مدارس الفكر السياسي متنوعةً بقدر تنوع العقل البشري. في بوقة هذه الفكر يتأرجح من هو في أقصي اليمين وأدني اليسار. وفي الوسط تحاول منظومة الفكر الاشتراكي والليبرالي جذب أكبر قدر ممكن من اتباع هذا أو ذاك الفكر، ليتوجا انفسهما كخيار ايدلوجي نهائي لا مثيل له. خيار لا بديل عنه طالما العقل في حالة نضوج تتدرجي. من جهة آخري، ضمن كل فكر في حد ذاته هنالك فسيفساء مشكل له. على قمة التنوع يتربع الفكر اليساري، الأقرب للاشتركي منه إلى الليبرالي. تري ضمن اليسار العام اليسار الاشتراكي، الشيوعي، الماركسي، اللينيني، التروسكي، الماوستنغي، الديني، اللا ديني أو الملحد، المسيحي، وكذلك اليسار الإسلامي.
عموماً اليسار العربي يحمل في طياته مجمل مختلف أنواع ما ذكر من يسار. فهو يسار شيوعي، اشتراكي، قومي، ماركسي، لينيي، ماوستنغي، ديني، ملحد، ذو ميول روسية، صينية، أفريقية ولاتينية. انه قمة التشرزم الذهني الذي لا مثيل له بين قوي اليسار المتأرجحة بين الشرق والغرب. هذا اليسار، رغم محاولة صبغته بكيان عربي فهو كما يبدو من تشتت مرجعياته، يسار لا عمق ولا اصالة له. يسار تائه لم يجد يوماً في ثقافته التاريخة جذور نضوجة. هنا فعلاً تكمن أحد أهم الازمات الوجودية لليسار العربي. هذه الأزمة الهيكلية جعلت منه طرفا غريبا على مجتمعاتنا. بل ووصل الحد إلى اعتباره منظومة متناقضة تماماً مع الإرث الجماعي. انكار، الاعتداء والتقليل من قيمة روادف هذا الإرث، خاصة الديني، ساهما حتمياً في رفض معظم جوانب هذه المنظومة.
المتابع للشأن اليساري يلاحظ فور تعمقة أن آزمة اليسار ليست فقط أزمه مرجعيات وإنما كذلك أزمة اشخاص تقمصوا شعاراته لأسباب انتهازية. هنا نقصد القادة الذي ركبوا جواد اليسار للوصول إلى الحكم، كما حصل في سوريا، العراق، السودان، اليمن وحتى فلسطين. هؤلاء هم الطامة الكبري للفكر اليساري. يبدو جلياً من أقوالهم قبل أفعالهم أنهم درسوا المبادئ اليسارية دراسة سطحية من كتيبات توزع مجاناً. بل ومنهم من تلقنه تلقيناً من الرفقاء الاجانب. نتيجة ذلك لم يضيفوا شيئا قيماً للمكتبة اليسارية. يستثني هنا المفكر المصري سمير أمين.
عموماً معظم ما نقله اليسار العربي عن غيره نقله بسطحية لا تسمح باستيعاب وفهم ألغازه، ناهيك عن عدم تمكنهم من تكيفة مع البيئة الأصلية الحاضنة. اقتبسوه واقتبسوا تلقائياً كل شيء من اليسار الأجنبي، القريب نوعاً ما من اليسار الصهيوني، بدون تمحص وكرروا ما يقول أصحابه في أي شيء. للأمانة وتخفيفاً من حدة النقد، يمكن القول إن قراءة كتب ماركس أو ماو تسنانغ، خاصة لمن لا يهوي القراءة، أمر أكثر من مرهق. فقط بعد قراءة المقدمة يشعر المهتم بالشأن بعياء ملفت. لذلك ينصح في العادة قراءتهم بانقطاع وأن إمكن التعمق ولو قليلاً في التاريخ الأوروبي أو الصيني. بهذه الطريقة يمكن نوعاً ما استيعاب المنطق اليساري عند كل جماعة.
ما سبق من القول لا يهدف إلى التقليل من شأن اساليب الفكر اليساري، خاصة تلك الاساليب النقدية التي تعتبر قاعدة هامة لإنارة العقل البشري وتصحيح الخلل الهيكلي المتفحل في كثير من المجتمعات، بما فيها العربية. ولا يجب أن يعطي انطباع لأصحاب باقي المكونات الفكرية، نقصد الدينية، حق الاعتقاد بأنها الأمثل. أزمة الإنسان والفكر العربي القائمة دوماً تؤكد أن مختلف التيارات لم تنجح لحتى الآن في إنارة عقله وإنهاء معاناته. هذا ما يؤكد فعلاً الحاجة لعملية غربلة وتحديث لكثير من الأفكار المنتشرة والتنسيق بين مختلف التيارات لإخراج هذا الإنسان من ظلومات الكهوف الذي يعيش فيها.
تحليل هذه المجتمعات على اساس الجدلية النقدية أمر لا غنى عنه لإزاحة العوائق المتراكمة في طريق التقدم العربي. المطلوب حتماً أن لا تكون الجدلية النقدية جدلية مادية أو راديكالية تمحق باقي الاطروحات. مثل ذلك يدخلنا في متاهات الفكر الشمولي الذي يجزم بأن لا بديل أو شريك معه في الساحة. في حالتنا أي جدلية نقدية قائمة على المفاهيم المادية البحته لا يمكن أن يتم استيعابها. يجب إن يأخذ دوماً بالاعتبار فاعلية الجوانب العقلانية والوجدانية لما هو ديني، واعتبارها مقاييس علاج للعاهات المستفحلة. التقارب من العنصر الديني سيساهم بلا شك في القبول المتبادل للنقد والنقد البناء، بل وسيكون أحد أهم دعائم التناغم والسلام الاجتماعي. علماً بأن الصراع البارز بين اليسار وباقي التيارات المرادفة هو صراع ناتج عن عدم قيام مختلف القيادات الفكرية بمحاولة تقريب لوجهات النظر وليس ناتجاً عن فحوي الافكار في حد ذاتها. المثبت هو أن كافة الأفكار غير الشاذة هي أفكار عقلانية وبناءة وأن المدمر لها هي طريقة فهم، تفسير وطرح من يحملها.
لو أن المثقف اليساري العربي، وغيره، منهج وأدلج على هذا الأساس، لما وقع الرفيق المتواجد بالميدان في زخم التناقضات شبه اليومية. هذا ما قام به فعلاً اليساري الغربي. في حين ان العربي بقي متمسكاً باليسار الكلاسيكي، الذي تخلي عنه اتباعه الأصليون لصالح الواقعية التاريخية. أقل ما كان يمكن أن يفعلة اليساري العربي، خاصة منذ سقوط المنظومة السوفيتية، هو العودة والبحث في الجذور التاريخية والثقافية الخاصة به لكي يسوغ فكرا يساريا مهضوما. لم يفعل ذلك والغريب أنه لم يفعل رغم علمة أن مجتمعاته واتباعه بحاجة لذلك للخروج من حالة التضارب في الآراء والمواقف. كما هو حاصل حالياً بين أهل اليسار في منطقتنا.
ما يحدث من تضارب في الآراء أضحي جلياً بعد بزوخ هلال الربيع العربي، الذي كشف فعلاً عن غياب منظومة يساريه عربية متناسقه متكاملة. خير دليل هو أن هناك يساريين كانوا ينادوا يومياً بالحرية ورفع الظلم، وفور تلبية الشعوب النداء تحولوا لأشد اعداء من صرخ ضد الطغاة. بل وأن منهم من نادى بالحرية لبلد، مصر مثلاً، وناقض نفسه برفضه هذا الحق على أهل ليبيا وسوريا، ظناً بأن حكام هذه البلاد هم رمز اليسار، في حين أن الواقع اليومي أثبت أن بين هؤلاء واليسار نفس الاختلاف بين الجنة والنار. نفس الأمر حدث في العراق، اليمن وفلسطين. مثل هذه الاشكاليات خلقت انطباعا بعدم وجود انسجام يساري بين الظاهر والباطن، وأن المتواجد حالياً على الساحة ليس سوي يسار مخادع أو مخدوع، أو كلاهما معاً.
لا يتوجد منطقة وسطي في مقارعة الظلم، أياً كان نوعة أو الحزب المرتكز عليه. الظلم ظلومات. لذا لا يصح أن يتفهم ويدعم نضال شعب معين ويرفض حق الشعب الآخر في الحرية والكرامة، بحكم اقتربه الشكلي من المنطق اليساري. مثل ذلك خذلان وجريمة في حق المثالية اليسارية، التى العدالة، الحرية والمساواة صلب نواتها الأيدلوجية. كما لا يحق لأحد أن يقف مع هذا ضد ذاك نكاية بهذا أو ذاك البلد أو حكومته. للأسف هذه ما يفعلة بعض الحاملين لشعار اليسار. أدني من يوصف ذلك هو أنه لا يتناسب مع الضمير الثوري اليساري.
نعيد ونذكر بأن الفكر اليساري فكر حرية، عدالهة ومساواة. أو هكذا يفترض أن يكون هو وأتباعه. وهو فكر ديناميكي، لذلك لا يصح أن يبقي من يحمل شعارته متجمداً ومتناقضاً مع ذاته، مثله مثل أي مستبد يعتقد وزمرته بأنهم خلقوا ليبقوا دوماً في المناصب.
في بلادنا هذه العاهة مشتركة بين أهل اليمين وأهل اليسار السياسي. إن لم يتم تجاوزها فسيعتقد المتواجد بالوسط بأن النزاهة ليس سمه من سمات اليسار، بل الانتهازية والرجعية التي يقذفونها بها الغير. الثبات، الانصاف، مقارعة الظالم والوقوف بجانب الحق، حق المسحوقين، يمكن أن يبعد عن أهل اليسار شبح الغوغائية التي التصقت بهم نتيجة مواقفهم المتنافره. غوغائية جعلت بينهم من يقول هنا ما لا يفعل هناك، ويفعل هناك ما لا يقول هنا، حفاظاً على المصالح الخاصة والعلاقات العامة.
٭ كاتب فلسطيني
د. ناصر عبد الرحمن الفرا