الحوار الثقافي أفق مفتوح مع الآخر، وصناعة باهرة للمختلف، ولشروط الانتقال للعتبة المقابلة. قد يكون هذا الحوار نصا لترجمة الآخر، أو نصا في استدعائه، فهو يقتضي- بالضرورة- توصيفا مفارقا، يمكن تسميته بالقبول بـ(ضيافة المختلف) الغريب والغيري، أو المقصي والهامشي، وقد يكون أيضا محاولة في تدوين نص للتابع الذي يتماهى مع فوبيا الهيمنة أو لمركزة الأشياء لصالح المتبوع على طريقة إيميه سيزار.
ثقافتنا العربية تحولت تحت هيمنة تاريخ طويل من الرعب السياسي إلى صناعة للفرجة، والتوهيم، والاستدعاء، إذ أفقدها المحاربون والاحتلاليون والاستشراقيون وأصحاب البداوة الثقافية الكثير من شروط الاستعداد الداخلي للتنوير والإصلاح التي نهض بمغامرتها الأولى اليازجي والبستاني وحسن العطار ورفاعة الطهطهاوي والكواكبي محمد عبده وفرح انطوان ويعقوب صروف وفارس نمر ومهدي عامل وحسين مروة وغيرهم، فلم تعد- هذه الثقافة – تحتمل كثيرا أن تكون ظلأ لثقافة الآخر، مثلما لم تعد تطمئن لضيافة قسرية لهذا الغريب المختلف، فهي تحولت – في الكثير من وجوهها- إلى ثقافة طاردة، ثقافة تضع المختلف في سياق الخلافي والمعارض، ليس من شأنها الكامل أن تصنع أطرا لها قابلية للتنافذ، وقابلية للتمدد على حساب المُكرس في هذا السياق.. سياقها التاريخي، العصابي، سياق الجماعة صار هو الموجّه، والسبيل، وهو القوة الخبيئة والخطاب الفقهي، وهو أيضا العقيدة والأيديولوجيا التي تفرض شروطها التي لا تؤمن بالتنوع والتعدد والمختلف..
هذا الفرض يقود- حتما- إلى الكثير من مظاهر الانسداد، وإلى المكوث الاضطراري في النسق، وفي خطاب تضخيم الذات، وإلى الاستلاب، فلا يقبل الواحد منّا الآخر إلاّ بشروطه، أي اكتساب الرضا أو التابعية بوصفها جزءا من هذه الشروط! حيث استمرار التموضع في الأنساق العصابية وفي ساحة الأنا، الأنا المرآوية المؤدلجة والصانعة لأوهامها العميقة..
الأغلب الآن من فرقاء الأزمات يتحدثون عن الحوار السياسي بوصفه حوارا للغرماء! ولم يفكر أحدٌ منهم في الدعوة لترحيل هذا الحوار إلى الفضاء الثقافي، للتخفيف من وطأة الشجن القومي، والثقل الغامر بالأخطاء، العقل المأزوم والعاطل عن الحوار هنا سيكون هو العتبة المُفضية إلى تلك الوطأة، وإلى صناعة ثقافات قاتلة ومقتولة. ما يحدث في العلن السياسي اليوم في العديد من بلادنا العربية أن الحوار بين السياسيين يظل حوارا سيمتريا، وعاطلا عن اصطناع المناطق الآمنة، وتعطيل أي إرادة لديمومة العمل على إثرائه بوصفات التوليد والحيوية والإخصاب، التي يمكنها أن تُسهم في تحريك الجماعات من العصاب إلى الفعل، وإخراجها من وهم الخندق إلى فضاء الكشف والمعرفة والمشاركة..
الحوار في هذا السياق فعل معرفي، وضرورة إنسانية. خصوصيته تكمن في تشذيب اللغة الخشنة والزلقة للآخرين، وفي إخراج المعنى من جادة الطريق الذي تحدّث عنها الجاحظ إلى فضاء التداول والاستعمال، لذا هو جزء من (الواجب) الأخلاقي، مثلما هو جزء فكري وفلسفي من القيمة الدافعة لأنسنة شروط الوجود، ولخلق الفضاء التفاعلي الذي ينزع عن الآخرين إحساسهم بالخوف والاستلاب..فلما لا يتحاور المثقفون مع بعضهم؟ ولما لا نسمع أن مثقفين من إثنيات مختلفة ومتنوعة قاموا بحوار حقيقي وجاد حول قضايا إشكالية مثل أزمة الهويات وأزمة الحريات وأزمة غياب الدولة المدنية والدستور والحقوق وطبائع الصراع السياسي والتهييج القومي والطائفي؟ أظن أن هذه الأسئلة لها علاقة بأزمة السياسة، وأزمة الأجندات، وأزمة حروب النص والقراءة، التي باتت تصطنع لها عطالات فادحة، فعطالة الحوار الثقافي الحقيقي تكشف عن الوجود المرعب للسياسي العصابي، والفقيه العصابي، والزعيم العصابي، لذا يلبس المثقفون أقنعة التابعين والمريدين، ويعيشون بالتماهي وهم المركزية القديمة، ولأنهم يتوهمون أيضا تحت هذا الهاجس بأن الخلاف حول مشروع الدولة هو شأن سياسي أو قومي أو طائفي، وليس شأنا ثقافيا..
الوقائع الثقافية العربية تثبت عكس ذلك، إذ يجد المثقف نفسه خاضعا لكل مرجعيات اللاوعي الجمعي للمتحاربين، وأنه سيكون أحد الصاعدين في العربة التي تقلّ الطائفي والقومي الشوفيني والتكفيري، وما يثار الآن من فتاوى ومن أفكار وطروحات في الفضائيات وفي مواقع التواصل الاجتماعي لا يترك أدنى شك عن هذا التوصيف …
عطالة الحوار الثقافي يعني عطالة وخرابا في النظام السياسي، وفي توسيع مساحات الأرض الهشة لتسريب النقائض، إذ تكون هي الأكثر سكنى لمراثي الرعب، وتعويم العقل الإصلاحي وإفقادة القدرة على أن يكون عقلا متعافيا في مواجهة أزمات الصراع والعنف الذي تعيشه الكثير من جبهاتنا العميقة.. كما أن غياب الحوار يعني المزيد من الانهيار المعرفي، والمزيد من العزلة، والمزيد من صناعة المركزيات الطاردة لغيرها، لاسيما ونحن الخارجين من معاطف المركزيات القديمة والآباء الغلاظ، سنكون أكثر حاجة للتطهير، والاعتراف، والترميم النفسي، وإلى إدراك أهمية قبول الآخر، بكل رمزياته ومقدسه ومرجعياته، وإعطاء الحوار القوة الخلاقة لتصميم مناطق منزوعة العنف! مناطق تصلح للتبادل الحر للمعارف والأفكار والكتب السرية وحتى القمصان القديمة، بما فيها قمصان الأخطاء! لكي نكتشف حجم الأوهام التي عششونا فيها وتركوها تعشش فينا، ولندرك أيضا أن (ضيافة الغريب والمختلف) ليست ضيافة للديناصور، إذ قد تكون ضيافةً لاستدعاء الاطمئنان الغائب، الاطمئنان الذي عطّل أدواته محاربون قدامى تركوا فم التاريخ مفتوحا كما يقول صديقنا الشاعر عدنان الصائغ.. صناعة الحوار هي أكثر الصناعات ثقلا الآن، والأكثر دفعا للنظر خارج غابة الفخاخ، وإعادة فحص الآخر ومراجعة (اضبارته الشخصية والتاريخية) بعيون عاقلة جدا، عيون تقرأ ما فوق وما تحت السطور، بعيدا عن مراثي المرويات الدامية التي يقول عنها ما بعد الحداثيون بأنها سر خراب الحداثة، والمسؤولة عن كل الحروب القديمة والاحتلالات القديمة… الحوار هو الطريق إلى الوطنية والقومية الصالحة، وهو الطريق إلى الدولة، وإلى السرير أيضا! إذ لا شيء خارج الحوار. الاعداء التكفيرون والأعداء العصابيون واللصوص يقعون دائما خارج الحوار، لذا من المسؤولية بمكان أن يبدأ الثقافيون حواراتهم، وصناعة أسئلتهم، ولكن عليهم أن يتخلصوا من عقدة التابع، والخوف من المركز القديم والمدوّن القديم، لأن هذا الخروج يعني الكشف عن الحرية، والحرية هي العتبة الكبرى لأي حوار إنساني، ولاكتشاف الحجم الحقيقي للعالم والأفكار، ولكشف الزوايا المضللة في التاريخ، مثلما يمثل الحوار استدعاء حقيقيا للمستقبل، هذا المستقبل الذي نتوه للأسف عن الكثير من شوارعه الأنيقة والمسكونة بالجمال والحياة.
كاتب عراقي
علي حسن الفواز