«فلاش باك» لرؤية يوسف شاهين: في وداع جمال عبد الناصر صورة سينمائية رسمتها الجماهير بالدموع

حجم الخط
3

القاهرة ـ «القدس العربي»: 28 سبتمبر/أيلول 1970 تاريخ فارق في حياة مصر والأمة العربية قاطبة، ففي هذا اليوم رحل الزعيم جمال عبد الناصر عن عمر يناهز 52 عاما فقط هي كل حياته الصاخبة الزاخرة بالانتصارات والانكسارات.
لقد سجلت الوسائط الإبداعية كلها رحيل ناصر بوصفه حدثا جللا، وبالطبع كانت السينما أول من سجل تداعيات الرحيل وتوابعه السياسية والاجتماعية والإنسانية صحيح أن ما سجلته السينما كان نوعا من تسجيل اللحظة التاريخية، وهو عمل فردي قام به المخرج الكبير يوسف شاهين كرد فعل للصدمة، حيث حمل الكاميرا بمبادرة شخصية وخرج للشارع يرصد ويتابع تدفق الملايين رجالا ونساء وأطفالا نحو منشية البكري مقر إقامة الرئيس آنذاك، وقد تمكن شاهين بالفعل من تصوير اللحظة التاريخية القاسية بكل ما حملته من معان لم يكن المخرج الشاب حينها ينتوي عمل فيلم تسجيلي يصبح هو الوثيقة المعتمدة للحدث، ولكنه خرج بدافع الإحساس بالكارثة، التي يعلم أنها في ما بعد ستصبح حديث العالم وليس العالم العربي فحسب.
صور يوسف شاهين في الجزء الأول من مبادرته تأثير الصدمة على عامة الناس بكل طوائفهم واختلاف ثقافاتهم، وفي يوم الوداع كان الجزء الثاني أكثر تحديدا ودقة، وهو ما يمكن أن يعطي للقطات المتناثرة صفة فيلم تسجيلي مستوف الشروط، فقد اشتمل على الموكب الجنائزي بمودعيه من رؤساء وملوك وأمراء بشكله الرسمي وحسبما اقتضي البروتوكول الرئاسي، فضلا عن أن الفيلم لم يغفل مظاهر الخروج الشعبي والجماهيري الهادر، في مشهد مهيب اختلط فيه الحابل بالنابل، وضاعت ملامح الرسميات بكل ترتيباتها الرسمية والأمنية الدقيقة، بعد أن صعد آلاف الشباب سطوح العمارات وتسلقوا أعمدة الإنارة الكهربائية، غير عابئين بالخطر لإلقاء النظرة الأخيرة على زعيمهم في وداعه لمثواه الأخير.
كان فيلم يوسف شاهين الذي حصلت هيئة الاستعلامات على نسخة منه، أول عمل فني سينمائي وثائقي لجنازة الرئيس الراحل، الذي سمي بيوم الوداع، وسجل فيه النشيد الارتجالي الذي قامت الجماهير بتأليفه وتلحينه تلقائيا مرددين الوداع يا جمال يا حبيب الملايين، إلى آخره، حيث حفظ بعد ذلك عن ظهر قلب لوروده في عشرات الأعمال الفنية التسجيلية والدرامية، حتى صار اللحن المميز لكل المصنفات الفنية التي تعرضت للحدث من قريب أو بعيد.
أخذا عن فيلم شاهين الذي أصبح مرجعا مهما، جاءت أعمال كثيرة لتضيف أبعادا أخرى ليوم وداع الزعيم، وهو ما رأيناه على سبيل المثال في مسلسلين مهمين هما «دموع في عيون وقحة « الذي قام ببطولته عادل إمام ومعالي زايد وصلاح قابيل ومحمود الجندي و»رأفت الهجان» بطولة محمود عبد العزيز ويسرا ويوسف شعبان ونبيل الحلفاوي، ويأتي ذكر هذين العملين على وجه التحديد لكونهما تناولا بشكل درامي موسع بطولات جهاز المخابرات المصرية وأفردا مساحة غير قصيرة لوفاة عبد الناصر وتأثيرها الداخلي والخارجي، بما فيها التأثيرات النفسية على العملاء الذين عملوا لحساب الأجهزة المصرية في مراحل بالغة الدقة والحساسية.
وعلى المستوى السينمائي احتل يوم الوفاة نفسه موقع الصدارة في العديد من الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والتسجيلية، بعد تجاوز الحدث لسنوات طويلة وقد أصبح ورود المشهدين الرئيسيين المرتبطين ارتباطا مباشرا بجمال عبد الناصر، أمرا ضروريا في سياق أي دراما تاريخية لها علاقة بالرحيل، أو قرار التنحي بعد نكسة 5 يونيو/حزيران 67 حيث يفسر الحدثين التاريخيين مدى ارتباط الناس بشخص الزعيم الراحل، رغم الظروف القاسية التي اعترت فترة حكمه.
من الأفلام الشهيرة التي عكست ذلك فيلم «العصفور» ليوسف شاهين، الذي استفاد من المشاهد التسجيلية سالفة الذكر وأضاف إليها البعد الدرامي المؤثر في مشهد لا ينسى للبطلة محسنة توفيق وهي تهرول صارخة للاحتجاج علي الهزيمة مطالبة بالاستمرار في الحرب حتى النصر، وكذلك جاء المشهد نفسه بعد التغيير في السياق محملا بمشاعر الحزن والألم في فيلم «النمر الأسود» للنجم الراحل أحمد زكي، ولعل الفيلم الأكثر وضوحا إزاء هذا الحدث هو «الكرنك» الذي حمل شعورين متناقضين الحزن والإدانة بالنسبة للنكسة، لكنه لم يتعرض لحدث الوفاة.
أما عن الأفلام التسجيلية التي اهتمت بالطبع اهتماما أكثر من مجرد التلميح، فيأتي على رأسها فيلم «أرفع رأسك يا أخي» للمخرج اللبناني سايد كعدوا فقد كان وثيقة سينمائية جامعة مانعة لحياة الزعيم جمال عبد الناصر من الألف للياء. هناك أفلام أخرى تناولت حياة رئيس الجمهورية العربية المتحدة، أو مراحل منها، فعلى سبيل المثال فيلم «جمال عبد الناصر» للمخرج السوري أنور قوادري و«ناصر 56» للمخرج محمد فاضل، وفيلم «ما يطلبه المستمعون» للمخرج السوري أيضا عبد اللطيف عبد الحميد، وهذا بالطبع بخلاف المسلسلات التي من بينها مسلسل حمل اسم الشخصية وقام ببطولته الفنان المصري مجدي كامل، ثم المسلسل الأخير «الصديقان» للنجم جمال سليمان وكلها أعمال اقتربت من السيرة الذاتية وابتعدت عنها بنسب متفاوتة، ولكنها ظلت وثائق تعبر عن وجهات النظر في 12 عاما، هي فترة حكم عبد الناصر بكل امتيازاتها وإخفاقاتها وما كتب وروي عنها، وكلها استمدت ثرائها من ثراء الشخصية البطولية ذاتها.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية