السلف والخلف بين الرغد والشظف

حجم الخط
0

كان جدي، رحمه الله، في تلك القرية التي على مشارف القلب، لا يخطو خطوتين حتى يعترض الماء سبيل نعليه، فلم يكن ممكنا إطلاقا، في المرات القليلة التي كان يزورنا فيها، أن نتحدث أمامه عن قناني الماء المعدني. فالرجل الذي كان حليب أبقاره يملأ قدور البيت وجراره، حتى إذا صار مَضيراً انتهى إلى كلاب سابع جار، لم يكن ليصدق أن الحليب أصبح يباع في علب، فما بالكم إذا تعلق الأمر بالماء؟
الآن، وقد أصبحت المياه العذبة تنتهي إلى زجاجات بلاستيكية (لاحظوا هذا الاسم الغريب)، فلن يتأخر ظهور عبارات جديدة من قبيل «عودة المياه إلى قنانيها» و«جفت مياه كثيرة تحت الجسر»… كما لن يتأخر تَصَدُّر برميل الماء للسبورات الإلكترونية لبورصات العالم .
أما الهواء، وقد أصبح شديد التلوث بفعل الأنفاس الكريهة للحياة المعاصرة في أكثر من مكان، فلن يعدم شركات حصيفة تعمد إلى تعليبه. ولن ننتظر طويلا قبل أن نجد أنابيب الهواء تملأ رفوف الأسواق الممتازة مزهوة بماركاتها المختلفة: السافانا، الأمازون، الربع الخالي … وغيرها من الأسماء النقية. ولسوف يواكب ذلك ظهور نوع جديد من المقاهي يرتاده الناس قصد التمتع باستنشاق هواء تحت الطلب وحسب الأذواق: هواء بنكهة الخزامى، هواء الجبل، هواء برائحة الأصداف، هواء البحر، هواء الصحراء، هواء الغابة، هواء بنسمة البابونج … وكلها تحمل علامة تجارية مميزة لعلها إحدى علامات الساعة.
في قديم الزمان، كان عبد الله، وهو اسم لكل أسلافنا، يسمع هاتفا يهتف له، فيستيقظ مذعورا وينهمك في تفسير الرؤيا. وقبل سنوات فقط كان هاتف البيت يملك أمعاء دقيقة وأخرى غليظة وله رنين كالرنين تماماً. الآن، صار لعبد الله، وهو اسم لكل واحد منا، هاتف محمول برنة مميزة وذاكرة تشي بمن الهاتف الداعي، كما صار مزودا بساعة وآلة حاسبة وكاميرا… ولن يطول بنا الوقت قبل أن ينزل إلى الأسواق هاتف آخِرُ همه هو المكالمات، إذ سيكون مجهزاً، بالإضافة إلى كل ما سبق، بعطر وشفرة حلاقة ودليل سياحي وبطاقة بنكية وعازل طبي ومعجم وجهاز إنذار وبخاخ ضد الربو وفرشاة أسنان وريموت كونترول ومكيف هواء وترمومتر وطاقية إخفاء وخاتم سليمان طبعاً… وإلا ما معنى هذه العبارة السحرية: «full option».
حين ظهرت السينما لم يكن يسمح بالتمثيل سوى للخرسان الذين يرتدون الأبيض والأسود فقط، هكذا اعتقدت عندما شاهدت شارلي شابلن أول مرة. مشاهدو الأفلام الأوائل سيصابون بالذهول لو قيض لهم أن يشهدوا كيف أصبحت الشاشات تضج بالأصوات وتعج بالألوان، وكيف أن بعض القاعات السينمائية توفر إمكانية مشاهدة الفيلم بالأبعاد الثلاثة. التلفزيون، أيضا، تطور كثيرا. فبعد أن كان الجهاز يحتل نصف الغرفة، أصبح الآن عبارة عن لوحة تحمل توقيع الشركة المنتجة وتعلق على الحائط إلى جنب صورة العائلة.
ولن تتوقف الشاشة الصغيرة عند نقل الأصوات والصور والألوان، بل إن جيلا قادما من أجهزة التلفاز سينقل الرائحة أيضا، فيكون بإمكان المشاهد أن يشم عطور الممثلات وروائح الأكل… أما الأجيال اللاحقة، أمد الله في عمركم، فستسمح للمشاهد بأن يسلم على الممثلين عند نهاية الفيلم وأن يدعوهم إلى كأس شاي حتى.
الرسالة بطابعها البريدي المختوم هي ابنة أمس فقط، ومع ذلك فالأولاد الذين تَأمْسَنوا (MSN) وتَفَسْبَكوا (facebook) منذ نعومة أحرفهم يجدونها غريبة حقّا. وإذا كنا نستطيع أن نقنعهم بأن ساعي البريد الذي يحمل ذلك النوع من الرسائل على دراجته مازال حيّا يسعى، فإن إقناع الواحد منهم بأن البريد كان يُحمل، قديما، على ظهور الدواب سيكون من دون جدوى. فأي طفل هذا الذي يقدر أن يتخيل بِغالاً محملة بالإيميلات وهي تضرب في ربوع الأثير؟ خصوصا أن الجيمايل وليس البيغايل ما يضمن بريده الآن .
تسعفنا الحياة المعاصرة بآلاف الأمثلة على الرغد الذي وصلت إليه، حتى أن الإنسان العادي الآن يحيا حياة أحسن بكثير من تلك التي عاش أسلافه مهما علا شأنهم. فلو قيض لكسرى أنو شروان وقيصر الروم وهارون الرشيد أن يبعثوا أحياءً، لعرضوا علي إمبراطورياتهم القديمة مقابل حياتي البسيطة هذه، ولكنت اعتذرت في لُطْفٍ جَمٍّ عن مقايضة ضيزى كهذه.
إلا أن هذا الرغد ليس من دون ثمن، فاستنزاف الموارد الطبيعية التي تُؤَمِّنُه بدأ يؤدي إلى فساد الماء والهواء والتراب. وحدها النار لم تفسد، ولعل في ذلك شظفا ما بعده حياة.

كاتب مغربي

سعد سرحان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية