بعد إنتهاء صلاة العشاء حرص حارس مسجد مراد باشا على إخراج الجميع من ساحته، ثم أحكم إغلاق بوابة السور الخارجية، لكن عددا من الشبان وحتى العوائل قفز من فوق السور، وافترش صحن المسجد هربا من ازدحام الحدائق المحيطة به، وبساحة آق سراي، معظم أولئك لم يحن موعد سفرهم بعد، ولا يزالون لاجئين قيد الانتظار.
قبل منتصف الليل أتى السماسرة راحت تحفهم جموع زبائنهم يردون بشحيح الكلام، من دون أدنى التفات ولا يتوقفون عن التدخــــين، ففي بلادي عادة ما يتصرف المستخدم معك تصرف الوزير نفسه، إذا ما كانت لك عنده حاجة. أخيرا اتت الباصات ركبوها وسط تخويف السائقين والسماسرة، رغم أن ما كان يجري لا يقل وضوحا عن سطوع الشمس وسط كبد سماء صيفية، ابتعدت ترقبها أعين من بقي مستيقظا في الحديقة والساحة، على امل ان يحين موعد سفرهم قريبا. نقل عدد من المهربين عملهم من إزمير إلى اسطنبول، بعد حملة قامت بها الشرطة، لكنها لا تزال المركز الاكبر لتجمع المهاجرين.
أمام تلك الباصات رحلة لثماني ساعات تعود فيها إلى إحدى نقاط التهريب شمال ازمير مقابل جزيرة ميتاليني اليونانية؛ تأخروا قليلا فقد وصلوا مع ارتفاع الشمس؛ حملوا خمسة «أبلام» مع محركاتها وخزانات بنزينها وراحوا يشقون طريقهم بين منحدرات الجبال، يدفعهم سباب وصراخ المهرب التركي، وصلوا قعر المنحدر ونفخوا «بلما» واحدا ثم حملوه وتقدموا به عدة أمتار، أتى في أثناء ذلك المهرب الآخر محملا بالطعام؛ كال من الشتائم ما دفع زميله لعدم رفض دعوته ليقضي على أملهم بخطو خطوتهم الأولى، بعد امتلاء البطون أتت جلسة التحشيش على ما تبقى من إرادة للعمل ذلك اليوم، ثم مع الغروب تلاشت آمالهم بالسفر ذلك اليوم، في الصباح التالي تدافعوا على ركوب «البلم» وسط سباب وضرب صبية المهرب التركي الأفغان؛ تكدسوا ولم يتركوا مكانا فارغا، ظنوا أنهم بلغوا المياه الإقليمية اليونانية عندما اقترب منهم قارب خفر السواحل التركي مسببا موجة أمالت البلم فانخلع محركه من مكانه وانطفأ، لم يأبه الخفر لاستجداءاتهم وحملوهم إلى زورقهم؛ خلال دوريتهم تلك اعترضوا عدة «أبلام» في حين تركوا أخرى تتابع طريقها؛ في مقر الخفر تخلى عدد منهم عن فكرة الهجرة، وتمسك آخرون بها، بعدما سمعوا قصص من حاول للمرة الثالثة والرابعة؛ أخبرهم الضابط التركي أن يحرصوا على الاستعانة بمهرب جيد، إذا ما ارادوا متابعة طريقهم، ثم احضر لهم باصات أعادتهم إلى اسطنبول، قطعوا أكبر عقبة بعد عبورهم البحر الى ميتاليني ارتاحوا قليلا متأكدين أنها مسألة وقت ليصلوا إلى مبتغاهم، لكن نال منهم التعب والضجر بعد ليالي قضوها في الميناء، وما يسمى بالمخيم، حيث لا تتوفر أدنى مستلزمات النظافة؛ في ليلتهم الثامنة ضغطت الأمم المتحدة بكل ثقلها، وصفت الآلاف منهم في طابور بانتظار ورقة الطرد؛ ركبوا بعد أخذهم عبارة إلى أثينا ثم تابعوا إلى الحدود المقدونية التي كانت مفتوحة عبروها ثم تابعوا إلى صربيا حيث الحدود مفتوحة أيضا؛ كانت المشكلة الاكبر هي هنغاريا لكنهم تفاجأوا عندما وجدوا حدودها مفتوحة؛ عبروها أمام أعين الشرطة باتجاه مخيم، على أن يتم ترحيلهم منه بعد أخذ بصماتهم، لم يدخلوا المخيم وتابعوا طريقهم إلى بودابست، حيث وجدوا محطة القطار فيها مزدحمة باللاجئين، على غير عادة، قيل لهم أنها آخر فرصة قبل إغلاق هنغاريا لحدودها. أكملوا طريقــــهم الى النمسا ثم ألمانيا، حيث اتجه كل منهم الى فردوسه الموعود. الآن الطريق أكثر سهولة وأقل كلفة بعد تحول الطريق من صربيا إلى كرواتيا حيث يتم نقل اللاجئين عبر سلوفينيا ثم هنغاريا إلى النمسا ليتابعوا سيرهم الى حيث أرادوا عبر ألمانيا؛ وبذلك زالت تكلفة المهرب من صربيا إلى النمسا عبر هنغاريا، والتي كانت تتراوح بين 800- 1400 يورو بإلغاء طريق صربيا هنغاريا.
اللافت للنظر خلال الرحلة أن نسبة السوريين بين اللاجئين تبدأ تقل من تركيا حتى مخيم اللجوء الأخير المملوء بالمهاجرين من أفغانستان وباكستان والبانيا وكوسوفو ودول المغرب العربي، وحتى من وإيران والعراق، حيث أغلب اللاجئين آتين من المناطق الشيعية الهادئة، رغم كل ما يحدث في سورية لا يزال الكثيرون ينسبون أنفسهم اليها، فتجد لبنانيين يدعون أنهم من حمص وأردنيين يدعون أنهم من مخيم اليرموك وعراقيين أنهم من دير الزور، وايرانيين وحتى افغانا اشتروا جوزات سفر سورية، كل أولئك يزاحمون السوريين على ترف أو ربما شقاء اللجوء، فعادة نجاح أي مهنة يدفع الجيران إلى تقليدها.
يقال إن أوروبا ومنها ألمانيا التي تمثل رابع أكبر اقتصاد في العالم مع عدد سكان قياسي ستعاني من الشيخوخة، فحسب إحدى الدراسات سيتناقص عدد سكان ألمانيا من 81 مليونا عام 2013 إلى 73 مليونا عام 2060 مع نسبة 59 ٪ للسكان الذين تجاوزت أعمارهم 65 عاما، إذا ما استمر معدل الإنجاب على ما هو عليه الآن فهي تريد أطفال اللاجئين وتستثمر فيهم على المدى البعيد لإصلاح الخلل الذي يهدد مجتمعها واقتصادها، وكذلك تفعل باقي الدول الاوروبية التي لا تمطر سماؤها ذهبا ولا يقطف اليورو من اشجارها، ومع ذلك لايزال يصر الكثيرون على النظر إلى الجزء المملوء من الكأس ويكادون يسجدون لأوروبا وكرمها، في حين كان الأفضل والأسهل والأكثر واقعية وإنسانية اخراج شخص واحد من سورية بدلا من اخراج 12 مليون سوري منها.
كاتب سوري
بشار عمر الجوباسي