ابتدأت أزمات إقليم كردستان العراق في الأيام الأخيرة تكشف ما خفي من جبل الجليد، محتجون يلقون الحجارة ويشتبكون مع شرطة مكافحة الشغب في السليمانية، ثاني أكبر مدن الإقليم، منذ عدة أيام والمظاهرات مستمرة يطالب فيها المحتجون بصرف رواتبهم المتأخرة منذ ثلاثة اشهر.
من ناحية أخرى فإن الحياة السياسية تمر بأزمة تكاد تصيبها بالشلل، نتيجة للفراغ الدستوري الحاصل في رئاسة الاقليم، حيث انتهت ولاية الرئيس مسعود بارزاني في 20 أغسطس الماضي، لكن الاحزاب لم تتفق بعد على شروط تمديد ولايته، حيث يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني – حزب بارزاني – إلى تغيير دستوري ليصبح النظام رئاسيا، يتم فيه انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الناخبين، بينما ترى الاحزاب الاربعة الشريكة في السلطة وهي، حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة تغيير، والحزب الإسلامي الكردستاني والجماعة الإسلامية، أن النظام يجب أن يكون برلمانيا، حيث يتم انتخاب الرئيس من قبل برلمان كردستان.
لقد كشفت الأزمة الأخيرة وضع الأقليم، سياسيا واقتصديا واجتماعيا، فحالة النمو الاقتصادي الذي سوقه الساسة الكرد ليجتذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتصوير كردستان على انها سائرة باتجاه تحولها إلى دبي جديدة، او نموذج مماثل للنمور الآسيوية إبان ازدهارها الاقتصادي، اتضح انها (فقاعة اقتصادية) لا اكثر، حيث يرى المراقبون أن النمو الاستثماري الذي حصل في كردستان منذ 2007 حتى 2014 كان قائما على تضخم سوق العقار. ويرى المحللون الاقتصاديون أن اقتصاد الاقليم ظاهريا كان يبدو في أحسن حالاته، لكن الحقيقية هي أن الاقتصاد في تلك الفترة مرّ بما يعرف بـ (الأرباح القدرية) وهي الأرباح التي يتم كسبها بدون جهد مبذول أو إنتاج فعلي ملموس، حيث اعتمد السوق على المضاربة في العقارات، اقتصاد يقوم على بيع العقارات والسلع والمنتجات والخدمات بسعر أكبر من قيمتها الأصلية، ومن المعروف أن اعتماد الاقتصاد على المضاربة العقارية يعد كارثة على المدى المتوسط والبعيد، ولا تستفيد منه إلا فئة قليلة من السماسرة والمضاربين، ومع تضخم السيولة وبقاء الأصول على حالها بدون أي إضافة، سترتفع قيم السلع بشكل غير منطقي وستؤدي هذه الأرباح القدرية مع الوقت إلى مزيد من الإنفاق ومزيد من الطفرات غير المعقولة في أسعار العقارات؛ ما يساهم بصورة أكبر في ازدهار (الفقاعة الاقتصادية) ويحفز التضخم، وكلما ازدادت الأرباح تضخم حجم الفقاعة وأضحى أكثر قربًا للانفجار، وهذا ما نشهده الان.
لقد بات جليا بعد تداعيات الأزمة التي تعيشها كردستان العراق اليوم اعتماد الاقليم بشكل كبير على حصته من الموازنة الاتحادية (حصة الاقليم 17% من الموازنة العراقية)، وكما هو معلوم فإن الدخل القومي العراقي قائم بشكل كلي على بيع النفط الخام، ومع انهيار الأسعار عالميا وتراجع سعر البرميل إلى أقل من 50 دولارا، كانت الكارثة الاقتصادية قد اطبقت على البلد، ولأن العراق الاتحادي وبضمنه اقليم كردستان تحول إلى دولة ريعية بامتياز تقوم على بيع النفط وتوزيع الدخل على شكل مصروفات إدارية وتشغيلية، كرواتب لموظفي القطاع العام الذي بات موئلا للبطالة المقنعة، كما باتت الوظيفة الحكومية نوعا من المكافأة تقدمها الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم لمسانديها وانصارها، لذلك فنحن نشهد أول غيث الأزمة الاقتصادية، متمثلا في العجز عن دفع مرتبات موظفي القطاع الحكومي.
كما يرى المراقبون أن ظهور «داعش» على الساحة العراقية وتمددها في مناطق شاسعة من غرب وشمال غرب العراق، مثّل التحدي الأكبر لحكومة الإقليم، اذ باتت هذه العصابات على مرمى حجر من اربيل عاصمة الاقليم، ما جعل الساسة الكرد يتحركون في كل الاتجاهات طالبين الدعم الدولي لمساندتهم في صد هجوم «داعش»، بعد أن كانوا يشعرون بقرب استقلالهم عن بغداد وعدم حاجتهم لاي ارتباط مع العراق العربي ومشاكله، لكن اغلب الحلفاء الدوليين فظلوا مساعدة الاكراد عبر بغداد العاصمة الاتحادية. تهديد «داعش» لاقليم كردستان أدى إلى تراجع الاستثمارات، أو بصيغة اكثر مباشرة فجر (الفقاعة الاقتصادية) وكسر عجلة تضخم الاستثمار العقاري الزائفة. اما على المستوى الإقليمي ومن طرف متصل بأزمة الحرب ضد «داعش»، فقد تقاسمت الإقليم جهتان طالما كانتا محور تجاذب الكرد، وهما ايران في الشرق وتركيا في الشمال، فإيران لها موقف واضح من الحرب، حيث ترمي بثقلها السياسي واللوجستي في دعم حكومة دمشق وحليفها حزب الله اللبناني وحكومة بغداد، وتدفع بالاموال والمعدات والخبرات في هذه الحرب، بينما كان الموقف التركي مغايرا بعض الشيء، فقد تحول من ناصح للنظام السوري في بدء الأزمة إلى محتضن لطيف للمعارضة السورية، إلى مرحب بإقامة معسكرات ايواء تضم مئات الالاف من اللاجئين السوريين على اراضيه إلى مشارك في ضربات التحالف الدولي ضد «داعش» اليوم. وقد اتهم العديد من المراقبين تركيا بانها تدعم وتدرب متشددين اسلاميين منهم «جبهة النصرة» و»تنظيم الدولة» وبعض الالوية الاسلامية التوجه في الجيش الحر، لكن التصريحات الرسمية التركية كانت دائمة الانكار بهذا الخصوص، رغم أن مؤشرات عديدة لتحول تركيا إلى ممر رئيس لدخول المحاربين الجدد إلى الاراضي التي سيطر عليها «داعش» قادمين من كل بقاع الارض.
إن شرق كردستان (السليمانية وكركوك) المعروف بانه مناطق نفوذ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، عادة ما كان ميالا إلى ايران لأسباب تاريخية وجغرافية، فالسليمانية تخشى من تقاطع مواقفها مع ايران، بينما اربيل تحاول أن تقترب من الموقف التركي، رغم ضغوطات الاتراك المستمرة وموقفهم التاريخي الحذر من القضية الكردية، حيث تستمر حكومة اردوغان الاسلامية التوجه بشن حرب ضروس على قواعد حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) في مناطق وعرة شمال اربيل ودهوك، مما جعل موقف حكومة الاقليم حرجا تجاه سرديات كبرى تسوقها للشعب الكردي طارحة نفسها كتجربة رائدة باتجاه اقامة كردستان الكبرى، بينما يطلب الاتراك من حكومة الاقليم تعاونا في القضاء على فصيل كردي يساري، يحارب من اجل قضية تحرير كردستان تركيا وحقهم في حكم ذاتي، ما دفع حكومة الاقليم إلى أن تطلب بخجل من مقاتلي حزب العمال مغادرة الاراضي العراقية خوفا من تعرض المدنيين العراقيين لاخطار القصف التركي.
ويرى بعض المحللين السياسيين المعنيين بالقضية الكردية، أن ازمة رئاسة الاقليم قد تدفع باتجاه تقسيم كردستان العراق إلى جزء شرقي خاضع لنفوذ حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة تغيير المعارضة، التي ولدت من رحمه. وجزء غربي تحت نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني العريق تاريخيا بقيادته البارزانية ذات الميول العشائرية – الدينية، ولا يخفى على احد أن بذور انشقاق كهذا مازالت موجودة وربما كانت تمر الان في فترة سبات، اذ أن هنالك المشاكل الثقافية بين شرق وغرب كردستان العراق، إذ يعتبر الشرق الجزء الحضري المتمدن من كردستان وتعتبر السليمانية المدينة حديثة النشوء نسبيا (تأسست في نهايات القرن التاسع عشر ابان الامارة البابانية في العهد العثماني) العاصمة الثقافية للاقليم، بما يميزها من انفتاح وعصرية ووجود كثيف لمثقفي الكرد، بينما تمثل اربيل (المدينة التاريخية العريقة) الجزء الريفي او العشائري من كردستان العراق، رغم مظاهر الحداثة التي اصطبغت بها في السنوات الاخيرة، وكذلك وفي مضمار الفروقات الثقافية، ما تزال هنالك مشكلة اللغة بين طرفي كردستان، اذ يتحدث الشرق باللغة السورانية (الكرمانجية الجنوبية) ويعتبرونها لغة الثقافة والادب الكردي، بينما يتحدث الغرب اللغة البهدينانية (الكرمانجية الشمالية) الاقل تطورا، وقد بذل العديد من الجهود لدمج اللغتين اللتين تمثلان في الواقع اكثر من لهجتين واقل من لغتين مختلفتين، لكن كل المحاولات باءت بالفشل نتيجة التعنت السياسي الذي يقف وراء الكواليس.
لقد اراد القادة الكرد أن يسوقوا للاخرين صورة وردية لاقليم يمثل جزيرة آمنة ديمقراطية نامية وسط بحر الفساد والدمار العراقي، تزامنا مع فرض ستار حديدي على الداخل الكردي، ربما لحجب الكثير من التفاصيل، فتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الاخير بخصوص الحريات في اقليم كردستان العراق، أدان العديد من التصرفات التعسفية التي تنتهجها المؤسسات الامنية، مثل الاعتقالات العشوائية غير المدعومة بأوامر قضائية ضد ناشطين معارضين، أو ما ناله عدد من الصحافيين من عقوبات لا تتناسب مع ما قاموا به من كتابات انتقدت اداء مسؤوليين حكوميين اكراد، وقد حذر مجلس الامن القومي الامريكي ووزارة الخارجية الامريكية مؤخرا، كردستان من عدم التحقيق في الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون في الاقليم اليوم، وجاء في بيان صادر عن مجلس الامن القومي الامريكي «لقد اثبتت حكومة كردستان عدم جديتها في التحقيق في الاغتيالات التي يتعرض لها صحافيون اكراد وهذا من شأنه أن يزيد من قلق الادارة الامريكية تجاه كردستان التي نعتبرها صديقة، وتجمعنا معهما مصالح مشتركة، لذلك يدعو مجلس الامن القومي الامريكي حكومة الاقليم بالإسراع في التحقيقات المتوقفة والكشف عن الجناة». ومع بحر الفساد الذي يغرق فيه العراق، كان يبدو أن الاقليم اقل فسادا بكثير، لكن مع ذلك هنالك شبهات فساد كثيرة قد طالت مسؤوليين وسياسيين في الاقليم، ففي تقرير لقناة BBC جاء فيه « يخشى رجال الاعمال الاكراد التحدث بحرية عن الفساد الذي يواجهونه. لكن سامان الجاف، وهو رجل اعمال وقائد سابق في البيشمركة الكردية، وافق على التحدث قائلا؛ إذا كنت قريبا لاحد الزعماء السياسيين، بامكانك الحصول على وظيفة في الحكومة مع ميزانية، أو عقد قد تبلغ قيمته مليونين او ثلاثة ملايين من الدولارات لتعبيد طريق على سبيل المثال، واضاف أنه ليس من المهم إن كان هذا القريب يعرف اي شيء عن تعبيد الطرق اساسا فالعقد سوف يباع مرات عديدة حتى يصل إلى أيدي شركة إنشاء حقيقية، ولكن عند ذاك ستكون قيمته نصف القيمة الاصلية، وخلص للقول إن الفساد كالفيروس فهو يقتل كردستان.
هل سيختار القادة الكرد حلا لازمتهم الداخلية بالهروب إلى الامام عبر التسويق الشعبوي لموضوع الاستقلال وتأثيره الساحر على الشارع الكردي؟ أم أن حتى هذا الحل سيكون غير مجد بالنسبة للكردي البسيط الذي يبحث عن قوت يومه قبل الخوض في تفاصيل السياسة؟
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي