منذ اعلان العاهل السعودي الملك عبدالله عنها عام 2002 في أوج الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وحالة الهلع الاسرائيلي مخافة الإطاحة بمعاهدة اوسلو وما حققته من مكاسب امنية للاحتلال، وفي ظل التفاف عربي شعبي مع مطالب الفلسطينيين في السيادة على القدس، التي من أجلها اندلعت الانتفاضة الثانية، أتت مبادرة السلام العربية لتمد طوق نجاة لاسرائيل بتهدئة الانتفاضة أو بوأدها. وعلى الرغم من أن اسرائيل رفضت قبول قرار القمة العربية في حزيران/يونيو 1996 باعتبار السلام العادل والشامل خياراً استراتيجياً في ظل الشرعية الدولية، فإن العرب بنوا على ذلك القرار مبادرتهم الجديدة، وإذا أضفنا عدم تطبيق إسرائيل لتعهداتها التي تم الاتفاق عليها في اوسلو والاتفاقيات والمفاوضات اللاحقة وحالة الإحباط لدى الشعب الفلسطيني بعدم جدوى تلك الاتفاقية، وانتفاض الشارع الفلسطيني الذي توقع موقفاً حازماً وقوياً من القادة العرب للجم اسرائيل وتوجيه رسالة قوية بالوقوف مع الفلسطينيين وقيادتهم المحاصرة، بعد منع الراحل عرفات من حضور القمة العربية في بيروت في اذار/مارس 2002 فقد جاءت المبادرة تكريسا لحالة خنوع في أوقات النهوض، وابتعاداً عن موائمة مواقف القادة العرب لتوجهات شعوبها وتقديماً لغصن الزيتون بكلتا اليدين ورمياً بالبندقية أو مجرد التلويح بها. ولم يتأخر الرد الإسرائيلي على المبادرة آنذاك، فبعد يومين منها ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة جنين بعد عملية توغل قام بها’الجيش الإسرائيلي’في’جنين’في الأول نيسان/ ابريل عام 2002،’مما جعل المبادرة في حينه تبدو وكأنها ضوءٌ أخضر عربي أعطي لإسرائيل لتنجز ‘المهمة’، لاسيما أن المبادرة لم تأت على ذكر أي عواقب تترتب على الرفض الإسرائيلي، ففهمت إسرائيل أن ذلك هو منتهى ‘الغضب’ الرسمي العربي. وحتى الآن لم تعلن اسرائيل موافقتها على المبادرة الأصل، بل تخشى أن يشكل التبني الأمريكي لها (وهو لم يحصل)، عاملاً ضاغطاً لتغيير لاءاتها المعروفة بعدم العودة الى حدود الرابع من حزيران، وعدم الانسحاب من القدس الشرقية، وعدم عودة اللاجئين، بل وتطور الموقف الاسرائيلي في عهد أوباما ونتنياهو إلى اعتماد ‘يهودية’ الدولة مبدأ جديداًً في لعبة التفاوض العبيثة. وعلى الرغم من أن المبادرة تدعو إلى انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، تنفيذا لقراري مجلس الأمن (242 و338) وإلى قبول اسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وعلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار 194 المتضمن عودة اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم، ودفع تعويضات للذين يقررون عدم العودة، مما يبدو متقدماً على المواقف التفاوضية المعلنة للسلطة الفلسطينية، إلا أن الأخطر في تلك المبادرة هو إعلان الدول العربية التزامها بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل، مما يعد مكافأة للسارق الذي يعيد جزءاً من مسروقاته، ويؤصل لوجود اسرائيل في المنطقة، الأمر الذي سيجعل النضال من أجل يافا وحيفا وصفد أمراً غير طبيعي. وفي الوقت الذي كان الرفض الاسرائيلي للمبادرة طوال هذا السنين سبباً بليغاً بسحبها عن الطاولة، لم يقم العرب بذلك بل أضافوا لها مزيداً من المرغِبات لاسرائيل، فجاءت المبادرة الأخيرة بتبادل محدود للأراضي. ولا شك أن تلك المحدودية أمر خطير عندما تتعلق بأراضي القدس المحتلة، التي يصبح التفريط بأي شبر منها تنازلاً عن حقوق الفلسطينيين والعرب والمسلمين، نظراً لطبيعة تلك البقعة. والخشية أن يكون إعلان العرب عن قبول مبادلة الأراضي بداية لمنهج جديد في التنازلات. ورغم التقارير الاسرائيلية العديدة الا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يرى فيها كابوساً يخشى فيه أن يتبنى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مبادرة العرب، مما قد يؤدي الى تغيير واشنطن لاستراتيجيتها المتبنية لطرح نتنياهو بيهودية الدولة فإن الساسة الاسرائيليين لا يوفرون بارقة تنازل حتى يغتنموها لاستجرار المزيد. وهكذا فإن مبادرة تبادل الأراضي فصل جديد في سياسة العرب التفريطية في أس القضايا العربية والإسلامية، وانحراف عن بوصلة الشعوب العربية التي كانت تهتف للحرية وتحرير فلسطين في حالة نهوض يجب أن يستثمرها القادة العرب ويعتبرونها سنداً قوياً للوقوف أمام الضغوط الأمريكية، وألا يستعجلوا تقديم مبادرات لم يستفتَ الشعب الفلسطيني عليها. كما تدعو في الوقت عينه الفلسطينيين إلى الإسراع في تشكيل جسم تمثيلي يعبر عن طموحاتهم وتطلعاتهم ويعيد تثبيت مبادئ المشروع الوطني الفلسطيني في تحرير الوطن والعودة إلى الأرض المحتلة لا مشروع ‘نضال’ من أجل ‘استقلال’ دولة وظيفتها حراسة المحتل وتدجين المجتمع الفلسطيني سياسياً لقبول اسرائيل ونسيان الحلم بفلسطين الوطن.