سان سباستيان ـ «القدس العربي»: في إطار أنشطتها الإشعاعية نظمت مؤسسة «موندو بات»، أي عالم واحد، دورة خاصة للفيلم الوثائقي حول حقوق الإنسان في فلسطين، حيث تم عرض ستة أفلام وثائقية لمخرجين إسبانيين، تخللتها مناقشات وعروض للمخرجين ولمسؤولي منظمات تعمل على موضوع حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة.
وما يميز هذه الأفلام المعروضة، بفضاء مكتبة كامينو في مدينة سان سباستيان، كونها أخرجت من لدن شباب أغلبهم ينحدرون من إقليم الباسك، تأثروا منذ صغرهم بما يدور هناك، وعندما سنحت لهم الفرصة حملوا كاميراتهم ليصوروا الواقع كما هو، وليكونوا شهودا هذه المرة على ما يجري هناك، ليتركوا لنا مشاهد ولقطات ستبقى في مخيلة المشاهد.
لقد حاول منظمو الدورة برمجة أفلام وثائقية مختلفة، سواء من حيث التوجهات التي اشتغل عليها المخرجون، أو من حيث تاريخ إنجازها، لكن ما يجمع بينها هي التوثيق لما يدور هناك عبر الصوت والصورة لحكاية قصص تسائل الضمير العالمي وتستفزه من أجل اتخاذ الموقف اللازم. ويرى إينيكو غيريكابيتيا، المدير المساعد لمؤسسة «موندو بات»، المسؤول السابق لفرعها في فلسطين طيلة خمس سنوات، أنه «من المفارقات أن المجتمع الأوروبي يدعم فلسطين، فيما الحكومات تدعم إسرائيل»، كما ندد بالمضايقات التي يتعرض لها فرع المنظمة، حيث أصيب أحد المتطوعين في مدينة القدس، فيما أن باقي الأعضاء جد محتاطين ولا يخرجون للشارع جراء الأحداث الأخيرة…
وخلال افتتاح الدورة تم عرض فيلم «فلسطين أوف دي ريكورد» أي (فلسطين خارج التسجيل) وهو إخراج جماعي لمانو سانشيث، أندريس دومينغيث وإيرين سانشيث بريتو، مدته 58 دقيقة، حيث تم منح الكلمة لناشطين ومنظمات من المجتمع المدني الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء، وبوجهات نظر مختلفة عن تلك التي نسمعها في وسائل الإعلام الغربية، حسبما يشير إليه مخرجو الفيلم. يقدم الفيلم آراء ناشطين من كلا الجانبين تتشابك في حوار حول قضية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ففي الوقت الذي يصف فيه البعض الاحتلال بالأبارتايد ترى ناشطة إسرائيلية من أصول بلجيكية أنها من حق إسرائيل إقامة دولة حسبما وعدهم الكتاب المقدس… ويعرض الفيلم محنة ما يسمى بعرب إسرائيل وعدم قدرتهم على السكوت عن ممارسات الاحتلال ودفاعهم عن الحقوق المغتصبة، وأبرز الباحث عمر البرغوتي الفرق الذي تتبناه إسرائيل حول كلمة المواطن والوطني، إذ يمكنك أن تكون مواطنا إسرائيليا وتتمتع بحقوق، لكن أقل درجة لأنك ببساطة لست يهوديا، الذي تختلف درجته من حيث موطنه الأصلي… كما تم تقديم بدائل للعمل مشتركة تابعة للمفاوضات التي تم بدؤها منذ سنوات، فالفيلم يقدم تجارب مختلفة ومحاولة فهمها ستدفعنا نحو طريق لا مفر منه حتى يعم السلام العادل في المنطقة.
وفي العرض الثاني قدم المخرج الوثائقي والمصور الصحافي أوناي أرانثادي، الذي يعيش حاليا في مدينة استوكهولم فيلمه «إي سين إمبارغو، الكودس»أي (ورغم ذلك، فإن القدس)، مخرج الفيلم شاهد بأم عينيه ما حدث داخل الأرض المحتلة، وقدم وجه المغتصب والمستلب بطريقة تختلف عن باقي الأفلام الأخرى التي تبثها القنوات الأوروبية، حيث يميط اللثام عن واقع الاضطهاد والملاحقات التي تتعرض لها الأسر العربية التي تعيش في القدس، فحتى الأطفال لا يسلمون منها. ويمزج المخرج بين مشاهد حقيقية والاستعانة برسوم التحريك التي أنجزها أليكس أوربي، ليمنح للشريط بعدا آخر طالما يتعلق الأمر بالأطفال، حتى يتمكن من مخاطبة عالمهم الذي يرونه في أفلام التحريك فقط، لكنه واقع في القدس التي يأبى أهلها مفارقتها وإشهار هويتهم العربية، فكان الشعر كأداة لتثبيث الانتماء ورمز للأرض ومع الموسيقى، حيث تعلم فن ضبط آلات الإيقاع لأن الاحتلال الإسرائيلي يقول مدرس الموسيقى يريد كسر إيقاع حياتنا ونمطها حتى لا يجعلنا نفكر سوى في إزاحة الحواجز التي يقيمها باستمرار داخل المدينة، بتقسيمها ووضع مراصد للمراقبة والتفتيش… لكن الأمل قائم في الجيل الجديد الذي يحمل القضية، ويحاول التعبير عنها فنيا وهو ما أصبح يزعج الاحتلال الذي يرمي إلى تهويد المدينة كلها. وبعد انتهاء الفيلم حكى قصة أحد المثليين الإسرائيليين الرافضين للاحتلال، حين تحدث عن نفسية الإسرائيلي المهزوزة «يشعر الصهيوني بعقدة الذنب تظهر عليه عندما يركب الطائرة نحو بلاد أخرى، ويقوم بإخفاء هويته الحقيقية يتمتع بجنسيتين لأنه لا يثق بدولته». ويقدم فيلم «بويرتاس ديل المار» أي (أبواب البحر) وهو إخراج جماعي لكل من ناتشو غارسيا وإيناس غروسين وأنتشيلا إيغليسياس وكارلوس سوردو.. ينقلنا الفيلم إلى الواقع الذي يعيشه الصيادون الفلسطينيون في قطاع غزة، وكيف تحولت حياتهم رأسا على عقب، بعد إقدام الاحتلال في كل مرة على محاصرتهم عبر البحر، وذلك بتضييق الخناق عليهم ورسم حدود بحرية جديدة حسب هواه، كل ما دعته ضرورته لذلك غير عابئ بالقوانين الدولية .
ويرصد الفيلم كيف تم الانتقال من عشرين ميلا بحريا كان يستفيد منه صيادو القطاع قبل مفاوضات أوسلو، وظل يتناقص إلى حدود ثلاثة أميال، وهو ما يهدد الصيادين في مصدر قوتهم.
ويناقش الفيلم محاولة الاحتلال القضاء على ثقافة الصيد البحري، وحصاره للفلسطيني بحرا هذه المرة، لتنضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي ينتهجها المحتل في ظل مقاومة ابن الأرض الذي يرفض الاستسلام ويتمسك بالماء والتراب. وعقب عرض الفيلم تدخلا لمالو إيغيلوث أبويتا ممثلة نقابة إيهني لفلاحي بسكايا وعضو الوفد الباسكي لملاحظة حقوق الفلاحين، التي استعرضت ما يقوم به المحتل من مضايقات وأساليب بغيضة ليثني الفلاحين عن عملهم، فالجدار العازل جعل من كانت أرضه بالقرب منه، أن يقطع مسافة مكوكية للوصول إليها وماء الشرب والسقي يتحكم فيهما الاحتلال أيضا وآبار المياه غير صالحة مما جعل العديد من السكان وخاصة النساء يعانون من أمراض خطيرة… وعلى الفلاحين إثباث أنهم زرعوا أراضيهم وإلا صودرت منهم إذا لم يقوموا بذلك خلال سنتين متتاليتين، ما حدا بهم لتصوير عمليات الزرع تفاديا لأي مشكل، خاصة عندما يتعرض المزروع للتلف نتيجة شح الماء أو تعرضه للعواصف الرعدية… ورغم ذلك تقول مالو إن الفلسطيني يتمتع بقدرة خارقة على الصمود، وأكثر تشبثا بأرضه رغم العقبات.
ويتناول فيلم «تريس موخيريس بالستيناس» أي (ثلاثة نساء فلسطينيات)، الذي أخرجه مركز المعلومات البديلة، موضوع المرأة من خلال تقديم تجارب لثلاث ناشطات يختلفن، من حيث العمر أو أماكن الإقامة أو ماضيهن، وما يجمعهن هو البحث عن استقلاليتهن والبحث عن التغيير. فالناشطة أمون سليم التي تنتمي إلى مجتمع الغجر في القدس تطرح إشكالية عدم الاعتراف به فالفلسطينيون يعتبرون أنهم ليسوا عربا والإسرائيلي يعتبرهم عربا وتوجه أمون نداء للسلطة الفلسطينية من أجل الاعتراف بهم وزيارتهم حتى لا يبقوا معزولين.
وتعمل أمون سليم مديرة لمركز اجتماعي حيث تناضل من أجل أن تتلقى النساء الغجريات تربية وعملا يمنحهن استقلاليتهن لأن الغجر لا يقبلون على التعليم ولا يسمحون للغجرية بالعمل. وخلود بدوي أحد أبرز الناشطات السياسيات التي تسافر بالمشاهد نحو قريتها صفورية التي تم نفي عائلتها منذ سنة 1948 لتطرح إشكالية الهوية متحدثة عن نشاطها الطلابي والحصار الذي يفرضه الاحتلال على أنشطة طلاب الجامعة. ثم الناشطة النسائية المعروفة في المشهد الفلسطيني الراحلة مها نصار التي توفيت سنة 2013 بعد صراع مع المرض، والتي خبرت سجون الاحتلال أيضا… وحكت مها عن دور الحركة النسائية في المقاومة والاحتجاجات، وكيف كانت تتقدم صفوف المظاهرات، وتتدخل في فك الشباب المحتج من قبضة الأسر وتحكي بحسرة بادية كيف تراجعت الحركة النسوية بعد اتفاقيات أوسلو..
وفيلم «فويغو سوبري إلمارمارا» أي (نار على المرمرة) يسلط فيه مخرجه دابيد سيغارا الضوء على حكاية سفينة السلام المرمرة التي كانت في طريقها نحو غزة من أجل المساهمة في فك الحصار عليها. يروي دابيد المأساة التي وقعت إثر تدخل وحشي للجيش الإسرائيلي عندما هاجمت عناصر كوماندو السفينة التي كانت تقل على ظهرها صحافيين وناشطين متضامنين عزل، إلا من أدوات تصويرهم حاملين بعض المعونات لشعب محاصر وتتكون لجنة التضامن من حوالي أكثر من ثلاثين جنسية. ويرمي الفيلم، طيلة 67 دقيقة، إلى محاولة فهم ما جرى من طرف أناس عاشوا الجريمة التي خلفت تسعة شهداء للحرية من جنسيات مختلفة بعد التشويش على أجهزة الاستقبال والبث الخاصة بطاقم السفينة أو بين الصحافيين وقنواتهم الإخبارية حتى لا يكون أي دليل للمجزرة إثر تدخل وحشي مورس فيه القتل عن قرب والركل والرفس، ولولا الألطاف الإلهية لقتل كل من على السفينة بعد انتشار خبر القتل وتدخل الحكومة التركية وأهالي المتضامنين الأتراك أمام سفارة إسرائيل في أنقرة….
واختتمت الدورة بفيلم «صمود» الذي اختار مخرجه أندير إيريارتي ألباريث أن يعنونه باسمه العربي وشرحه للمتلقي الإسباني والغربي ويعرفه قائلا «إنه تحديد الشعب الفلسطيني لحق الدفاع عن أرضه»، وخلال 19 دقيقة رصد فيها إيريريارتي وضعية عائلات الفلاحين والصيادين الذين يواجهون تحدي العيش يوميا، في الوقت الذي يمارس فيه الاحتلال سرقة الأرض والبحر ويعرقل بيع المنتوج الفلسطيني، ولعل أحد الفلاحين كان بليغا عندما اعتبر أن شجرة الزيتون رعيتها كما رعيت أبنائي وأن الاحتلال عندما قام باجتثاتها فإنه لن يصل إلى مراده لأننا سنبقى صامدين… كما عرض فيلم التضامن والدعم الذي يقوم به ناشطون دوليون بشكل يومي ومن ضمنهم ناشطون من إقليم الباسك… وبعد انتهاء الفيلم قدمت أنتشين بييين بصفتها عضوا في منظمة التضامن مع فلسطين كلمتها عن معاناة الفلسطيني وكيف تقوم إسرائيل بكل ما في وسعها لتجعل حياة الناس صعبة، ودعت إلى أن التضامن يجب أن يأخذ أشكالا أخرى كمقاطعة المنتوجات الإسرائيلية أو الشركات الداعمة للاحتلال. وأبرز مخرج فيلم «صمود» أن اشتغاله على موضوع فلسطين جاء بعد سفره إلى هناك ورؤيته للواقع بعيدا عن تأثيرات وسائل الإعلام التي لا تنقل الحقيقة كما هي، وأنه مستعد للذهاب إلى هناك مرة أخرى والقيام بمغامرة جديدة.
خالد الكطابي