باريس ـ «القدس العربي»:حين أعلن وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان أن أكثر من تسعين في المئة من غارات المقاتلات الحربية الروسية لا تستهدف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية فكأنه كان يعني انه بفضل التدخل العسكري الروسي الذي تصفه العواصم الغربية بالعشوائي انتزع مقاتلو التنظيم الســيطرة على قـــرى سورية على مشارف حـلــب من جمــاعات مقاتلة منافسة رغم الـــضــربات الــجـــوية الروسية التي تقول موسكـــو إنها تستهدف التنظيم المتشدد.
كما كشف الوزير الفرنسي أن أكثر من ثمانين في المئة من الضربات الجوية والعمليات العسكرية الروسية في سوريا هدفها الوحيد تقوية معسكر الرئيس بشار الأسد وحماية نظامه، محذرا في الوقت ذاته من إمكانية وقوع «مخاطر وحوادث بعد انتهاك مقاتلة روسية للمجال الجوي في تركيا، لا بد من توخي الحذر الشديد».
ويرفض المسؤولون الفرنسيون حتى الآن التسليم بوجود خطر روسي على عملياتهم العسكرية في سوريا، في ظل مواصلة الطيران الفرنسي مهاجمة مواقع تنظيم الدولة الإسلامية غير بعيد عن الطائرات الروسية التي تقول موسكو إنها أيضا تقصف التنظيم، بينما يتهمها الغرب بقصف معارضي نظام بشار الأسد.
وفي رده على سؤال بخصوص خطر حدوث مواجهة عسكرية بين الروس والطائرات الفرنسية في سوريا قال وزير الدفاع الفرنسي «الخطر بالنسبة لفرنسا هو تنظيم الدولة الذي يخطط كل عملياته الإرهابية لتنفيذها على أراضينا من داخل سوريا، نحن مصرون على قصف المقاتلين الأجانب هناك قبل أن يأتوا لتنفيذ عمليات إرهابية هنا، بشار الأسد هو من أوصل بلاده إلى هذا الوضع، هو مسؤول عن مقتل 250 ألف سوري، بشار الأسد يقتل شعبه، لكننا نعتقد أن تنظيم الدولة عدونا الرئيسي».
ويعتقد الفرنسيون أن روسيا بقصفها مواقع للمعارضة المعتدلة ساعدت في تقوية شوكة التنظيم فأصبحت قواته على بعد أقل من كيلومترين من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة على الطرف الشمالي لحلب وهذه أقرب نقطة للمدينة يصل إليها التنظيم المتشدد، بعد أن سيطر مقاتلوه على خمس قرى في هجوم لهم، قتلوا من خلاله «أكثر من 10 مرتدين» وهو الوصف الذي يستخدمه التنظيم للإشارة إلى الجنود السوريين وحلفائهم في الجماعات المسلحة.
وحسب مصادر وزارة الدفاع الفرنسية التي تراقب عن كثب تطورات ما يجري على الأرض، فإن قوات النظام مدعومة من ميليشيات حزب الله اللبناني وقوات إيرانية أطلقت حملة مشتركة وعملية عسكرية واسعة النطاق في المحور الممتد بين حلب وحمص ضد معاقل المعارضة المسلحة في هذا المجال بين حلب وحمص.
ويعتقد الفرنسيون أن الهدف من ذلك هو دفع المتمردين في الشمال إلى تخفيف الخناق على مدينة اللاذقية، معقل النظام، ولكن أيضا لاستعادة السيطرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والمحور الممتد بين حلب شمالا ودمشق جنوبا.
وتقصف موسكو مستخدمة طائرات وسفن حربية أهدافاً في أنحاء سوريا منذ أسبوعين تقريبا، في إطار عملية تقول إنها تستهدف مقاتلي تنظيم الدولة الذين يسيطرون على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا إلى جانب مساحات واسعة من العراق.
غير أن الحملة تركز وفق الدول الغربية على قصف جماعات معارضة أخرى يحظى بعضها بدعم من دول غربية وخليجية تقاتل لصد تقدم تنظيم الدولة في محافظة حلب، ومن بين هذه الجماعات لواء صقور الجبل الذي قال إن الضربات الروسية دمرت مخزن الأسلحة الرئيسي لديه بشكل كامل تقريبا.
ووافقت فرنسا على إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا استجابة لطلب من الإئتلاف الوطني السوري بعد اجتماع مطول عقدته المعارضة السورية مع السفير الفرنسي لدى الإئتلاف فرانك جيليه.
واجتمع السفير الفرنسي من أجل ذلك أيضا مع المسؤولين الأتراك وبحث معهم سبل إقامة المنطقة الآمنة وآليات تنفيذها وقابلية تطبيقها، قبل مناقشة الإجراء مع المسؤولين الأمريكيين بهدف وضع اللمسات الأخيرة على المشروع والانتقال إلى التنفيذ.
وتهدف المنطقة الآمنة التي وافقت فرنسا على إقامتها في الشمال السوري بدعم ومساندة من تركيا والولايات المتحدة إلى حماية المدنيين من القصف العشوائي وتحييدهم عن المعارك، وهو ما ينعكس على إيقاف تدفق المهاجرين إلى أوروبا، وتعزيز تحصينات الجيش الحر لمحاربة نظام الأسد ومكافحة تنظيم الدولة بعد اقترابه من حلب.
وتخشى فرنسا ومعها أوروبا من وصول أفواج أخرى من اللاجئين السوريين إلى الأراضي الأوروبية بسبب القصف العشوائي الروسي وتقدم تنظيم الدولة نحو مناطق تسيطر عليها المعارضة، وهو ما عبرت عنه تركيا التي سارعت إلى التعبيرعن قلقها حيال احتمال تدفق جديد لموجة جديدة من اللاجئين السوريين على حدودها نتيجة للضربات الجوية الروسية في سوريا.
وعبرت تركيا عن ذلك صراحة على لسان المتحدث باسم خارجيتها تانغو بلجيتش حين قال إنه في ظل العمليات الجوية الروسية «هناك بطبيعة الحال احتمال أن تصل موجة جديدة من اللاجئين.. نشعر بالقلق من ذلك». معلنا في الوقت ذاته أن «تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي تواصل المحادثات مع الحلف وشركاء آخرين بشأن تعزيز قدراتها الدفاعية التي تتضمن أنظمة صواريخ باتريوت لكنها لم تقدم أي طلب للحلف لإرسال قوات إليها».
المخاوف الأوروبية نفسها عبرت عنها ألمانيا، حين أعلن وزير خارجيتها والتر فرانك شتانماير أنه لا بد من فتح حوار صريح مع روسيا فيما يتعلق بالأزمة السورية،وقال «بالرغم من آثار الأقدام العسكرية التي تتركها روسيا حاليا على الأراضي السورية، لا تزال هناك مصلحة مشتركة بين روسيا والولايات المتحدة». مضيفا أن هذا يتضح في عدة أمور من بينها على وجه الخصوص المحادثات الجارية بين البلدين.
وفيما بدأت الصحف والمجلات الفرنسية بالحديث عن ما تسميها مؤشرات بدء حرب عالمية ثالثة من سوريا، حذر الرئيس الفرنسي فرنسوا أولاند من ما أسماها «حرب شاملة» قد تندلع في حال لم تتحرك أوروبا في مواجهة النزاع في سوريا والوضع في المنطقة، داعيا مجددا إلى الإسهام لإيجاد بديل عن نظام الأسد وتنظيم الدولة الإرهابي.
وقال أمام النواب الاوروبيين في ستراسبورغ «يجب ان نبني في سوريا مع كل الذين يمكنهم الإسهام، مستقبلا سياسياً يعطي الشعب السوري بديلا غير نظام الأسد أو تنظيم الدولة».
واعتبر الرئيس الفرنسي أن على الاتحاد الأوروبي أن يطبق بأسرع ما يمكن الإجراءات التي اتفق عليها لمواجهة الأزمة من خلال إقامة مراكز استقبال والتحقق من الهوية كشرط أساسي لكي تكون الحدود الأوروبية آمنة، ممشددا في الوقت ذاته على اعتماد ما أسماها مبادئ «الحزم، التضامن، المسؤولية».
وكانت فرنسا شنت ضربة جوية جديدة في سوريا على معسكر تدريب لتنظيم الدولة الإسلامية وتوعدت بشن المزيد، وهي ثاني ضربة من نوعها منذ قرارها قصف تنظيم الدولة داخل الأراضي السورية، حيث كانت أولى ضرباتها الجوية في سوريا يوم 27 أيلول/سبتمبر دمرت من خلالها معسكر تدريب للدولة الإسلامية قرب دير الزور شرق البلاد.
وتعلل فرنسا التي سبق لها أن قدمت أسلحة ودعما لوجيستيا لمقاتلي معارضة مرتبطين بالجيش السوري الحر قصفها لتنظيم الدولة بمسؤوليته عن هجمات إرهابية حدثت داخل الأراضي الفرنسية، كما تتهمه بالتخطيط لعمليات أخرى ضدها انطلاقا من سوريا.