الكويت ـ «القدس العربي»: شارك الأمين العام لرابطة الأدباء الكويتيين الباحث طلال الرميضي بورقة بحثية تمثل تجربته في «تدوين الرواية الشفهية في دولة الكويت» في ملتقى الشارقة الدولي للراوي في دورته الـ15، مبيناً الأهمية الكبرى للرواية الشفهية في تأريخ الأحداث والشخصيات التي تجعلها بالمقام الأول في الأهمية للمصادر التي يستخدمها الباحث في كتاباته حسب بعض الآراء، وهذا ما أتفق معه إن كانت الأحداث معاصرة أو قريبة العهد، اما إذا كانت الأحداث قديمة فلا شك أن الرواية الشفهية تعد مصدرا مهما للاستئناس في شرح تلك الحوادث وبيان غموضها، كما سجلتها نصوص المخطوطات والمطبوعات القديمة، وتكمن أهمية الرواية الشفهية بأنها السجل الأساسي لكل مجتمع وأن كتابات المؤرخين المعاصرين لكل حدث يعتمدون في المقام الأول على روايات الشهود وتحقيقها واستخلاص الحقائق التاريخية منها.
وقال الرميضي حول بداية الروايات الشفهية في الكويت: «بالرجوع إلى أول كتاب في تأريخ الكويت، وهو للشيخ عبدالعزيز الرشيد، الذي ألف كتابا مهما في عام 1926 يحمل عنوان «تاريخ الكويت» ويعتبر المرجع الأول للباحثين في تاريخ الكويت، نجد أن الرشيد قد استفاد من الروايات الشفهية التي سمعها من كبار السن ومن رجال العلم والسياسة ودونها في صفحات كتابه القيم، بعد أن قام بالمقارنة بينها وترك الضعيف منها، حيث يقول في مقدمة تاريخه عن منهجه بالتعامل مع الرواية المحلية ما نصه: أقدمت عليه غير معتمد إلا على أفواه النقلة وأخبار الرواة وعلى نبذ من الرسميات لا غير، ولا أذكر في الغالب من الحوادث إلا ما هو شائع عند الكثيرين، وقد أعتمد على رواية فرد إذا كانت معقولة وليس ثمة ما يخالفها، والقضية الواحدة التي يتفق على أصلها جملة من الرواة، ولكن يختلفون في تفاصيلها، فإما أذكر الروايات كلها أو أختار منها ما أراه في نظري أصح. وقد تكون للحادثة الواحدة وجوه متعددة ولم تبلغني إلا من وجه واحد، ربما كان سواه أولى بالترجيح، وسأورد ما أظنه ضعيفا بصيغة التعريض مثل يحكى ويروى وقيل وحكى وروى» .
لنجد أن الشيخ الرشيد قام بمبدأ التحقيق والتدقيق بين الروايات الشفوية التي جمعها أثناء تأليفه لكتابه، وهذا دور الباحث الجاد ألا يركن إلى كل رواية تصل إليه إلا بعد أن يقوم بدراستها ومقارنتها مع المصادر الأخرى، ومن أبرز الشخصيات الذين استفاد الشيخ الرشيد من رواياتهم في كتابه نجد الشيخ إبراهيم بن محمد الخليفة وقاضي الكويت الشيخ عبدالله خلف الدحيان والشيخ العلامة يوسف بن عيسى القناعي، والسيد شملان بن علي بن سيف ونقيب أشراف البصرة السيد رجب النقيب والسيد خلف النقيب .
واضاف الباحث الرميضي: وفي عام 1946 ألف الشيخ يوسف بن عيسى القناعي كتابا قيما بعنوان «صفحات من تاريخ الكويت» وثق جوانب من تاريخ الكويت ورجالاتها منذ تأسيسها حتى نهاية عهد الشيخ مبارك الصباح المتوفى عام 1915، ويعد هذا الكتاب من المراجع القيمة في تاريخ الكويت، وقام بتأليفه لطلبة المدرسة المباركية وجاء فيه شيء من الاختصار والإيجاز، إلا أنه أضاف في مواضع كثيرة معلومات نادرة قلما نجدها في مصدر آخر، وقد استقاها من روايات الثقاة في زمنه، حيث ذكر أنه قد استند في تأليفه إلى الرواية الشفهية حيث يذكر في مقدمة كتابه ما يلي: «وقد اعتمدت فيها على ما شاهدته ثم النقل عن الآباء فنقل الآباء عن أسلافهم» .
ويعتبر كتاب القناعي مكملا لكتاب الرشيد الذي اعتمد عليه في مواضع كثيرة ونقل عنه مع الإشارة إليه. وتلا هذين الكتابين الكثير من المؤلفات التي استمدت جزءا من معلوماتها التاريخية من الرواية الشفهية المحلية، لعل أبرزها كتاب «من تاريخ الكويت» للمؤرخ سيف مرزوق الشملان الصادر عام 1959، الذي استند بشكل كبير إلى الروايات المنقولة من أفراد أسرته ووثائقهم القديمة في تأليفه لكتابه، وإن عاب البعض على منهجه وارتكازه عليهم. وأشار أمين رابطة الأدباء: إلى كتاب «من هنا بدأت الكويت» لأمين عام رابطة الأدباء السابق المرحوم عبدالله خالد الحاتم الصادر عام 1962، والذي يعتبر بالفعل إضافة حقيقية لتأريخ الكويت ونموذجا رائعا لجمع الرواية الشفوية واستخدامها في توثيق الوقائع والأخبار القديمة، وتناول هذا الكتاب الشيق الأوليات في تاريخ الكويت كأول حاكم أو مسجد أو مدرسة أو معركة أو طبيب أو شاعرة أو علم وغيرها، حيث كان جل مواد كتابه مشتقة من أقوال الرواة، لأن مثل هذه المواضيع لا تتوفر في مراجع أخرى، وقد ضم القسم الثاني الذي يحمل «أحداث وحكايات» وهذا القسم مليء بالقصص والمرويات التي سجلها من أبطالها أو سمعها عن رجال نقلوها عن آبائهم وأجدادهم فكانت مادة وثائقية قيمة جدا.
واستطرد الرميضي: نضيف إلى ذلك جهود الكثير من المؤرخين الذين جمعوا بعضا من الروايات الشفوية في ثنايا أبحاثهم التاريخية والأدبية ومنهم الأديب المشهور خالد سعود الزيد، الذي ألف كتابه الرائع «أدباء الكويت في قرنين» وهو مكون من ثلاثة أجزاء، وصدر الجزء الأول عام 1967 وحقق شهرة واسعة ونفد من الأسواق بسرعة كبيرة لتميز موضوعه ولروعة الجهد المبذول في جمع المادة التأريخية لشعراء الكويت القدامى. وللأستاذ أحمد البشر الرومي تجربة فريدة في جمع الأمثال الكويتية الذي يقول بأنه بدأ في جمعها من الرواة وكبار السن منذ الثلاثينيات وتبلورت جهوده الرائعة في إصداره كتابه الضخم «الأمثال الكويتية المقارنة» في أربعة أجزاء، الذي ساعده في تحريره أ. صفوت كمال رحمهما الله.
وكذلك الحال في كتاب «الموسوعة الكويتية المختصرة» للباحث حمد محمد السعيدان، وهي ثلاثة أجزاء وصدرت عام 1970، والباحث عدنان الرومي الذي جمع تواريخ المساجد القديمة وأئمتها وخطبائها في كتابه القيم «تاريخ مساجد الكويت القديمة» الصادر عام 1987، وعبدالمحسن الجار الله الخرافي الذي تصدى لتاريخ التعليم عبر توثيق سير العلماء والمدرسين في كتابه الضخم «مربون من بلدي» والصادر عام 1998 وغدا مرجعا مهما في مجاله ومثالا يقتدى في التوثيق والتأليف.
أما خليفة الوقيان فقد ألف كتابه القيم «الثقافة في الكويت» والحائز جائزة معرض الكتاب والمقدمة من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عام 2007، وصدرت عنه خمس طبعات مهمة حتى الآن، وتناول جوانب من تاريخ الثقافة مستعينا بالرواة والوثائق والكتب.
ونجد أن الباحث يوسف الشهاب قد جمع بعض مقابلاته التي أجراها مع باقة من الرواة في كتابه «رجال من تاريخ الكويت» وصدرت عنه أربعة أجزاء ويقول المؤلف في مقدمة الطبعة الأولى من الجزء الأول والصادرة عام 1984 ما نصه: «يأتي كتابي ليضيف جانبا من جوانب هذا التاريخ من خلال ذكريات كانت مدفونة في صدور نفر من الرجال حتى شاء لها الزمان أن ترى النور في سطور هذا الكتاب الذي يصدر الجزء الأول منه بعد رحلة شاقة من البحث عن هذه الشخصيات، وإقناعهم بإزاحة الستار عن هذه الذكريات، رغم ما في استدعاء الماضي من عسر ونسيان قد تتراجع أمامه الذاكرة».
ولذاكرة البحر لدى الكويتيين اهتمام كبير حيث تصدى علي الشرقاوي في عام 1958 لجمع بعض أخبار الكويتيين في ممارسة مهنة الغوص في كتابه القيم «الكويت واللؤلؤ»، وتلاه سيف مرزوق الشملان في كتابه الضخم «تاريخ الغوص في الكويت» وصدر العديد من المؤلفات في هذا المجال أبرزه مؤلفات الباحث يعقوب الحجي التي اتسمت بالغزارة والجودة والدقة. وكذلك المؤرخ عادل العبد المغني الذي جمع الروايات الشفوية عبر مؤلفاته التاريخية التي تربو على العشرين كتابا، وخالد سالم الأنصاري الذي تصدى لجمع الروايات الشفوية الخاصة بتاريخ جزيرة فيلكا في مؤلفاته القيمة ولقب بمؤرخ جزيرة فيلكا .
والجدير بالذكر أن الشيخ عبدالله النوري يرحمه الله جمع باقة من القصص القديمة في كتابه القيم «حكايات من الكويت» وسجل اسم الراوي بجانب كل قصة . ونجد ان الأديبة بزة الباطني لها تجربة رائعة في تدوين الذاكرة الشفاهية عبر باقة من المطبوعات، وتحديدا قصص الأطفال المتوارثة في المجتمع الكويتي وأسهمت مساهمة كبيرة ومميزة في حفظ جزء مهم من التراث الشعبي.
ونجد أن لتدوين الشعر الشعبي نصيبا من التدوين عبر كتب مهمة أبرزها كتاب «التحفة الرشيدية» للشاعر مسعود بن سيحان الذي جمع الآثار الشعرية لشعراء الكويت وأصدرها في ثلاثة أجزاء، صدر الجزء الأول عام 1965.
وعبدالعزيز الدويش في مجموعة من المؤلفات الشيقة ومنها «الفنون الشعبية» و «مختارات من أعلام الشعر»، وسبقهم عبدالله الحاتم في كتابه «خيار من يلتقط من الشعر النبطي»، والشاعر سليمان الهويدي في كتابه «مجالس العرب» ومطلق الجافور في عدة كتب قيمة منها «صدى الماضي»، وغيرهم كثير ساهموا في توثيق الرواية والقصيدة.
وتحدث الرميضي حول تجربته الشخصية بقوله: كانت لي تجربة متواضعة منذ عام 1995 حيث لمست هذا النقص الشديد في جمع الروايات المحفوظة في صدور الرواة من كبار السن قبل ضياعها، وأجريت ما يزيد على مئتي مقابلة تمثلت في تأليف عدة كتب منها كتابي «أعلام الغوص عند العوازم خلال قرن» الصادر عام 2001 بعد بحث ودراسة لمدة خمس سنوات متواصلة، معتمدا على الوثائق القديمة والروايات الشفوية، ونفد هذا الكتاب بعد عام واحد من صدوره وأعدت طباعته طبعة ثانية مزيدة عام 2006. وكذلك الحال في ديوان الشاعر رجا بن سعدون الفزير الصادر عام 2004 قمت بجمع ما تيسر لي في صدور الرواة من كبار السن لهذا الشاعر الكبير المتوفى عام 1979 من دون عقب أو أخوة لهذا الشاعر العلم فكانت مهمة البحث والجمع صعبة ولكن تكللت بالنجاح بفضل من الله. كما ألفت كتابي «شخصيات من تاريخ الكويت» الصادر عام 2012 وهو من مطبوعات مركز فهد الدبوس للتراث الأدبي، ونفد كذلك وجار إعداد الطبعة الثانية منه، وتناولت أخبار بعض الشخصيات الأدبية والثقافية التي لها دور مهم في الحياة الثقافية ولم يتم تسليط الضوء عليها في المصادر الكويتية بالشكل الذي يليق بها.