الابارتهيد كلمة هولندية تعني الفصل العنصري، وان هناك تمايزا بين الاجناس وان هناك تفوقا لجنس على جنس بسبب اللون او العقيدة، وقد تمت ممارسة هذه التفرقة في جنوب افريقيا وفي روديسيا البيضاء (زيمبابوي فيما بعد)، حيث قام البيض الاوروبيون المحتلون لهاتين الدولتين بممارسة هذه السياسة، بل وتم تقنينها منذ خمسينات القرن الماضي، خصوصا في دولة جنوب افريقيا.
والآن إذا حاولنا ان نعقد مقارنة بسيطة بين سود جنوب أفريقيا ونيلسون مانديلا من جهة وبين إخوان مصر ومحمد مرسي من الجهة الاخري نجد الآتي: اولا منع السود من سكن أحياء البيض فتم عزلهم في غيتوهات خاصة بهم، كما منعوا من استعمال نفس وسائل مواصلات البيض، باختصار كانت حياتهم جحيما، وكأنهم كانوا يعيشون في سجن كبير، رغم أنهم الأغلبية وكانوا السكان الأصليين للبلاد.
في مصر لم يكن الاخوان أغلبية الشعب بأي حال من الأحوال، بل هم فقط أقلية منظمة من هذا الشعب، تعرض بعض رموزهم للسجن والأبعاد ولكنهم تمتعوا بحرية حركة كبيرة أتاحت لهم الحصول على ربع مقاعد مجلس الشعب في 2005 وأتاحت لهم السيطرة على الشارع وتوجيهه لصالحهم واتاحت لهم السيطرة على نقابات عديدة.
ثانيا بالإضافة الى ما سبق وقلناه من ان السود بجموعهم سجنوا في غيتوهات كبيرة ومنعزلة عن البيض، فان نيلسون مانديلا على وجه الخصوص سجن عام 1962 في سجن انفرادي في احدى الجزر وعندما ساوموه على إطلاق سراحه بشرط التخلي عن النضال ضد التفرقة العنصرية عام 1980 فانه رفض هذا بكل اباء وشمم، لان نضاله كان من اجل جموع السود في جنوب أفريقيا. في المقابل فإننا وان كنا لا ننكر انه قد تم الزج بمجموعة من الاخوان في السجون أيام عبدالناصر، إلا أنهم وعند اول بادرة من السادات لإطلاق سراحهم فإنهم لم يفكروا إلا في انفسهم وسلامتهم ولم ينظروا إلا الى صالحهم وصالح جماعتهم وليس لصالح الوطن.
ثالثا: نتيجة الضغوط الدولية على فريدريك دي كليرك اخر رئيس ابيض لجنوب أفريقيا فانه تم إطلاق سراح نيلسون مانديلا عام 1990 بعدما يقارب الثلاثين عاما في السجن، في المقابل فان إخوان مصر وبالاتفاق مع جهات خارجية قاموا باقتحام السجون أثناء ثورة يناير واخرجوا محمد مرسي ورفاقه بقوة السلاح من السجن.
رابعا: تم إجراء انتخابات حرة في جنوب أفريقيا ففاز بها مانديلا عام 1991 وتمت كتابة دستور للبلاد كان بمثابة الترياق الشافي للجميع، حيث لم يستبعد احد رغم كل المرارات والآلام المتوارثة، بل ان مانديلا كون لجنة أطلق عليها لجنة المصارحة والمصالحة برئاسة الأسقف ديزموند توتو مهمتها كانت تضميد الجراح بين السود والبيض، في المقابل أجريت انتخابات في بلادنا فاز بها محمد مرسي ليس لاجماع الناس عليه، كما في حالة مانديلا، ولكنه فاز بمساعدة عوامل عدة ليس هذا مجالها الان وبأغلبية ضئيلة جدا، فما كان منه ومن فريقه رغم أنهم الاقلية إلا ان كتبوا دستورا لصالحه وصالح جماعته.
خامسا: جاء مانديلا بروح الغفران والمسامحة وجاء مرسي منتقما ممن ادعي أنهم ظلموه هو وجماعته.
كون مانديلا هيئة المصارحة والمصالحة وقنن مرسي قوانين العزل والاستبعاد. واستعان مانديلا بفردريك دي كليرك اخر رئيس ابيض لجنوب أفريقيا وعينه نائبا له واستعان بالبيض في كافة المجالات.
في المقابل حظر مرسي وجماعته الحزب الوطني الديمقراطي وحظر على قياداته مزاولة السياسة وألقي برئيسه ورئيس مصر السابق ومعظم رموزه في السجون.
سادسا: نجح مانديلا في إزالة أي رواسب انتقامية بين السود والبيض في جنوب افريقيا، رغم كل الظلم الذي وقع على السود نتيجة تطبيق سياسة التفرقة العنصرية، في المقابل جاء مرسي وجماعته ففرقوا بين جموع الشعب المصري وقسم الشعب الى تيارات مختلفة، واعتبر الاخوان انفسهم أنقى العناصر في المجتمع وكلنا يذكر جل اهتمام الرئيس بجماعته وعشيرته فقط، ونذكر كذلك حديث الفلوطة لصاحبه صبحي صالح الذي استنكر الزواج بين أي إخواني او إخوانية مع أي فرد اخر من خارج الجماعة، فهاهم الاخوان يمارسون سياسة التفرقة العنصرية ليس بينهم وبين المختلف معهم في الدين او اللون فقط، ولكن مع المختلف معهم في الرؤية والتوجه ايضا.
سابعا: نجح مانديلا نتيجة كل سياساته السابقة في وضع جنوب افريقيا في مصاف الدول المتقدمة وشهدت البلاد في عهده ومن بعده نهضة حقيقية. في المقابل ونتيجة لسياسات مرسي واستعانته بالإخوان في كل مناحي الحياة عوضا عن الكفاءات المناسبة فقد شهدت مصر تدهورا على كافة الصعد واصبح المصري لا يجد لا الخبز ولا السولار إلا بالكوبونات، وكأننا عدنا لأيام الحروب في الستينات والسبعينات مرة أخرى.’
ثامنا: اكتفى مانديلا بفـــــترة رئاسة واحدة واكتفى بما حققه لبلاده ولشعبه، ولكن مرسي يحاول ان يحول مصر الى ملك عضوض له ولجماعته تارة بتفصيل دستور على مقاسه ومقاس جماعته وتارة بالاخونة التي يمارسها جهارا نهارا ويحاول من خلالها بث رجاله ورجال جماعته كي يسيطروا على كافة مناحي الحياة في مصر، رغم أنهم ليسوا بأهل علم ولا أهل كفاءة.
تاسعا: أطلق الجنوب افريقين على مانديلا لقب ماديبا (Madiba) أي العظيم المبجل واعتبروه ابا لجنوب افريقيا، بينما أطلق المصريون على مرسي لقب الاستبن لانه كان بديلا لخيرت الشاطر عند الترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة واطلق البعض عليه لقب (شرارة) لان المصائب والكوارث حلت بمصر منذ قدومه.
عاشرا: في جنوب افريقيا ترفع الصلوات وتلتهب القلوب بالدعاء كي ينعم الله على مانديلا بالشفاء ويهبه موفور الصحة والسعادة بينما في مصرنا ترفع الصلوات وتلتهب الحناجر والقلوب بالدعاء وتقام الصلوات ناهيك عن المظاهرات المليونية من اجل الخلاص من هكذا رئيس لم يجن المصريون من وراء رئاسته إلا كل ألم وتعب وانقسام.
مجدي جورج’
[email protected]