤيد تعزيز القوة الداخلية عن طريق صناديق الاقتراع لا عن طريق السلاح وندافع عن حكم الأغلبية الذي يحترم حقوق الأقلية».
الموقف الثالث – وهو الذي تجسد في غالبية كلمات الوفود والمؤتمرات الصحافية والبيانات التي تعاملت مع المسألة الســـورية التي تبدي مرونة أكبر بقبول بقاء الأسد ولو لمرحلة انتقالية من أجل هزيمة «داعش» أولا وللتخفيف من حدة التصادم مع روسيا الآن، وخوفاً من تبعات انهيار كامل للنظام السوري، لذلك يتم العمل على خطة جديدة في هذا السياق تضمن عدم وجود فراغ سياسي ما بعد الأسد بحيث يسلم السلطة لحكومة انتقالية. وقد تبنت هذا الموقف دول مثل بريطانيا وألمانيا.
وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير دعا في كلمته المجتمع الدولي إلى وقف المجازر في سوريا، التي لا نهاية لها ولا يمكن وقفها إلا «إذا تحركنا معا». ووضع في كلمته خطة دعا فيها إلى وقف العنف والقتل الذي يمارسه نظام الأسد الديكتاتوري، كما هو جلي في ممارسة التعذيب والقصف بالبراميل المتفجرة. يلي ذلك تحطيم قوة سيطرة «داعش» على المناطق التي تسيطر عليها، والمحافظة على سلامة الأراضي السورية ووحدتها الترابية وإعادة خلق الظروف التي تمكن كافة الأقليات العرقية والدينية في التعايش بسلام مع بعضها بعضا ومع جيرانها». وقال هذه أهداف يجب أن يتم الاتفاق عليها بغض النظر عن الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي من جهة وبين السعودية وإيران من جهة ثانية». وقال بدل أن تقوم روسيا باتخاذ خطوات أحادية في سوريا في الانخراط بالعمل العسكري، نريد من روسيا أن تساهم في العمل السياسي الهادف إلى الدخول في المرحلة الانتقالية».
وبالروحية نفسها تحدث وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند، عن إزدواجية الشر في سوريا التي يمثلها كل من نظام الأسد و»داعش» اللذين حولا الشعب السوري إلى ضحايا لهذا الثنائي. وقال إن المجتمع الدولي يتحمل مسؤولية إيجاد حل للأزمة السورية، تقوم على أساس عملية سياسية شاملة لا تستثني أحدا، بدعم جهود المبعوث الخاص للأمين العام ستيفان دي مستورا، على أن تتم محاسبة من ارتكبوا تلك الجرائم خلال الصراع. وقال إن مجلس الأمن عليه أن يوحد جهوده بعد طول انقسام ويضع مصلحة الشعب السوري فوق المصالح الذاتية الضيقة.
رغم التصعيد العسكري الذي تقوده روسيا الآن، إلا أن خيوطا من الأمل بدأت تنسج على ضوء خافت حول إمكانية حل الأزمة السورية. فمآسي السوريين وملايين المهاجرين والمشردين والأطفال الغرقى الذي تقذفهم أمواج البحر إلى الشواطئ لم توحد القوى الرئيسية المنخرطة في الصراع، إلا أن خطر «داعش» بدأ يوحد الجميع لأن انتصار «داعش» يخرج منه الجميع مهزومين. إذن فلتتحد الجهود لدرء الخطر الأكبر وبعد ذلك يمكن الاختلاف على بقية التفاصيل.
٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرزي
د. عبد الحميد صيام٭