تونس ـ «القدس العربي»:يشعر كثير من التونسيين بحالة إحباط نتيجة لتقرير التنافسية العالمية لسنتي 2015 و2016 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس. حيث احتلت تونس في التقرير المرتبة 92 من بين 144 دولة ما يعتبر كارثة في كل المقاييس باعتبار أن هذا المنتدى يحظى بثقة كثير من المستثمرين الراغبين في معرفة حقيقة الأوضاع في مختلف بلدان العالم.
ولعل ما يبعث على الحيرة أن تونس تراجعت بخمس مراتب مقارنة بالسنة الماضية وبستين مرتبة بالتمام والكمال بالمقارنة مع تصنيف سنة 2010، أي السنة التي سبقت اندلاع الثورة. فقد كانت البلاد قبل هذا التاريخ تحتل مراتب مشرفة مقارنة بحجم ثرواتها المحدود، وكانت مشجعة للمستثمرين سواء المحليين أو الأجانب، كما كانت تحظى بثقة الصناديق المالية لقدرة البلاد على سداد ديونها في الآجال، قبل أن يتغير الأمر وتصبح بحاجة إلى ضامن أو كفيل لاقراضها من هذه الصناديق بعد أن تراجع أيضا تصنيفها الائتماني لدى وكالات متخصصة على غرار ستاندار آند بورز.
ويعتمد تقرير دافوس على إثنا عشر مؤشرا لتصنيف البلدان ومن ذلك البُنى التحتية والصحة والتعليم وكفاءة الأسواق ومدى تطوير سوق المال إضافة إلى الجاهزية التكنولوجية ومدى تطور مناخ المال والأعمال وغيرها. وتتوزع هذه المؤشرات أيضا إلى مئة وتسعة عشر مؤشرا فرعيا تكون جميعها معايير لتقييم البلدان ما يجعل تصنيف دافوس يحظى باحترام وثقة قل نظيرهما وذلك مقارنة بتصنيفات أخرى يتم تضمينها في تقارير تصدر عن مؤسسات لا وجود فيها لهذه الدقة التي تميز تصنيف دافوس.
وضمن التصنيفات الفرعية فقد احتلت تونس مرتبة متأخرة جدا فيما يتعلق بتأثير الإرهاب على مناخ الأعمال (128) وهو ما يؤكد أن الوضع الأمني غير المستقر أثر سلبا على قدرات البلاد التنافسية. فلولا المداخيل القياسية التي حققتها الفلاحة هذه السنة وخصوصا زيت الزيتون، وتونس هي بلد زراعي بامتياز يحتل المرتبة الثانية عالميا في تصدير هذه المادة، ولولا انخفاض سعر النفط في الأسواق العالمية، لكانت البلاد شهدت كارثة اقتصادية بكل المقاييس بعد تراجع مداخيل السياحة نتيجة لعمليتي باردو وسوسة الإرهابيتين ونتيجة أيضا لفرار أغلب المستثمرين الأجانب نحو المغرب رغم الموقع الاستراتيجي المتميز لتونس وكفاءة اليد العاملة فيها.
الصحة والتعليم
لكن رغم ذلك فقد تضمن تقرير دافوس بعض المؤشرات الايجابية فيما يتعلق بتونس، فقد احتلت على سبيل المثال المرتبة الأولى عالميا في انخفاض نسبة المصابين بمرض الآيدز أو السيدا، كما احتلت المرتبة العاشرة عالميا في نسبة التمدرس لتلاميذ المرحلة الابتدائية ومراتب أخرى متقدمة في مجال توفر خريجي الشعب العلمية والهندسية وفيما يتعلق بحصول المواطن على خط للهاتف المحمول.
وتعود هذه المؤشرات الايجابية، بحسب أغلب الخبراء والمحللين، إلى خيارات دولة الاستقلال التي راهنت على قطاعي الصحة والتعليم واعتبرتهما أولوية الأولويات. فتونس تنفق ومنذ استقلالها أواسط القرن الماضي ما يقارب ثلث ميزانيتها على التعليم وهو خيار رسخه الرئيس الراحل الزعيم الحبيب بورقيبة الذي نجح في تحويل تونس أيضا إلى قطب صحي إقليمي يحج إليه جيرانه وخصوصا الليبيين للتداوي في مصحاته.
ولعل ما يمكن استنتاجه من تقرير دافوس أن المناخ الاستثماري في تونس والسوق المالية والبنوك وسوق العمل بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة واصلاحات هيكلية تبدأ بالقوانين الموروثة عن حقبة الستينيات الاشتراكية وحتى عن الحقبة الاستعمارية وتنتهي إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الفاعلة لادماج الاقتصاد في السوق العالمية بقدرة تنافسية عالية. كما أن الإدارة التونسية بحاجة إلى التخلي عن البيروقراطية المبالغ فيها والموروثة عن نظيرتها الفرنسية، فقد أشارت إلى ذلك كريستين لاغارد رئيسة صندوق النقد الدولي خلال زيارتها الأخيرة إلى تونس داعية إلى التخفيف من الإجراءات الحمائية والقيود المبالغ فيها حتى تتمكن الإدارة التونسية من أن تتحول إلى إدارة عصرية. ويبدو أن هناك شعورا عاما بهذه المشاكل تجلى من خلال مشروع قانون الاستثمار الجديد الذي خفف كثيرا من القيود التي كانت تفرض على المستثمرين الأجانب، كما أن هناك حزمة من القوانين سينظر فيها مجلس نواب الشعب تهدف إلى القيام باصلاحات هيكلية لتأهيل الاقتصاد التونسي ليواكب المتغيرات العالمية. كما ان هناك جهودا حقيقية تقوم بها وزارتا الداخلية والدفاع في محاربة الإرهاب رغم بعض الهنات لأنه في النهاية لا تنمية اقتصادية بدون أمن مستتب.
روعة قاسم