«في الطريق إليهم» للعراقية هدية حسين: رصد آلام الماضي ضمن استعارات وفضاءات مفتوحة

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: في روايتها الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر «في الطريق إليهم»، حاولت الروائية العراقية هدية حسين أن تدمج اسمها بعنوان الرواية، حتى أصبح العنوان والاسم يشكلان كتلة بصرية واحدة، يمكن أن تغير المعنى الدلالي لهما كليهما. فبدلاً من أن يكون العنوان «في الطريق إليهم» أصبح «في الطريق هدية حسين إليهم» أو «هدية حسين في الطريق إليهم» ومن ثم، على من يعود الضمير «هم»؟
من يقرأ الرواية يلاحظ أن هذا الضمير يعود إلى أكثر من مجموعة، فقد تكون أهل بطلة الرواية «أمل» أو هم أصحاب القبور، أو من كانوا يتعذبون في السجون، أو ربما هناك احتمالات مفتوحة إلى ما لا نهاية السرد. هذه الدلالة جعلت الرواية تدخل ضمن استعارات وثيمات كثيرة، بل مفتوحة، يمكن أن تحيل القارئ إلى فضاءات متعددة جداً.

انسيابية الموت.. إشكالية الحياة

كيف يمكن لروائي ما أن يجعل الراوي ميتاً منذ الجملة الأولى من الرواية؟ وكيف يمكن لهذه الرواية أن تديم سردها من خلال راوٍ انقطع عن ممارسة الحياة ولم تعد له مشاركة في أحداث الرواية، ولم يكن الراوي هنا خارجاً عن بناء الرواية أو عارفاً كلياً، بل على العكس من ذلك، حاولت هدية حسين أن تجعل من المتن الروائي متنين، أحدهما ضمن العالم الخارجي (عالم الحياة)، والآخر ضمن عالم الموتى (القبور).
هذه الثنائية أتاحت للكاتبة أن تفتح فضاءاتها على أوسعها، فبدلاً من أن يكون هناك فضاء واحد، أصبحا فضائين، أرضي وسماوي. في الأول كان الظلام، وفي الثاني كان الظلم، وكلا الفضائين ينتميان إلى عالم الإحساس وليس إلى عالم التجرد أو عدم الشعور بالآخر، انتمى بعضهما إلى بعض حتى بدأ كلا الطرفين بالاشتياق للطرف الآخر، الأرضي يشتاق للعودة إلى الحياة، والسماوي يود أن يغوص في أعماق الأرض.. هنا ظلام، وهناك ظلم.. أيهما أهون من الآخر؟
منذ اللحظة الأولى تأتي مقدمة الرواية على لسان البطلة «أمل» انفتاح من نوع خاص على المتن الحكائي، إذ تقول: «لم أعد في سجل الأحياء» ص 5. من هنا يبدأ القارئ بالانفتاح على عالم جديدٍ، خصوصاً بعد أن تستمر الكاتبة بسرد قصة أمل التي ولدت في آب/أغسطس 1956 وتوفيت عام 1962، أي لم تحصد من نصيبها في الحياة إلا ست سنوات، وبالتأكيد هذه السنوات الست لا تكفي لأن تعيش فيها أمل لتطور وعيها وفتح سجل ذاكرتها، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن ترتكب جرماً يمكن أن تعاقب عليه. لهذا بقيت روحها تعيش في البرزخ.. تخرج وتعود إلى قبرها من دون أن تحدها أي حواجز. فضلاً عن الروح التي بقيت عطشى لدخول المدرسة ومعرفة صديقات أكثر واللعب مع أختها «صفية» ومناكدتها، والالتجاء إلى أمها وأبيها في حالات العجز عن حماية نفسها، أما وقد داهمها الموت فجأة، فلم يكن أمامها سوى الصراخ.. الصراخ لا غير: «أريد أمي.. أين أبي؟ ماذا يحدث أيها الناس؟ تلوح حقيبتي.. تتناثر الحروف من بين طيات الدفاتر.. تتساقط الأشكال التي رسمتها».
ثم تستمر «أمل» بسرد ما حصل لها في أثناء عملية دفنها في مقبرة خاصة بالأطفال تدعى «براثا»، قبل أن تتحقق أمنية طالما تمنتها، وهي النوم على شرشف كان يخص اختها «صفية». حتى يضيع الوقت عليها، ولم تعد تدري «كم الوقت الآن؟ في أي يوم أنا؟ نهار يمر أم ليل يطول؟ بدأت أفقد الشعور بالوقت» ص 11.
هذه «الميتة» بدأت تعيش حياتها الجديدة، تحلم.. تشعر.. تحزن.. تفرح.. لها أحاسيسها الجديدة تماماً والمختلفة عن أحاسيس الأحياء، حيث الظلمة الممتدة وعدم الشعور بالجوع: «توالت الساعات واتصلت فما عدت أعرف كم مضى من الغياب وأنا قابعة تحت الأرض أسمع هسيس عظامي مرة وأصواتاً مبهمة تشبه النواح وما هي بنواح.. أعوم في فراغ هائل» ص 15. هكذا تستمر «جثة البطلة» بالتحلل حتى لا يبقى منها سوى العظام. غير أن روحها تبقى بحيويتها ونشاطها، فتخرج من القبر وتذهب إلى البيت وتتجول في شوارع بغداد.. وبعد أن تذهب إلى بيت أهلها أكثر من مرة لترى حزنهم عليها، إلا أنها بعد ذهابها لهم بعد عام، أي عام 1963 تراهم يمرون بحزن يختلف حتى عن حزنهم عليها، حاولت أن تتفهم سبب هذا الحزن، وبدأت تنظر إلى البيت، والى من تجمعوا فيه، ولم تستطع أن تستبين أسباب هذا الحزن حتى نظرت إلى حائط الغرفة وتفاجأت برفع صور الزعيم عبد الكريم قاسم التي كانت مصفوفة على الحائط، عرفت حينها أن هذا الزعيم قد قتل، ولكن ما أن رأت الحالة حتى تذكرت كيف التقت بالزعيم وكان الناس يضجون حول سيارته التي كانت تمر في الشارع، واستطاعت هي بجسدها الصغير أن تصل إلى نافذة السيارة وتفوز منه بتحية.

متون استثنائية

على الرغم من المتن الحكائي الأول الذي بدأت به الرواية، وهو المتن الرئيس فيها، إلا أن هناك متناً آخر، وهو المتن الذي حاولت الرواية من خلال بنائها السردي أن تصل إليه، هذا المتن هو تاريخ العراق منذ الستينيات وحتى ما قبل الحرب الأخيرة.
هذه اللعبة الروائية أتاحت للكاتبة أن تسرد أحداثاً كثيرة ضمن صفحات قليلة، بعض هذه الأحداث جانبية، وهي ما اختصت بالمقابر ومن جاور «أمل» فيها. وبعضها أساسي وهي ما مر على العراق من حروب وطرق التعذيب التي طالت أبناءه جميعاً.
تبدأ أحداث العراق حينما ترى «أمل» شيئاً يشبه النيزك يطوف حول نهر دجلة، وبعد قليل تمثل هذا النيزك بشخص سألها: «هل تتذكرين؟ ولأنني صمت إذ لم تسعفني الذاكرة على الجواب قال: أنا عبد الكريم قاسم.
هتفت روحي: الزعيم؟ هز رأسه بالإيجاب وقال: منذ سنوات طويلة وروحي تحوم حول دجلة، رموا جثتي في هذا النهر، جثوت على الرمل حين جثا الزعيم وسألت: أي فكرة شريرة أن يرموا جثتك في النهر.. لماذا لم يدفنوها؟ قال وهو ينظر إلى الزبد الذي تقذفه الأمواج بين الصخور. دفنوها في أول الأمر في منطقة بعيدة عند أطراف بغداد، وقد عرف عدد من الناس الذين يحبونني فأخرجوا الجثة ليدفنوها في مكان آخر كيما يأتي الوقت لتكريمي، ولكن أحد حراس المنطقة كان قد شاهد ما فعلوه وأراد أن يحظى بعطايا الانقلابيين فأخبر الأمن، وما كان من هؤلاء الأشرار إلا أن أخرجوا جثتي وربطوها إلى كتلة كبيرة من الحديد ورموها في نهر دجلة.. منذ ذلك الوقت تاهت روحي وهي تبحث عن جسدي» ص 66.
هكذا يبدأ وجه العراق بالتغير، فبعد أيام من هذا اللقاء بدأت القبور تهتز من جراء الحرب العراقية الإيرانية و»الأولاد الذين كبروا ساقتهم شياطين الحرب إلى الجبهات، حملوا حقائب موتهم ومضوا، صار اللون الخاكي سيد الألوان» ص 68. وبدأ المجرمون بالصعود، كما حصل لغازي الذي كان يترقى في كل شهرين حتى وصل إلى رتبة عميد في أقل من عام، ففي كل معركة تأتيه رتبة جديدة، وهكذا تزداد النجمات كلما ازدادت الدماء، وحلت مواليد جديدة، لتزيد الدماء.. بدأت الجامعات تضغط على الطلبة كي يرسبوا فيذهبوا إلى موتهم. إلا أن الحرب، وبعد سنوات، تتوقف، تتوقف فجأة، وبدأت فجأة مرة أخرى حرب جديدة ولم يسلم في هذه الحرب حتى الأموات: «ورغم أننا لم نعد من أهل الدنيا إلا أننا لم نسلم من تلك الحرب.. انقلبت القبور ولفظت الأرض أحشاء الموتى من العظام والجماجم» ص 73. هل سنموت ثانية؟ بهذا السؤال يوضح «فراس»- الطفل الميت وصديق «أمل»- ما حل بالقبور، وتستمر أمل بسرد ما حدث» «تعذبت أرواحنا وهي تهيم باحثة عن الأهل.. البيوت موصدة وقد غادرها الناس والشوارع خالية إلا من العسكر الذين يختبئون وراء سواتر لا تسترهم.. أي خراب هذا الذي يحدث؟» ص 74.

الدمار الكبير

مقبرتنا تختنق بالموتى والشهداء. لم يعد للموتى مكان يدفنون فيه، فبدأ الدفانون بفتح القبور وجمع عظام الموتى في حفرة واحدة ليتسنى لهم دفن الموتى الجدد، وفي الوقت نفسه ترى أمل أطفالاً جدداً يخرجون إلى الحياة بأقل من الأوزان الطبيعية، يعانون من ضيق في التنفس وإسهال حاد وسرطانات وأمراض غريبة.. (ص 84)، وهكذا يستهان بالموت، كَثُرتْ مهمات الموت، صارت ثقيلة وعليه أن ينجزها كما يشاء الله أو متى أراد الجلاد، بدأت هيبة الموت تتراجع إزاء سلطة وبطش الجلاد.. يا لهذا الموت المسكين.. متى يسترد كرامته؟
وبالمقابل هناك فقدان الرجال الذي صار أمراً طبيعياً إذ لم يعد غريباً في هذا البلد، قد يؤخذون من الجوامع أو الجامعات أو الدوائر.. وأحياناً ينتزعون من أسرتهم، ومحظوظ من عاد بعد رحلة العذاب في الغرف السفلية من مديرية الأمن العامة أو أحد السجون التي لا يعرف بها سوى القائمين عليها، محظوظ حتى لو خرج بروح مخربة.. (ص 111). ومثلما رأينا كيف تحولت روح عبد الكريم قاسم إلى نيزك تطوف حول نهر دجلة، نرى في الجانب الآخر «سلوم» الجلاد حينما دفن فهب الموتى المعذبون بالصراخ «أيها الأموات الأحياء.. لا مكان لهذا الرجل بيننا.. إنه الجلاد «سلوم» المسؤول عن شعبة التعذيب في أحد المخابئ السرية.
يا لها من مفارقة كبيرة، جلاد فحسب لا يقبله الأموات، فكيف بالذي سبب كل هذه الحروب التي دمرت العراق؟ الذي أبت هدية حسين أن تذكر اسمه على طول روايتها وهو البطل الحقيقي للرواية؟

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية