الهبة الفلسطينية وضرورة الحفاظ على طابعها الشعبي

حجم الخط
9

ليس صعباً، بداية، تبيّن أسباب الهبّة الشعبية الفلسطينية المجيدة، فهي تعبير عن نفاد صبر الفلسطينيين أمام إجراءات إسرائيل التي تتابع مخططا لتحطيمهم كشعب، بالاستيطان، وبالجدار الفاصل، وبالقتل (بمعدل 650 فلسطينيا كل عام منذ تولي الرئيس محمود عباس السلطة عام 2005)، والاعتقال (بمعدل 4 آلاف معتقل في السنة)، وهدم المنازل، وعشرات أساليب القمع الأخرى.
يضاف إلى هذا الاضطهاد «الفيزيائي» الممنهج اضطهاد آخر «سايكولوجي» يستهدف دين الفلسطينيين ومقدساتهم الرمزية وليس أجسادهم ومدنهم وقراهم فحسب، وهو أمر يتكامل، حالياً، مع موجة عالمية طامّة تستخدم ببذاءة مفهوم الإرهاب لتشمل، بخبث، كل المسلمين، ويتركز هذا الاضطهاد بالهجمات الاستيطانية على المسجد الأقصى وعلى الجوامع التي تستهدفها جمعية «تدفيع الثمن» الإرهابية وأمثالها.
مقابل إبادتهم المبرمجة على يد إسرائيل يجد الفلسطينيون واقعاً سياسياً صعباً جداً يتمثل أولاً في جرح مفتوح بين الضفة الغربية وغزة، حيث نجد الكيانين السياسيين الكبريين، السلطة الفلسطينية في أريحا، وسلطة «حماس» في غزة، غير قادرين على إنجاز تسوية حقيقية تؤهلهما للتوحد في وجه الوحش الإسرائيلي.
كما يجد الفلسطينيون أنفسهم مهمشين أمام تمزّق المشرق العربيّ الكبير، وتبلور استقطاب عسكري عالمي مهمته الوحيدة المعلنة هي مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية»، كما لو كان هذا التنظيم، الذي يقارب عمره السنتين تقريبا، هو سبب الشرور التي تجتاح المنطقة وليس نتيجة طبيعية لانحطاط أنظمة الاستبداد والفساد والقمع العربية، وتراكباً لعناصر فشلها عبر عقود.
حين يتعلّق الأمر بمصير الشعب الفلسطيني، يسارع الكثيرون إلى ابتكار الأجوبة، وخصوصاً الجاهزة منها، وهو أمر شديد الخطورة، فما يهمّ، دائماً، هو طرح الأسئلة الصحيحة، وهو أهم بكثير من طرح الأجوبة (حتى لو كانت صحيحة) على الأسئلة الخاطئة، لأنها ستؤدي، بالضرورة، إلى نتائج كارثية.
لا يتعلق جواب السؤال برغباتنا المجردة ولا بأحلامنا بل يتعلق بقراءة التجربة التاريخية للشعب الفلسطيني في علاقته مع تاريخ الاضطهاد الاسرائيلي، وضروري هنا التمعن في أساليب المواجهة المستخدمة في الانتفاضات والحركات الثورية السابقة وبالنتائج التي أدّت إليها.
أهم الأسئلة المطلوب من الشعب الفلسطيني الإجابة عليها، في اعتقادنا، هي:
ما هي أهداف إسرائيل من التصعيد؟
ما هو الظرف العربي والدولي؟
… وبناء على ما سبق: ماذا يجب أن نفعل؟
يتناغم التصعيد الاجرامي مع دعوات «الدولة اليهودية» التي يحتاج تحقيقها إلى «نقاء عنصري» أكبر داخل حدود إسرائيل، وبالتالي علينا أن نتوقع أن تسعى إسرائيل، لاستغلال انشغال العالم بمناخ الثورات المضادة العربية المغطاة بالحرب العالمية المزعومة على «الإرهاب»، للتصعيد وإبعاد فلسطينيي حدود 1948، وبذلك تخلق واقعاً ديمغرافياً جديداً وتثقل «القضية الفلسطينية» بكارثة جديدة تضاف إلى حصار القدس وغزة والجدار الفاصل والانقسام السياسي الفلسطيني والدمار العربي المحيط.
دعم الهبة، بهذا المعنى، يقتضي الحفاظ على طابعها الشعبي العارم، كي لا تتحول هدفاً مشرعاً لإسرائيل، وكي لا تتم مهاجمتها، وتبويبها، في إطار «الإرهاب» المزعوم.
من الضروري ومع بدايات هذه الهبة الشعبية العارمة تحديد أهدافها وإيجاد إطار يعمل على تطوير وتحديد شكل التحرك وتنسيقه مع مختلف الفصائل وفي مختلف المناطق، كي لا تكون هبة عابرة.
فنجاح الثورات لا يتعلّق بعدالتها بل يرتبط بإدراكها لأهداف عدوّها وابتكارها أساليب لهزيمته.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية