موجة الإرهاب الحالية تثبت من جديد أن الفلسطينيين يتعاملون مع الصراع على أنه صراع ديني وقومي وذا طابع وجودي. دوافع الاحداث الإرهابية هي منع اليهود من الدخول إلى الحرم ومنع فرض القيود على دخول المسلمين اليه.
وهم يبررون هذا الطلب بعدد من الاعتبارات:
أولا، هم أصحاب الحرم الشريف الوحيدين، وهو منطقة محتلة. ثانيا، اليهود يُدنسون المكان المقدس بمجرد وجودهم فيه. ثالثا، يجب منعهم من هدم المساجد وتحويل الحرم إلى مكان صلاة لليهود.
اغلبية الفلسطينيين تقريبا تؤيد أي طريقة للصراع من اجل الدفاع عن الحرم المقدس. ومع ذلك فان الكثيرين منهم يعتقدون، بناءً على حسابات الربح والخسارة، أن الطريقة الافضل لتحقيق الهدف في المرحلة الحالية هي «المقاومة الشعبية» التي هي كلمة السر لاستخدام جميع الاساليب العنيفة التي لا تشمل السلاح الحي: الطعن، رشق الحجارة، الزجاجات الحارقة والدهس.
حركة حماس تؤيد استخدام السلاح ايضا في مناطق السلطة الفلسطينية، وفي هذه الحالة ليس هناك خطر على سيطرتها في غزة. قيادة السلطة تعتقد أن الفائدة من العمليات أقل من الضرر السياسي، لكنها تمتنع عن التنديد بهذه العمليات. فالمقاومة شرعية. هذا معنى الاقوال المتناقضة حول دور محمود عباس خلال موجة الإرهاب ـ إنه يشجع «المقاومة الشعبية»، بما في ذلك عمليات الطعن، لكنه يمنع «العمليات الساخنة» التي من شأنها، حسب رأيه، أن تُعرض سلطته والمصلحة الفلسطينية للخطر.
العدد الكبير لمن يقومون بالطعن ينبع من المعركة التعليمية التربوية المتواصلة التي تقوم بها القيادة الفلسطينية ـ بما في ذلك أبو مازن وحماس ـ والتي تهدف إلى ادخال مباديء الوعي الفلسطيني الجماعي إلى عقول الجيل الجديد: لا يوجد شعب يهودي. فاليهودية هي دين فقط. ولا يوجد تاريخ سيادي لليهود في ارض اسرائيل، التي هي فلسطين، لذلك لا مبرر لوجود دولة قومية للشعب اليهودي، ليس هنا بالطبع. ودور الفلسطينيين هو تسريع اختفاء هذه الدولة من خلال النضال والتضحية، اللذان يعتبران جوهر الهوية الفلسطينية.
وحسب أبو مازن فان دور الفلسطينيين عرب اسرائيل هو دعم هذه الاهداف من خلال تأثيرهم في البنية السياسية الاسرائيلية والتصاقهم بالارض ومطالبتهم بتحويل اسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها. حسب هذا الموقف يُفضل أن لا تكون لهم صلة بالعمليات لأن قدرتهم على تحقيق هذه الاهداف ستتراجع. مهمة السلطة في اراضي 1967 هي تحقيق هذا الهدف من خلال خلق الشروط لعمل السلطات المختلفة.
في اطار جهودهم للظهور كمعتدلين أمام العالم واليسار الاسرائيلي، أوجد الفلسطينيون مصطلح «الشعب الاسرائيلي»، بالنسبة لهم هذا هو الكيان الذي سيتوصلون معه إلى السلام. وبهذا يناقضون معارضتهم لوجود دولة اليهود القومية. في مقاله «بين حركتين قوميتين» (هآرتس، 27/9)، اقترح شلومو افينري البحث عن طرق خلاقة من اجل التجاوب مع الفلسطينيين. أما د. ماتي شتينبرغ («ما الذي قاله أبو مازن فعلا»، هآرتس 9/10) يقول إن تعاطي أبو مازن مع «الشعب الاسرائيلي» هو انجاز كبير ويتجاهل السياق والهدف من وراء اختراع هذا المفهوم.
لماذا اندلعت الاحداث بالذات؟ سبب أول هو قلق الفلسطينيين من وضعهم في الزاوية على ضوء تركيز العالم على التطورات الاخيرة في المنطقة. سبب آخر هو ازدياد قوة الإسلام المتطرف في المنطقة وفي اوساط الفلسطينيين في المناطق وفي اسرائيل. أبو مازن واعضاء الكنيست العرب شعروا بأنهم يجب أن يظهروا كمحاربين ضد اسرائيل ليس أقل من خصومهم.
رغم أن اغلبية المخربين يقررون بشكل تلقائي القيام بالعمليات، فان للقيادة الفلسطينية، وخصوصا أبو مازن وحماس، تأثير كبير على مجريات الامور. وواضح أن تحرش المتطرفين الاسرائيليين له دور في الامر.
إن ادارة الصراع ضد الإرهاب الحالي بشكل حكيم ومصمم قد تتسبب بالتهدئة خلال وقت ليس ببعيد، لذلك يجب تعزيز تواجد قوات الأمن واليقظة الجماهيرية وتجنيد القوات التي تنتظر وتعزيز الردع، وكل ذلك من خلال استهداف المحرضين والمخربين لتحييدهم ومعاقبة عائلاتهم وملاءمة الوسائل القانونية مع ذلك.
في المقابل، ازدياد البناء كرد على العمليات، والعمليات من قبل اليهود ستضر بفرص التهدئة، والتأييد الأمريكي لاسرائيل. كلما رأى الفلسطينيون أن اسرائيل صامدة سيزداد خوفهم وخوف زعمائهم من فقدان السيطرة وسيسعون إلى تهدئة الوضع. وعلى المدى البعيد سيعترف الفلسطينيون أن طريق الإرهاب والاجراءات أحادية الجانب لا تفيد، وستنشأ عندهم الشكوك في مواقفهم الاساسية. عندها يمكن التفكير بالاتفاق، وحتى ذلك الحين علينا ادارة الصراع بحكمة.
هآرتس 14/10/2015
يوسي كوبرفاسر