بغداد ـ «القدس العربي»: «تعريف الشعر مسألةُ معقدة. ليس لأنه يقع دوماً في قلب أزمته الخاصة التي يريد تجاوزها، بل لأنه أيضاً مرآةٌ لأزمة الإنسان ذاته، من عصر إلى عصر.
وربما هذا التعقيد ناجمٌ في جزءٍ منه، وهو الأهم في نظري، عن أن الشعر والفن عموماً، هو عكس المنطق.
بينما عالمنا كان وما يزال محكوماً بقوة المنطق الذي يشكل قاعدة متسلطة على حياتنا المعاصرة ويبعدنا عن الشعر.(…) الطفلُ، في جزء منه، يولد شاعراً. لم يصل منطق الحياة إليه…
أعتقد أن مشروع أيّ شاعر، في جزءٍ مهم منه، هو محاولة الخروج من سجن المواطنة الجماعية التي تمّ تدجيننا فيه، والنأي عن المؤسسة وهرمها المثقل عليه. ومشروعه أن يكتشف هويته الخاصة ويمسك بذاته العميقة خارج الذوات الأخرى، بعيداً عن التشكل الجماعي».هكذا ينظر الشاعر مؤيد الراوي، الضلع الأهم ضمن جماعة كركوك، التي يقف في مقدمتهم سركون بولص وفاضل العزاوي وآخرون.
الراوي الذي رحل عن عالمنا يوم الجمعة الماضي لم يكن يعبأ بالنشر، ولا بالبروز مثل مجايليه، بل كان يعد الشعر حالة خاصة تحصنه من القبح الذي ينتشر بشكل يومي في شوارعنا.. فمنذ أكثر من أربعين عاماً ترك كركوك واتجه إلى بغداد، ليبقى فيها مدة لا تتجاوز العقد، ثم غادر العراق نهائياً ليقيم في برلين التي توفي في أحد مستشفياتها بعد معاناة من مرض ألم به.
الراوي من مواليد الأنبار عام 1939، عاش شبابه في كركوك في فترة الخمسينيات والستينيات، ورحل عنها إلى أوروبا.
لم يصدر الراوي في حياته إلا ثلاث مجموعات شعرية، كانت أولها «احتمالات الوضوح» عام 1974 و»الممالك» عام 2011، وآخرها مجموعته الشعرية «سرد المفرد» التي صدرت قبل أيام من رحيله.
بقيت كركوك مدينة الراوي الأثيرة، يقول عنها في يومياته «عندما يأخذني أحدٌ إلى مكاني الأول، أو آخذ نفسي إليه، أبدأ في كل مرةٍ بتفحص عواطفي وتحريك ذهني لإيجاد الصلة بيني وبين تلك البلاد.
أتساءل عن سر هذا الامتداد في الزمن الذي يوصلني، حتى الآن، ببقعة من الأرض وقد ابتعدت عنها عقوداً ونأيت ماكثاً في هذه المدينة أو تلك المدينة؛ في أماكن أُخرى بعيداً عن مكاني الأول.
المكان الأول، عندما أبحر فيه، تتحول المعالم والصور والأشياء والناس إلى عناصر سحرية، كما يحصل في الكيمياء، فتتخذ تلك مدلولات وصيغاً عاطفية وفكرية تؤثر في ذهني وتدفعني إلى استنتاجات متضاربة. أمتلكها مرة وتمتلكني مرة. أقبل بها لأراها عبر المسافة، كما لو أنها تغطيني بطبقة من حشيش. وأحيانا أرى تلك الأزمان بنظرة أخلاقية، أو من خلال امتثال أيدويولوجي، لتلح عليَّ أن أرى وفق منظورها فأحدد بها موقفي من الزمان، فأبصر بذلك مكاني الأول مجرداً مني وأنا خارج عنه. وأعني بذلك أن أسيّر لها عاطفة محدودة مسماة: أن أحب أو أن أكره ذلك المكان».
غير أنه في مكان آخر يرفض انتقاد مكانه الأول هذا، حتى إن كان الزمن قد محا كل شيء جميل كان يراه فيه، «أن انتقد المكان، هو أن استخلص من حياة متكاملة مشوبة بالتفاعل جزءأ منها، وهذا موقف يحط من شأن المكان. وهو كذلك تناقض يبعث الارتباك في النفس.
لكنه أيضاً- هذا الارتباك- وشيجة الارتباط بالمكان الأول، يحاول دائما أن يستنفذ كنهه. يتلون في كل مرة تعود بنا الذاكرة إليه، أو يعود لنا. يبزغ قوس قزح من أفق الماضي ليحنو على المرء الذي يمسك زمنه ومكانه الأول في قلبه الذي ينبض ويفيض به».
وفي هذا يتحدث صديقه الناقد فاروق مصطفى عن علاقته بالراوي وعلاقة الراوي بكركوك، «تعودت رؤية مؤيد الراوي وهو جالس في مقهى (المجيدية) في كركوك أواسط ستينيات القرن المرتحل، أذهب إليه برفقة صديقيّ الشاعرين: جان دمو وصلاح فائق سعيد، نقرأ عليه بعضاً من مقاطعنا الشعرية المتواضعة يصغي إليها باهتمام ونحن بدورنا نتلقى تقويماته وطروحاته ونحترمها لأننا نعلم أنه ذواقة أدبي وفني، فهو بالإضافة إلى تعاطيه كتابة الشعر، يرسم ويخط وينقد.
وفي كل زيارة إليه يفاجئنا بمحاولاته الرائدة في عالم التجريب الشعري.
كانت الحداثة شاغلته بالدرجة الأساس، همه الأول أن يحرث في أرض بكر ويغرس من الأزهار ما لم تألفها أي تربة أخرى، ترك كركوك إلى بغداد جذبته أضواؤها وأغرته محافلها الأدبية والفنية، وبغداد في العقد الستيني مقصد عشرات الأدباء والتشكيليين والفنانين من مختلف المحافظات.
عمل في صحافة العاصمة وانتقل في صحف عدة، وأذكر آخر جريدة عمل فيها جريدة «النصر» وكان يحرر فيها صفحة تحمل عنوان «الإنسان والفكر» وقبل أن يغادر (الراوي) العراق عام 1970 قدم مجموعة شعرية إلى الطبع حملت عنوان «نزهة في غواصة» اشتملت على قصائده الستينية المضخمة بالتجريب، إلا أن الرقابة آنذاك لم تعطه الإجازة اللازمة بنشرها، ثم صدرت مجموعته التي حملت عنوان «احتمالات الوضوح» ببيروت عام 1977».
ويتحدث مصطفى عن نصوص الراوي بوصفه ناقداً، مبيناً أن الصفة الغالبة على نصوص المجموعة الأخيرة «ممالك» اتسامها بالتطويل، أي المطولات الشعرية التي تحمل نفساً ملحمياً وتنبسط على البراري الفسيحة وتسمح فيها للمخيلة أن تشتغل على عوالمها المبتدعة، إن نصوص مجموعة «ممالك» تسحر المتلقي وتلهب مخياله فيجد نفسه يعدو خلف الغزلان الشاردة بحثاً عن مفاتيح هذه المعاني للولوج إلى مغاليق هذه الممالك المترامية، وهو مندهش ومنبهر بهذه الرؤى التي يسوقها الشاعر وهو يعبر من مملكة إلى أخرى وقدماه تضربان عميقاً في أغبرة الطرقات الصاعدة والهابطة المغتسلة في ضوء النجوم البعيدات.
الراوي كان يمثل مصباح جماعة كركوك وكرّابهم؛ حسبما يقول مصطفى، و»إذا تعرفت إلى أبرز ثلاثة منهم، عن قرب في ما بعد، هم فاضل العزاوي وسركون بولص ومؤيد الراوي، في جلسات خاصة وعامة، في سهرات أو مناسبات ثقافية، في حوارات أو في جلسات عابرة، تعزز لديّ الشعور بأن مؤيداً كائن يومي متلمس الحياة الاجتماعية ومتفحص قماشتها الخشنة (رغم تحليقاته الشعرية) فكان شخصية تجمع بين الشاعر مع الشارع، سواء في سلوكه الشخصي أو في تطلعه الفكري والفني.
وفي دراستها عن مجموعة «ممالك»، تشير الروائية العراقية عالية ممدوح إلى أن الأمكنة في هذا الديوان محتفى بها وبدون أسماء وفيرة، ربما ما عدا كركوك وأسماء بعض الساحات وميادين في ألمانيا ولندن.
بهجة الكتابة في هذه الممالك، هي الاندفاع داخل برية الكون الذي يعاد الاتصال به عبر الشعر الصافي.
منذ زمن لم تعترني قشعريرة وأنا ألاحق عزلات الشاعر، المستغني الذي لا يتساهل في الكتابة، عزلة الضجر الذي لا يعرف النوم إلا كعدو يتربص به : «ليس كما في الماضي وقد اعتدت أن أنام طويلاً/ والموت رقدة/ في الظهيرة نتمناه/ لتَوضح الخسارة ما بين نوم ونوم». أي ربح ولو كان قلامة أظفر يوجع الشاعر فآثر البقاء في تلك المساحة من التواري والتخلي. من الجائز هذا هو الذي يعادل التحقق الذاتي أيضا. «ممالك» بـ237 صفحة فيه قصائد تسلب اللب كرؤيا إبراهيم: «أنا لا أحلم بذهاب الغمْ/ لكن الجنة تبتعد عني بهذا المنفى وباليأس الطويل». يتوجب الكتابة عن نوع من البهاء الذي تمنحه بعض الكتب، بعض الروايات، بعض الأعمال فتبدو الكتابة عنها عملاً عبثياً لا يفي بالغرض أبداً.
تأخرت بالكتابة فكلما أهم وأبدأ كانت الثورات تبزغ في مدينة عربية جديدة.
ومؤيد الراوي من جيل فتوة الثورات الأولى في العالم، عاش في المنافي، بين سجن في بغداد، والعمل في صحافة يسارية فلسطينية في بيروت، وبعدها انتقل لبرلين الشرقية مع أفراد عائلته.
لم أكتب ما أشتهي، وما أريد كتابته عن مجموعة كركوك بالذات فهي ظاهرة، وكلهم ربطتني بهم أواصر صداقة ما زالت مقيمة وخالصة: «وأنت مفلس تملك زمام المدينة/ تعاف أن تطلب شيئاً/ لأنك ممتلئ/ وتتحصن/ بحجاب يسقط بينك وبين العالم».
«لكنني مثل الآخرين أرتدي قناعاً/ يلبسه الموعودون بجنة منجزة/ يرحلون فيها وقد ابيض شعرهم من الانتظار».
أما الشاعر والناقد العراقي عبد الكريم كاظم، فيرى أن النص الشعري، في ممالك الراوي، لا يحيل إلى الشاعر وحسب، إنه يشي بخصوصياته وبكامل قدرتها على اليأس والأمل أو على الفرح والحزن والتذكر واستعادة التجربة.
في نصه، أيضاً، يستنجد الشاعر بما ترسَّخ لديه من رغبة وقناعة في إعادة المعنى، المعنى أيضاً يتجسد في المضمون الفكري للنص الشعري الذي يقترب من عوالم الشاعر المتشعبة ليتخذ المعنى، مرة أخرى، اتساعه من دون أن يقلل ذلك من تحكّمه بالمفردة الشعرية وبحركتها في عالم الشعر أو الكتابة الشعرية المتأملة.
هل ستتضاءل هيمنة التوسع في المعنى الشعري هنا ويظهر النص أكثر استقلالية، يتحرك في عالم المعنى، كراصدٍ دقيق ومساهم في بناء الشكل الفني واللغوي والرمزي، أي كطرف في المساحة التي يخلقها التخييل؟ هل وضع الشاعر نفسه بعيداً عن المعنى ليحاكي أشباحاً لا علاقة لها بالنص؟ من هذا التفسير، كما يبدو لي، استقى مؤيد الراوي عناصر بنائه الشعري والفكري واللغوي، وكان كتابه الشعري «ممالك» أصدق تعبير لفكره الشعري القائم على التوسع في المعنى أو البحث في فضاء المعنى.
رحل الراوي، وما زال الوقت أمامنا لتدوين حياة كاملة في الشعر العراقي تتمثل بجماعة كركوك التي غيَّرت الكثير منذ ستينيات القرن الماضي وحتى هذه اللحظة، ما زال الوقت أمامنا لإنقاذ ذاكرة فاضل العزاوي ليدون لنا كل ما يعرفه عن تاريخ قريب.. لكنه كان بعيداً جداً بعد أن هاجر شعراء هذه الجماعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً..
صفاء ذياب