قضية التسجيلات بين الإخوان وحماس والانتصار لثورات الشعوب

من ناحية وفرة الأحداث وثراء تفاصيلها فليس لأي مواطنٍ مصري أو عربي أن يشكو من الركود والملل… أما انعدام المبالاة وفقدان الأمل من التغيير الحقيقي والشعور بالإحباط والخيبة فأمرٌ مختلف تماماً… وجرياً مع عادات ومواريث متأصلة، وفي غيبة أي تغييرٍ حقيقي، بات يتم التعاطي مع كل ما يستجد من أحداث كونها مواضيع للنميمة والتندر، فضلاً عن توفيرها ذخيرة للهجوم، وأحياناً التشنيع من قبل طرف على الآخر الذي ما يلبث أن يدفع التهمة عن نفسه ويجد، أو يختلق إذا لزم الأمر، حجةً تثبت جرم الطرف الأول، وهكذا دواليك… وعليه فليس من عجب مطلقاً من شكوى الجمهور الدائمة (فوق كل مشاكلهم) من الصداع المزمن وتعبيرهم عن القرف من برامج ‘التوك شو’، ومن أنهار الذم والسباب التي تسيل على ألسنتهم فتطال الساسة من كل الاتجاهات والإعلاميين… هذا بالطبع فضلاً عن انفضاضهم عن متابعة الشأن العام لكون هذه الأحداث على كثرتها وسرعة وتيرتها إنما تصب في بضعة أنساقٍ أو أفكارٍ رئيسية تختزل الصورة بإشكالاتها نوعاً ما )لذا فما أكثر ما لاكتها الألسنة حد الابتذال( وهي على سبيل المثال لا الحصر: سوء الأداء السياسي وفقدان التوافق، الاستقطاب، الحلول الأمنية المفرطة القسوة والغباء، وبالتالي الخائبة في معالجة مشاكل سياسية بامتياز، افتقار الجماعة للكفاءات الذي أذهل الجميع، التردي الاقتصادي، الالتزام بنفس انحيازات مبارك الاجتماعية والاقتصادية، الفوضى الأمنية.
غير أن وسط هذا الغثاء من الأحداث الذي يكلل المشهد السياسي التعس والمترهل تبرز قصة التسريبات المزعومة عن الاتصالات إبان الثورة بين قادة جماعة الإخوان المسلمين وبعض القيادات من حماس وتورط الأخيرين في اقتحام السجون، مما يحتم علينا التوقف عندها، ليس فقط لخطورة شأن الواقعة في حد ذاتها (هذا طبعاً بفرض حدوثها) وإنما لما تحيل إليه من المزيد من التساؤلات والاحتمالات الأكثر إزعاجاً بكثير وتأويلاتٍ وتداعيات تثير البلبلة ولا تخدم سوى أغراضٍ خبيثة مشبوهة لأعداء الثورة وهم للأسف كثر.
بدايةً تلح علينا أسئلة من نوعية: لماذا تأخر هذا ‘الكشف’ حتى الآن وأين كانت الأجهزة السيادية طيلة الفترة السابقة، خاصةً أثناء الانتخابات؟ ألم يكن ‘واجبها الوطني’ يحتم عليها فضح تورط وتواطؤ قيادات الجماعة مع ‘قوى خارجية’؟ ولماذا أثيرت هذه القضية الآن؟ ومن وراء هذه التسريبات؟ وقبل هذا وذاك، والأهم بمراحل: لما كانت أجهزة الأمن والاستخبارات ترصد لحظةً بلحظة تلك المكالمات والاتصالات، بدليل توفر هذه التسجيلات في حوزتها ، فلماذا لم تتدخل للحيلولة دون اختراق الحدود من قبل عناصر حماس، ولماذا لم تحمِ السجون وتحصنها ضد هجوم مجموعات هي في آخر المطاف قليلة العدد والشأن مقارنةً بالمتاح لدى الدولة المصرية من قواتٍ وتسليح؟
قبل أن استرسل في سيل الاسئلة المنطقي الذي يستحضر إلى الذهن برنامج ‘الاتجاه المعاكس’ للإعلامي الشهير د فيصل القاسم، فلا بد من التأكيد على كون تداعيات هذه ‘التسريبات’ لا تتوقف عند هذا الحد، إذ أن تلك الأسئلة، المشروعة من دون أدنى شك، تثير دوائر متسعة ما تني تزداد عمقاً تلف بالشك، بل والتخوين الصريح إذا شئنا الدقة والصراحة، كثيراً من الفصائل السياسية على الساحة، وعلى رأسها الفصيل الأكبر والأخطر الذي وصل إلى سدة الرئاسة، أي الجماعة من وراء د. مرسي، والأخطر من ذلك العديد من الأجهزة السيادية الأمنية والاستخبارية التي كانت تتبع مبارك مباشرة وشكلت أعمدة نظامه، ناهيك عن كونها لم يُعرف عنها ولاء للتنظيمات السياسية والإسلامية منها على وجه الخصوص… فإذا صح الخبر فلا يملك المواطن العادي سوى الذهول والشك في ما يبدو من دوائر متشابكة من التربيطات والمؤامرات والتواطؤ الصريح أو الضمني.
ومع اعترافي الصريح بأن هذه القصة تشكل حكايةً شيقةً ذات توابل عديدة وخبطة صحافية من العيار الثقيل المزلزل، فإنني سأحجم عن التصريح برأي فيها، ترجيحاً أو استبعاداً واستنكاراً، وسأكتفي عوضاً عن ذلك بلفت النظر إلى ما أراه أخطر وأجدى بالتركيز المتأني:
أولاً: في الوقت الذي تتراكم فيه الأحداث فإن جريدة من جرائد المعارضة (أو وسائل إعلامها وشتى المنابر) لا تكاد تخلو في يومٍ من الأيام من مقال (أو أكثر على الأرجح) يشيد بدور الجيش ويستحث قادته صراحة ويستدعيهم على الانقلاب على حكم الإخوان والإطاحة بهم إنقاذاً للدولة المصرية، ولا ننسى في هذا السياق تصريحات جون كيري الأخيرة أمام الكونغرس التي كرس فيها فكرة ازدواجية السلطة حالياً في مصر.
ثانياً: يستغل الكثيرون من عناصر الثورة المضادة وأبواقها والحاقدون الناقمون والمشككون في الحراك الثوري المصري على اختلاف اسبابهم تلك التسريبات للبرهنة على مقولاتهم الزاعمة ان الحراك مؤامرة حاكتها أطراف إقليمية عديدة بمشاركة أمريكا، فيما بات يشكل حملة تيئيسٍ ممنهجة تساعد عليها للأسف الشديد سياسات الجماعة الحاكمة وإخفاقاتهم في تحقيق أيٍ من مطالب الثورة.
ثالثاً: تسعى هذه التسريبات أو تؤدي إلى إثارة نزعاتٍ شوفينية لدى الجمهور ضد إخوانهم الفلسطينيين، على خلفية سوابق عديدة في سياسةٍ مقصودة استثمر فيها النظام طيلة الأربعين سنة الماضية ليبرر تفريطه في قضايا محورية مصيرية وتخليه عنها مقابل التقارب مع ‘الأشقاء الإسرائيليين’.
يجوز أنني لا أستطيع أن أجزم برأيٍ في هذه الأخبار، إلا أن مجريات الأحداث وكل ما أسلفت يؤكد في نظري أن الإعداد للانقلاب جارٍ على قدمٍ وساق وما كل ما نراه ونسمعه سوى الإعداد المسرحي وتهيئة الجو لقبوله مستفيداً من حالة السخط العام المتنامية. وإنه ليحزنني بشدة أن أرى ذلك الاستدعاء للجيش ومحاولة توريطه من قبل أشخاصٍ كانوا ينددون به طيلة المرحلة الانتقالية، وهم الآن يتناسون اتهاماتهم له بالتواطؤ مع الجماعة، فضلاً عن كشوف العذرية والشهداء الذين سقطوا، كما أنهم يغفلون احتمال حدوث انشقاقات في الجيش في حال أية محاولة انقلابية، مما يعرض المؤسسة المتماسكة حتى الآن إلى التشرذم والانهيار؛ ليس ذلك فحسب بل إنهم إذ يختزلون الواقع السياسي إلى قطبين هما، المؤسسة العسكرية والإخوان فإنهم لا يحاكون نفس العقلية الحاكمة لنظام مبارك فحسب، بل إنهم يتجاهلون عودة الشعب المصري بعد الخامس والعشرين من يناير لاعباً أساسياً على الساحة وكسره لهذه المعادلة كما يتجاهلون مسؤولية العسكر وعسكرة المجتمع طيلة ستين عاماً عما وصلنا إليه من تردٍ وانهيار.
ولن أتحدث هنا عن كون الفلسطينيين، أهلنا الذين تخلى عنهم النظام وخذلهم في صلحه مع الكيان الصهيوني، ولا عن الفارق بين الشعب وحماس، ولا عن حالة الحصار والعداء الصريح ولي الذراع لصالح إسرائيل من قبل نظام مبارك لقطاع غزة، لأن هذا مما يحتاج إلى مقالٍ بل مقالاتٍ منفردة.
لست هنا بمدافعٍ عن الإخوان أو د. مرسي، على العكس من ذلك فقد أدنتهم مراراً قبل ذلك بالتقصير وسوء الأداء وحملتهم جزءاً من المسؤولية عما وصلنا إليه من مأزق… إنني هنا أنتصر للشعب المصري ولثورته ولحقه في استكمالها. إن الانقلاب ودعاته يبحثون عن حلٍ سريع لمشكلةٍ معقدة عمرها عقود، وقد تتحسن الأمور نوعاً ما، ولكن لفترةٍ قصيرة نعود بعدها من حيث بدأنا، قبل الثورات والأحلام، وبأسرع مما يتصورون. لقد عاد الشعب المصري إلى التاريخ فاعلاً وشرع يستعيد ملكاتٍ وخبراتٍ في الممارسة السياسية والديمقراطية كانت قد ضمرت، ويتعين علينا في هذا المنعطف الحرج أن نساعده على خوض صراعاته بنفسه… قد يجعل ذلك مساره إلى التقدم باهظا ومرهقاً، إلا أننا يجب أن ندرك أن للحرية ثمناً لا بد أن يُدفع ، وأنه لا بديل عن ذلك.

‘ كاتب مصري زميل الكلية
الملكية لأطباء التخدير في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية