لندن ـ «القدس العربي»: وضع حلف الشمال الأطلنطي- الناتو آلافا من قواته على أهبة الاستعداد ولإرسالهم إلى تركيا لتوفير الحماية لها من العملية العسكرية الروسية التي تديرها في سوريا ضد المقاتلين المعارضين لنظام بشار الأسد وفي ضوء التصعيد الروسي على الحدود السورية مع تركيا. وجاءت تعهدات الأمين العام لحلف «الناتو» ينس ستولتينبرغ في الوقت الذي كثف فيه الطيران الروسي والقوات التابعة لنظام الأسد من هجماتهم ضد معاقل المعارضة.
وفي وقت اتهم فيه وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر روسيا بأنها تتظاهر بقتال تنظيم «الدولة الإسلامية» وتضرب عوضا عن ذلك المعارضة السورية.
وتوقع كارتر أن تدفع روسيا الثمن وأن تجني عاقبة وتتكبد خسائر بين جنودها في إلماح لتسليح المعارضة السورية وتقديم أسلحة نوعية لها.
وتواجه المعارضة السورية هجوما شرسا من الطيران الروسي والقوات التابعة للنظام والتي تتلقى دعما جويا من الطيران الروسي حيث استهدف المقاتلون خلال الأسبوع الماضي وبشكل متكرر في شمال- غربي البلاد خاصة إدلب والجيوب المحيطة في مدينة حمص واستخدمت القوات في بعض الأحيان قنابل عنقودية التي أطلقت من دون تمييز.
احتلال ثان
وتعتبر المعارضة السورية التدخل الروسي احتلالا ثانيا بالإضافة للاحتلال الإيراني حسبما نقلت مجلة «إيكونوميست» عن أبو أمين من فصيل «ثوار الشام»، وتساءلت المجلة إن كانت الهجمة الروسية الحالية ستجلب المصاعب للمقاتلين السوريين والذين يتلقى بعضهم دعما من الولايات المتحدة والدول العربية.
وتقول إن هذا يعتمد على عاملين اثنين لا يمكن التنبؤ بهما: ماذا بجعبة حلفاء الأسد، الروس والإيرانيين، من مفاجأت وما هو رد داعمي المعارضة السورية وتحديدا السعودية وقطر وتركيا.
وتضيف المجلة قائلة إن الهجمات الجوية لا تكفي وحدها لهزيمة المقاتلين والذين يتوزعون على فصائل يقترب عددها من 7.000 فصيل حسب مركز كارتر. فالغارات الجوية لن تؤدي إلا لدفع أعداد كبيرة من السوريين للهجرة ولكنها لن تمكن الأسد والدول المتحالفة معه على استرداد ما خسره النظام من أراض والحفاظ عليها.
فقد كانت المعارضة السورية في وضع جيد أحسن ما كانت عليه عندما بدأت الانتفاضة عام 2011. وفي الأشهر الأخيرة قامت الجماعات من غير «تنظيم الدولة» بتنسيق جهودها ودفنت خلافاتها حيث شكلت تحالفا ضم جماعات سلفية مثل أحرار الشام وأخرى موالية للقاعدة مثل «جبهة النصرة» تحت مظلة جديدة وهي «جيش الفتح» تمكن من السيطرة في آذار/مارس على مدينة إدلب وجسر الشغور ومناطق آخرى في الشمال.
وفي الجنوب تقدمت الجبهة الجنوبية التي كانت تتلقى الدعم من الأردن والأمريكيين في مناطق واسعة واقتربت من مدينة درعا الحدودية.
وتقترح «إيكونوميست» أن جماعات المعارضة السورية ستواجه خطرا حالة قررت موسكو نشر قوات برية في سوريا. وفي هذا السياق اقترح رئيس لجنة الدفاع في الكرملين الروسي إمكانية انتقال «المتطوعين» الروس في أوكرانيا إلى سوريا.
ومع أنه نفى هذا الكلام لاحقا فإن حليفة الأسد الأخرى إيران تقوم بنقل أفراد الميليشيات إلى داخل سوريا وبإشراف من قادتها العسكريين. ويقاتل «حزب الله» مع قوات الأسد منذ سنوات وكذا الميليشيات الشيعية الأخرى من العراق وأفغانستان وباكستان.
ولم تستبعد المجلة عملية عسكرية واسعة بدعم من الطيران الروسي إن لم تكن قد بدأت فعلا. لكل هذا دعا المعارضون السوريون الجهات الدولية الداعمة لهم لتقديم أسلحة نوعية لهم. ويقول بيتر هارلينغ من مجموعة الأزمات الدولية إن «قيام روسيا بإرسال رسالة قوية بأنها تريد انتصار النظام وهو ما سيدفع الأطراف الأخرى للتصعيد».
خطط السعودية
وفي الوقت الحالي التزمت الدول الداعمة للمعارضة بالصمت، وما سيحدث في المرحلة المقبلة يعتمد كما تقول المجلة بشكل كبير على السعودية وتركيا وقطر خاصة أن الولايات المتحدة فقدت تأثيرها على مسار الحرب.
فمع ان «سي آي إيه» دربت معارضين للنظام السوري في برنامج كلف 500 مليون دولار أمريكي إلا أنه فشل بشكل ذريع.
ولا يوجد إلا عدد قليل من المقاتلين الذين لا يملأون «عربة بيك اب» ممن انخرطوا في حرب تنظيم «الدولة الإسلامية».
وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد وعد بعد التدخل الروسي بتوزيع السلاح على حوالي 30.000 مقاتل لمساعدتهم للتقدم نحو الرقة عاصمة «الخلافة» والسيطرة عليها. لكن حلفاء الولايات المتحدة لا ينتظرون شيئا خاصة أن أنهم يشعرون بالخيبة للرد الأمريكي على الغارات الروسية.
وما تقترحه أمريكا من قوات لا يتعدى 25.000 كردي و 5.000 من أبناء العشائر العربية. ومن هنا فغياب التمثيل السني الحقيقي يعمل على تغذية عدم الاستقرار في كل من العراق وسوريا وهو ما يدفع السنة نحو أحضان «تنظيم الدولة».
ومنذ بداية الانتفاضة حاولت دول الخليج تقديم أسلحة مضادة للصواريخ ولكن إدارة أوباما عرقلت جهودها.
ولكنها على ما يبدو تمردت ودعمت المعارضة بعيدا عن موافقة واشنطن، ولم يستطع المقاتلون السيطرة على إدلب من دون السلاح النوعي الذي حصلوا عليه.
وبهذه المثابة فالمعارضة لم تدجن بعد رغم القوة الجوية الروسية وهو ما يعني دخول روسيا مرحلة جديدة من التصعيد.
وفي ضوء المواجهة المحتملة بين تركيا ودعوات متكررة من النواب العراقيين لغارات روسية مماثلة في بلادهم ضد «تنظيم الدولة» يكون قوس الأزمات قد اكتمل ووصل ذروته. وما هو واضح أن السوريين أصبحوا مرة أخرى تحت رحمة الخارج.
قوات برية
وفي هذا السياق ذكرت صحيفة «فايننشال تايمز» نقلا عن محللين وخبراء روس أن أهداف الحملة العسكرية لن تتحقق من دون قوات برية وبحسب ألكسندر خرمتشخين مدير المعهد للتحليل السياسي والعسكري «لا يمكنك الهروب من قواعد الحرب الأساسية: لا يمكن ضمان الحرب إلا على الأرض».
وأضاف «إن كان هدف الحملة أكثر من تحقيق نقطة سياسية فستكون هناك ضرورة للتفكير بإرسال قوات للعمليات البرية».
ويظل موضوع قوات برية بالنسبة للكرملين «تابو». فالمسؤولون يتذكرون الحرب الكارثية في أفغانستان التي قتل فيها أكثر من 13.000 جندي سوفييتي ولهذا قدموا الحملة في سوريا على أنها عملية عسكرية قصيرة الأمد، وتدخل آمن ورفضوا بشكل قاطع فكرة إرسال قوات روسية للمعركة».
ومع ذلك يرى مستشارو الحكومة الروسية أن حملة عسكرية ذات طبيعة عسكرية لن تغير طبيعة النزاع العسكري وتحرف ميزانه وبطريقة حاسمة على الأرض. وبحسب شخص يعرف بتفكير الكرملين «نحن نتحدث عن بلد يقف على حافة التقسيم، والطريقة الوحيدة لإعادة الوضع هي مساعدة الحكومة الشرعية على استعادة السيطرة».
وأي عملية لا تأخذ هذا بعين الاعتبار ستتداعى «حالة توقفنا عن القصف الجوي» كما يقول. وكان المسؤولون الروس قد تحدثوا عن نشر 2.000 جندي في المرحلة الأولى للعملية وذلك لتوفير الحماية للمنشآت العسكرية قرب اللاذقية.
وبحسب أحد العارفين فهناك خطط طارئة تم وضعها لكن لم يتم تفعيلها. وفي الوقت الحالي تراقب روسيا التقدم الذي تحققه الغارات على الأرض وكذا حلفاء النظام من «حزب الله». وحقق النظام حتى الآن بعض التقدم فيما زعمت المعارضة المسلحة أنها دمرت 18 دبابة تابعة له.
شطب المعارضة
ويقول محللون روس إن سبب استهداف الغارات الجوية المعارضة السورية يهدف لحذفها من المعادلة العسكرية والسياسية وعندها لن يكون لدى التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا خيار إلا التعامل مع الأسد.
ويقول خرمشتخين «تقوم جماعات المعارضة باستنفاذ الطاقة الضرورية لقتال «تنظيم الدولة» وبسبب توزعها المناطقي في سوريا فعلى الأسد مواجهتها قبل التفرغ لقتال تنظيم الدولة»، ولن يتم تحقيق هذا من خلال الدعم الجوي فقط حيث قال «سنعرف نتائج الحملة في الأيام القليلة المقبلة».
ويقول هو وغيره من المحللين الروس إن التدخل الروسي والدعم الإيراني سيرفعان من معنويات الجيش السوري المجهد والذي تنقصه الدبابات والعربات المصفحة.
ويرى إيغور سوتياغين من المعهد الملكي للدراسات المتحدة بلندن أن موسكو ليست لديها خطة بديلة و»قد تحتاج لواحدة حالة لو تعثرت جهودها».
وهناك مخاوف في موسكو من أن يوحد التدخل السوري قوى المعارضة السورية. وكانت بعض الجماعات السورية قد دعت لتحالف من اجل مواجهة التحالف الروسي- الإيراني في سوريا.
ويقول المسؤولون الأمريكيون أن روسيا عززت من نشر قواتها البرية، إضافة للمعدات والدبابات.
ويقدر مسؤول عسكري عدد الدبابات من نوع تي- 90 بحوالي 129 قطعة من مدفعيات هاوتزر وعشرات من السيارات المصفحة. كل هذا لا يكفي لهزيمة تنظيم الدولة. فحتى يتحقق النصر الحاسم تحتاج روسيا إلى 100 مقاتلة بمن فيها تي يو -22 أم.
ويعتقد غرمشتيخين أن قوة من 5.000 مقاتل من القوات الخاصة «سبتسناز» والتشكيلات الشيشانية ستكون ضرورية لتحقيق النصر في حرب واسعة.
وكل هذا الحديث مرتبط بفلاديمير بوتين الذي قد يقرر وقف حملته إن وجد أنها حققت أهدافه السياسية، فبالإضافة لدعم الأسد وكسر العزلة عن روسيا كان بوتين يهدف لدفع الجميع كي يتحدثوا معه حسبما يرى سوتياغين.
وإذا كان هدف بوتين دفع المجتمع الدولي للتحاور معه من أجل فهناك دول اشترت رؤيته في أوروبا التي تواجه أزمة لاجئين صارخة.
تعاون
وهناك من الباحثين من يوافق على التعاون الأمريكي- الروسي. ففي استطلاع أجرته «فورين أفيرز» مع عدد الخبراء ووجدت أن 10 منهم يوافقون على التعاون و3 يوافقون على التعاون بقوة و4 لم يؤيدوا أو يعارضوا و7 عارضوا و7 عارضوا بقوة.
وتميزت المقالات التي نشرت على موقع الدورية التي يصدرها مجلس العلاقات الخارجية بالتنوع في المواقف حول الداعمين والرافضين للتعاون. وبعيدا عن الجدال الأكاديمي يواجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما ضغوطا لتغيير سياسته تجاه سوريا.
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن أوباما يراقب خطوات بوتين. فالرئيس الأمريكي الذي حدد موقفه من الأزمة في سوريا بأنها تقوم على «التصميم والصبر الاستراتيجي» إلا أن الغارات الجوية جعلت من صبر أوباما يبدو شللا. وأيا كان الحال يقول مستشارو الرئيس إن هناك القليل مما يمكن عمله.
وهناك عدد من الاقتراحات التي تعد للنقاش في اللقاءات المتوقع عقدها في الأيام المقبلة. لكن أوباما واضح في مسعاه ومدخله للأزمة السورية وأنه لا يريد مواجهة مع روسيا أو يواجه خطر تصعيد معها. وفي الوقت نفسه ليست لديه الاستراتيجية الشاملة لحل النزاع وهزيمة «تنظيم الدولة».
ويقول المستشار السابق للبيت الأبيض مايكل ماكفول «لا يوجد حل عند هذه المرحلة يمكن للإدارة مراقبة طريقة تنفيذه». ويرى ماكفول الذي عمل سفيرا في روسيا قبل أن يعود للعمل في جامعة ستانفورد أن الإدارة «ستقوم باحتواء»الأزمة.
وتضيف الصحيفة أن الرئيس أوباما يتعامل مع الأفكار الداعية لمواقف متشددة بأنها طريق للكارثة.
وفي الوقت الحالي يقوم المستشارون الأمريكيون بدراسة طرق لكيفية حماية المعارضة السورية المدعومة من الغرب.
ويعترف مستشارو أوباما بأنه يمكنهم مساعدة حلفائهم تحمل الضربات الروسية. رغم شعورهم أنهم أمام لغز يشبه «مكعب روبيك» الذي يؤدي تحريك قطعة من قطعه إلى تقديم حل ليكتشف اللاعب انه لا يستطيع الحصول عليه. فكل يوم تتداخل اللعبة في الشرق الأوسط وتتعقد محاورها.
ومن هنا يقول المستشارون إن أوباما سينتظر نتائج التدخل الروسي. فهو ومن معه واثقون من عدم قدرة روسيا على تحقيق نصر حازم بعد فشلهم حل النزاع في السنوات الأربع الماضية.
وفي الوقت الذي تعتقد فيه موسكو أنها أخذت زمام المبادرة إلا أن المسؤولين الأمريكيين يرون أنها ورطت نفسها في صراع قبلي ستندم لاحقا على تدخلها فيه. ولكن فريق أوباما لديه شعور أن النزاع السوري لن يحل فيما تبقى للرئيس من وقت في البيت الأبيض.
وهذا لا يعني الوقوف أمام مجريات الأمور من دون تحرك. وتشير هنا لخطة الإدارة الدفع باتجاه عزل مدينة الرقة. ولا يعرف إن كان هذا التفكير سيؤدي إلى حرف دفة المعركة. فبعد عام من الغارات التي شنها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة على تنظيم الدولة لا يزال هذا يتقدم ويتوسع رغم 7.000 غارة.
وتشير الصحيفة لشبكة التناقضات التي فرضها قتال «تنظيم الدولة» على واشنطن، فهي في العراق تقاتل إلى جانب إيران. وفي سوريا تعارضها بسبب دعمها لنظام بشار الأسد.
وكان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف قد وصف معضلة واشنطن بالقول إنها وقعت في مصيدة صنعتها بنفسها «فلديك حلفاء لا يريدون إضعاف «تنظيم الدولة» لأنه يقوي الحكومة المركزية». في إشارة للمعارضة السورية التي ترفض النظام. ولكن استهداف روسيا لها لا يعمل إلا على إطالة أمد الحرب. ويقول مسؤولون في الإدارة إنهم لا يريدون أن يتركوا الساحة لبوتين كي يقرر السياسة فيها وفي الوقت نفسه لا يريدون حوادث عرضية بين الطائرات الأمريكي والروسية في الأجواء السورية. وعمليا فالولايات المتحدة ليست لديها القدرة على وقف الحملة الروسية أو اتخاذ إجراءات عقابية ضدها، ومن هنا تنتظر الإدارة حتى يقع بوتين في حفرة بوتين كما وقع الاتحاد السوفييتي السابق في دوامة أفغانستان في الثمانينيات من القرن الماضي.
وهذا موقف لا يختلف عن موقف أوباما منذ بداية الحرب السورية حيث تميز بالتردد ورفض تسليح المعارضة ووضع خط أحمر انتهكه هو قبل أن يتجاوزه الأسد.
ويرى ماكفول «نحن مسؤولون عن هذه الأخطاء» و»لكن التفكير مرة أخرى فيها لا يعني أنها ستحل مشكلة اليوم».
إبراهيم درويش